يعد قرار الرياض بالتخلي عن خام القياس الأميركي (خام غرب تكساس المتوسط WTI) في تحديد أسعار نفوطها المصدرة إلى الولايات المتحدة بمنزلة إطلاق لرصاصة الرحمة على هذا النفط القياسي العالمي، الذي فقد جزءاً كبيراً من أهميته حتى في قلب كوشنج (Cushing) بولاية أوكلاهوما، مصب أنابيب النفط الأميركية. فلقد تزايدت في الآونة الأخيرة أهمية النفوط الأخرى القادمة إلى كوشنج ومعظمها من النفوط الثقيلة، خاصة بعد أن باتت أوكلاهوما محطةً للنفوط القادمة من كندا وبالأخص النفوط غير التقليدية (أي نفوط رمال القار الثقيلة). أضف إلى ذلك أن مخزونات النفط في كوشنج لم تعد تشكل أكثر من نحو 10 في المئة من إجمالي المخزونات الأميركية. وما عدا دوره كسعر قياس في العقود المستقبلية للنفط في سوق نيويورك للمبادلات السلعية «نايمكس» فإن خام تكساس المتوسط القياسي لم تعد له أهمية فعلية في الولايات المتحدة باستثناء مناطق الوسط الغربي (The Midwest).

Ad

وجاء قرار المملكة العربية السعودية بالتخلي عن تسعير النفط السعودي تبعاً لسعر خام القياس الأميركي وهو خام خفيف وحلو أي منخفض الكبريت، لمصلحة مؤشر جديد نسبياً استحدثته مجموعة إعلامية بريطانية هي «أرغوس Argus» منذ خمسة أشهر فقط وهو مؤشر لتسعير الخامات الحامضة (عالية المحتوى الكبريتي) في سواحل خليج المكسيك، محل خام القياس الأميركي.

خام «نايمكس»

وقد شكَّل خام غرب تكساس المتوسط على مدى ربع قرن مضى من الزمن خامَ القياس الذي تسعر تبعاً له معظم عقود النفط المستقبلية وأكثرها تداولاً في العالم وهي غالبية عقود الخام في «نايمكس»، والتي بلغت تداولاتها نحو 135 مليار برميل ورقي في عام 2008 أي أكثر بنحو 17 ضعفاً مما استهلكته الولايات المتحدة من النفط خلال ذلك العام. وفي الوقت ذاته تزايدت أهمية الخامات الحامضة في خليج المكسيك تدريجياً بل واكتسبت في السنوات القليلة الماضية أهميةً تفوق أهمية الخامات المتدفقة إلى كوشنج بولاية أوكلاهوما التي تمثل نقطة الوصول المعتمدة لخام القياس الأميركي في العقود المستقبلية.

لقد أدى ارتفاع حجم المخزونات النفطية في كوشنج، حيث تتدفق نفوط الولايات المتحدة عبر شبكة أنابيبها المتجمعة في أوكلاهوما خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، إلى تراجع نسبي في سعر خام القياس الأميركي مقارنةً بأسعار خامات القياس الأخرى في العالم، مما دفع بسوق النفط الدولي إلى حالة من الغموض وعدم الاستقرار. فسعر برميل نفط غرب تكساس المتوسط الذي كان يُباع تاريخياً بما يزيد بنحو دولارين على نفط برنت الذي يشكل مزيجاً من النفوط المستخرجة من خمسة عشر حقلاً من حقول بحر الشمال وهو أقل جودة من نفط غرب تكساس المتوسط كان قد شهد تراجعات حادة منذ عام 2007 دفعته إلى مستويات تقل عن سعر برنت بنحو 7 دولارات للبرميل في شهر مايو 2007، بل وعن 12 دولاراً في شهر يناير من العام الجاري، وقد استمر هذا الوضع الشاذ طوال فصل الصيف الماضي.

وقد دفع هذا التأرجح الكبير في سعر خام القياس الأميركي طوال الأشهر الماضية مقارنة مع أسعار نفوط القياس الرئيسية الأخرى (برنت ودبي) السعوديةَ إلى البحث عن بديل لهذا الخام، إذ كانت «أرامكو» قد بدأت في وقت مبكر من هذا العام مناقشة هذا الأمر مع عملائها في السوق الأميركي. ولا شك في أن مثل هذا التحول الهام في سياسة السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم من شأنه أن يشجّع منتجين آخرين على التخلي عن نفط القياس الأميركي التقليدي، الأمر الذي يهدد مكانة وأهمية هذا النفط الأكثر شيوعاً ومتابعةً في العالم.