تعتبر كوريا الشمالية الأفضل حين يتعلق الأمر بفرض قيود على المعلومات، ففي هذا المكان، قد يقودك الاستماع إلى إذاعة أجنبية إلى مخيّم اعتقال لمدة سبع سنوات، وقد تؤّدي محاولة إجراء اتصال هاتفي بالعالم الخارجي على ما يُفترَض إلى إنزال عقوبة الإعدام بك.

ساهم اعتقال كوريا الشمالية الصحافيتين اللتين تعملان لدى قناة كارنت تي في، لورا لينغ ويونا لي، ومن ثم إطلاق سراحهما، والتقاريرالأخيرة حول قيام السلطات الكورية الشمالية والصينية بقمع شبكات اللاجئين، في تجديد الجدال العام بشأن المدى الذي يجب أن يبلغه الصحافيون الأجانب في تغطيتهم الدول القمعية. يفرض قادة دول مثل ميانمار (بورما سابقاً)، الصين، كوريا الشمالية وزيمبابوي قيوداً على وسائل الإعلام الأجنبية، خشية أن تهدد تفسيراتها المستقلة لسياساتهم وأفعالهم حكمهم محلياً وتلحق الضرر بسمعتهم في الخارج.

Ad

تنشئ هذه الدول شبكات استخباراتية محكمة لمراقبة الصحافيين الأجانب فضلاً عن المنشقين المحليين الذين قد يساعدون المراسلين في جمع المعلومات، وذلك من أجل لجم الأخبار التي تنعكس بشكل سلبي على أنظمتها. في المقابل، أصبح الصحافيون الذين يسافرون إلى هذه البلدان ممثلين دوليين غير رسميين عن السكّان المحليين، مستعرضين ومناقشين وجهات النظر التي حاول المسؤولون الحكوميون إسكاتها بالقوة. ما من شك في أن تحدي الرقابة التي يفرضها نظام ما على المعلومات بمثل هذه الطريقة يشكّل خطراً كبيراً على الصحافيين ومعارفهم المحليين على حد سواء، لذلك يجب أن يوزان هؤلاء بين هواجس السلامة الخاصة بالمراسلين والمنشقين الذين يساندونهم والحاجة إلى تنمية الوعي العام بشأن المسائل التي تكبتها الحكومات الاستبدادية. لسوء الحظ، على المراسلين والمواطنين في الأنظمة القمعية تحملّ هذه المخاطر على قاعدة يومية، إن كان هناك من احتمال لبناء حوار قد يفضي إلى تغيير جذري.

يكمن الحل البديل في تحقيق رضا واكتفاء ذاتي لتجاهل الوقائع المهمة للبشر الذين يعيشون معاناة في العالم، لكن لينغ ولي اختارتا المخاطرة لكشف مسألة الاتجار بالبشر عبر الحدود الصينية-الكورية الشمالية، ولعرض نشاطات الوكالات التي تعمل على الأرض لمساعدة الضحايا. ذلك لا يعني أنهما كانتا متهورتين في عملهما إنما ضد مصالح محلية فاسدة محتملة ونظام قمعي عازم على عدم السماح بنشر القصّة.

الواقع أن ظروف اعتقالهما تثير أسئلة خطيرة بشأن مدى تواطؤ سلطات المحافظات الصينية والحراس الأمنيين على الحدود الكورية الشمالية لمنع لي ولينغ من الحصول على قصة تنعكس بشكل سلبي على السلطات المحلية في كلا الجانبين من الحدود.

تعتبر كوريا الشمالية الأفضل حين يتعلق الأمر بفرض قيود على المعلومات، ففي هذا المكان، قد يقودك الاستماع إلى إذاعة أجنبية إلى مخيّم اعتقال لمدة سبع سنوات، وقد تؤّدي محاولة إجراء اتصال هاتفي بالعالم الخارجي على ما يُفترَض إلى إنزال عقوبة الإعدام بك. نادراً ما يُمنح الصحافيون والسيّاح الأجانب تأشيرات سفر، وعند منحها، يُؤخَذ الزوّار في جولات حكومية حيث لا يُسمَح لهم بالغياب عن أنظار مرافقيهم أو التحدث إلى السكّان المحليين.

سيجمع معظم الناس على أن دور الصحافي، بشكله المثالي، يقضي بأن يكون هذا الأخير مراقباً محايداً للأحداث التي تسجّل حاضرنا. على الرغم من أن وجهة النظر هذه تجاه وسائل الإعلام قد تبدو ساذجة، فمن الصعب عدم الإقرار بواقع أن الصحافيين يؤدون بطريقة أو بأخرى دوراً فعّالاً في تطوير فهمنا للعالم.

ففي الولايات المتحدة وأوروبا، نتوقع تلقائياً الحصول على معلومات مهما بدا الأمر عادياً أو مهماً. لقد أدرجنا هذا المبدأ المثالي في دساتيرنا وقوانيننا، ونحاول دوماً الحرص على تعزيزه للحفاظ على الشفافية والمسؤولية، لكن اعتمادنا على وسائل الإعلام يشدّد أيضاً على أهمية الحصول عرض وجهات نظر متنوعة ليست بالضرورة تلك التي تعتنقها الطبقات الحاكمة. تلك هي بلا شك المسألة المعرضة للخطر عند مناقشة ما إذا كان يجب أن يتحمّل الصحافيون المخاطر المصاحبة لتغطية البلدان القمعية أم لا.

دخل مراسل صحيفة نيويورك تايمز، باري بيراك، زيمبابوي بتأشيرة سفر سياحية في عام 2008 لأنها كانت تلك الطريقة الوحيدة لتغطية انتخابات تبيّن أنها خير مثال على الفساد والتهويل السياسيين، ففُضح أمر بيراك وسُجن لمدة خمسة أيام لدخوله من دون تفويض مناسب.

هذا ودخل أندرو مارشال، الذي يعمل بشكل مستقل لدى مجلة تايم، ميانمار في عام 2008 بتأشيرة سفر سياحية لنقل وقائع الدمار الذي خلّفه إعصار نرجيس وحالة أعمال الإغاثة. في ذلك الوقت، كانت ميانمار قد أغلقت حدودها أمام الصحافيين وعمّال الإغاثة، خوفاً من أن تحرّض الأنباء عن ردها غير الكافي على الأزمة الإنسانية سكّاناً بدؤوا مسبقاً بالانتفاض في وجه الدولة. تمكّن مارشال حينئذ من تغطية بعض المناطق الأكثر تضرراً قبل اعتقاله ومن ثم ترحيله.

عبر دخول زيمبابوي وميانمار بحجج مزيّفة، تمكّن كلا الصحافيين من إطلاعنا على معلومات لم تكن لتتوافر بطريقة أخرى، ولابد من أن يتحمل الصحافيون تلك المخاطر لزيادة التوعية ومحاسبة الحكومات على أعمالها، إن كنا، نحن الجمهور، نأمل في الحصول على معرفة حقيقية بالحياة اليومية لملايين الأشخاص في أنحاء العالم.

* أمين عام منظّمة «مراسلون بلا حدود» التي تدافع عن الحريات الإعلامية، وتتخذ من باريس مقراً لها.