من خلال برمجيات التجسس أو برامج مراقبة الحكومات، تُنتهك الخصوصية التي تُعتبر من أبرز الحريات المدنية المقدسة، ولم يعد الأمر مجرد خيال، بل أصبح ممكناً محو أو سرقة السجلات الشخصية، والمهنية، والمالية، الخاصة بأحد الأفراد لأغراض شريرة.

خلال العقد الماضي، أصبح الناس يتكلون على العالم الافتراضي في نشاطاتهم اليومية، كما يتّكلون على العالم المحسوس في نشاطاتهم الإنسانية. يمكنك تقدير تداعيات ذلك بنفسك حين تتعطّل الشبكة، أو تتوقف الهواتف الخليوية عن العمل، أو حين يخترق أحد الفيروسات شبكتك. في حالات كثيرة، يُكسَر الروتين اليومي، ترتفع نسبة التوتر، ويتوقف العمل. توجد منافع واضحة لتكنولوجيا المعلومات التي نعتبرها اليوم عنصراً أساسياً في حياتنا واقتصادنا، وأخيراً على مستوى الأمن القومي في بلادنا.

Ad

تعزز تكنولوجيا المعلومات التواصل بين الناس بطرق فريدة من نوعها، كذلك، ساهمت شبكات الألياف الضوئية العالمية في تمكين عملية التواصل بطريقة غير مسبوقة، ما عزز نشوء الهند كقوة مفاجئة في العالم، وبالتالي سمح للشركات بتغيير مسارها، وأعطى المستهلكين فرصة الوصول إلى مجموعة متنوعة من البيانات من أنحاء الأرض. يستعمل ما يقارب ربع سكان العالم الإنترنت، ولاشك أن لهذا التداخل بين سكان العالم، ضمن المجتمعات وفي ما بينها، انعكاسات ضخمة على النمو الاقتصادي والتنمية، وتحديداً في المناطق الفقيرة. ويساهم هذا التداخل أيضاً في تعزيز قدرة البلدان على تخطّي تحديات بقاء السكان أسرى المكان الواحد أو العزل الجغرافي عن أبرز البلدان المتطورة في أميركا الشمالية وأوروبا وشمال آسيا.

وبعيداً عن الآثار الثقافية الإيجابية التي تقدمها التكنولوجيا، يوجد جانب مظلم لعالم الفضاء الإلكتروني، حيث يقوم قراصنة الإنترنت ومنفّذو عمليات الاحتيال والجماعات الإجرامية الدولية، باستغلال التكنولوجيا أيضاً. من خلال فيروسات يطلق عليها أحصنة طروادة، يستطيع المجرمون والجواسيس الولوج إلى شبكات الحكومات والحواسيب الخاصة، وعبر فيروسات مختلفة وهجمات الحرمان من الخدمة، قد ينجح الأفراد والجماعات في تعطيل عمل الحكومات والمؤسسات، ومن خلال برمجيات التجسس أو برامج مراقبة الحكومات، تُنتهك الخصوصية التي تُعتبر من أبرز الحريات المدنية المقدسة، فلم يعد الأمر مجرد خيال، بل أصبح ممكناً محو أو سرقة السجلات الشخصية، والمهنية، والمالية، الخاصة بأحد الأفراد لأغراض شريرة. بالتالي، يعتبر الكثيرون أن الخطر الأكبر الذي يطول أمنهم الإنساني الفردي ينبع من الفضاء الإلكتروني، لكن مشكلة الفضاء الإلكتروني ليست شخصية فحسب، بل هي مسألة أمن قومي أيضاً. قدّم مدير الاستخبارات الأميركية الوطنية دينيس بلير شهادته حول هذه النقطة، قبل أيام، خلال تقييمه السنوي للتهديدات المطروحة: «نحن نواجه دولاً قومية، وشبكات إرهابية، وجماعات إجرامية منظّمة، ومجرمين فرديين، وناشطين آخرين في عالم الفضاء الإلكتروني، لديهم طرق مختلفة لولوج المواقع، وهم على اطلاع واسع بالتطور التكنولوجي، ولديهم ما يكفي من النوايا السيئة. يتمتع الكثيرون بقدرات على استهداف عناصر في البنى التحتية المعلوماتية الأميركية لجمع المعلومات الاستخبارية أو سرقة الملكية الفكرية أو تعطيل الشبكات».

في حين أدّى الجدل القائم بين الصين و«غوغل» إلى تجديد الاهتمام بأمن الفضاء الإلكتروني، يسعى قراصنة الإنترنت الفرديين إلى فرض أكبر خطر على الأمن المعلوماتي، لكن الحكومات الآن أصبحت تُدرج حرب الفضاء الإلكتروني ضمن خططها وعملياتها. من أحدث الأمثلة على ذلك كان هجوم الفضاء الإلكتروني الذي رافق غزو روسيا لجورجيا عام 2008، فبينما كانت الدبابات والطائرات الحربية الروسية تدخل إلى الأراضي الجورجية، هاجم «محاربو» الفضاء الإلكتروني وزارة الدفاع الجورجية. مع أن أثر هذا الهجوم لم يكن كبيراً، لكنه كان مؤشراً مهماً على أن الصراعات المستقبلية ستأخذ بُعداً واقعياً وآخر افتراضياً في آن. صحيح أن الحكومات والأجهزة العسكرية أصبحت تعتمد على التكنولوجيا نظراً إلى فاعليتها ومفعولها المهم، لكنها أصبحت أيضاً أكثر عرضة لمخاطر الفضاء الإلكتروني. ومع انتقال أعداد متزايدة من المجتمعات والحكومات والأنظمة الاقتصادية للعمل على الإنترنت، لم يعد الأفراد في البلدان المتقدمة يستطيعون عزل أنفسهم عن آثار هذه الحرب.

في جميع الأحوال، لا حاجة إلى أن ترافق الحرب الافتراضية الاعتداءات الملموسة التي تميز الحروب المألوفة. يتزايد استعمال عمليات الفضاء الإلكتروني في الدول المختلفة خارج نطاق الحرب العسكرية التقليدية، ما يؤكد أنها أصبحت أداة نفوذ فريدة من نوعها. في أي يوم من الأيام، يمكن أن تقوم الحكومات الأجنبية بتمويل عمليات اختراق عادية لشبكات حكومات أخرى، وأن يسرق قراصنة الإنترنت بيانات مالية من المصارف، وأن تنفّذ خدمات الاستخبارات الأجنبية عمليات تجسس عبر الفضاء الإلكتروني. نظراً إلى أهمية شبكات تكنولوجيا المعلومات وخطورة التهديدات التي تواجهها، يزداد الوعي في مجال الأمن الإلكتروني. على الرغم من ذلك، لم يساهم هذا الوعي في طرح أي استراتيجيات واضحة للتعامل مع التهديدات القائمة، ولاشك أنها مشكلة بنيوية جزئياً. يقوم القطاع الخاص بشكل أساسي بتصميم وبناء وامتلاك وتنفيذ العمليات على الإنترنت، لكن تتزايد التوقعات بأن الحكومة هي التي ستحمي هذا المجال. تتحمل وزارة الدفاع مسؤولية الحفاظ على أمن العنوان الإلكتروني الخاص بالمؤسسة العسكرية الأميركية، في حين تشرف وزارة الأمن الداخلي على أمن العنوان الإلكتروني الخاص بالحكومة الأميركية. يُعتبر مجال «دوت كوم» موثوقاً بالنسبة إلى الشركات التي تستعمله، لكن دينيس بلير مدير الاستخبارات الوطنية أوضح في شهادته أن الحكومات أو القطاعات الخاصة لا يمكنها الحد من مخاطر الفضاء الإلكتروني بمفردها.

لابد من اعتماد مقاربة مشتركة مع الأخذ في الاعتبار الرسالة التي وجهتها إدارة أوباما وطبيعة الأمن المتغيرة. تُعتبر التحديات الأمنية المعاصرة، مثل الأمراض الوبائية أو القرصنة أو الإرهاب، مشاكل دولية، لذا تتطلب تعاوناً دولياً. على خلاف التهديدات التقليدية، لا أهمية هنا لواقع أن الولايات المتحدة هي قوة عظمى، أو أن منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» هي أهم تحالف في العالم، أو أن الصين والهند أصبحتا قوتين ناشئتين، فالتهديدات الدولية تطاول البلدان كافة على مستوى المواطنين، ولاتزال الحكومات تصارع لاكتشاف طريقة تحل المشكلة.

* أستاذ في الشؤون الأمنية الوطنية في كلية الحرب البحرية الأميركية في نيوبورت، رود أيلاند. يعبّر هذا المقال عن رأيه الخاص.