لدينا فأران، أحدهما يزن 20 غراماً، وذو فراء بني، بينما الآخر سمين يزن 60 غراماً وذو فراء أصفر اللون وعرضة للإصابة بداء السكّري والسرطان. إنهما توأمان متشابهان يحملان الحمض النووي عينه. لكن ما الفارق بينهما؟

تبيّن أن خصائصهما المتغيّرة خاضعة لوسيط بين الطبيعة والتغذية يُعرَف بالإيبيجنتكس epigenetics. تساهم مجموعة من الجزيئات التي تستقر فوق حمضنا النووي وتُدعى الإيبيجينوم (أي {فوق الجينوم})، في الإملاء على المورّثات متى تعمل ومتى تتوقف. حوّل راندي جيرتل من جامعة ديوك لون أحد الفأرين إلى البني والآخر إلى الأصفر عبر تغيير مورّثاتهما اللابنيوية في الرحم بواسطة النظام الغذائي. تلقت أم الفأر البني النحيف خلال فترة حملها مكمّلاً غذائياً من حمض الفوليك، الفيتامين B12 وغيرهما من المواد المغذية بخلاف أم الفأر البدين. على رغم أن لهذين الفأرين أمّين مختلفتين، إلا أنهما متشابهان وراثياً نتيجة السلالة المتقاربة. بنتيجة الأمر، أوقف المكمّل عمل المورثة التي تعطي الفئران لوناً أصفر وشهيةً نهمة.

Ad

يقول جيرتل: {إذا نظرت إلى هذه الحيوانات وأيقنت بأنها متشابهة وراثياً، ولم تقدّر أهمية الإيبيجنتكس في الأمراض بعد أن أصبح بعضها أصفر اللون، بديناً ومصاباً بالسكري بعد 100 يوم، فلا أمل بأن تقدّر ذلك بصراحة}. في هذا الإطار، يقارن جيرتل الجينوم بجهاز الكمبيوتر، والإيبيجينوم بالبرمجيات التي تملي عليه التعليمات.

بحسب تفسير جيرتل، تختلف الإيبيجينومات إلى حدّ كبير بين الأجناس، لذا لا يسعنا الافتراض بأن البدانة لدى البشر يمكن تجنّبها بواسطة الفيتامينات التي تتناولها الأم خلال فترة الحمل. لكن تجربة جيرتل تشكّل جزءاً من مجموعة أبحاث متنامية حملت بعض العلماء على إعادة النظر في مصير الإنسان الوراثي. فهل مصيرنا الوراثي، كالإصابة مثلاً بالاضطراب الثنائي القطب أو السرطان في سن السبعين، مُقدّر لدى تشكّل حلزوناتنا المزدوجة أم أننا نستطيع تغييره بطريقة ما؟ هل مهمّتنا تلقّي الحمض النووي أم الاعتناء به؟

أعلنت معاهد الصحة الوطنية العام الفائت أنها ستستثمر 190 مليون دولار لتسريع البحوث في مجال الإيبيجنتكس. وهكذا تكشف قائمة الأمراض التي ستُدرَس بفضل المنح المتلقاة عن نطاق هذا الحقل الناشئ: السرطان، الألزهايمر، التوحّد، الاضطراب الثنائي القطب، الفصام، الربو، مرض الكلى، المياه الزرقاء، الضمور العضلي، وغيرها من الأمراض.

علم محدود

حين عقد جيرتل مؤتمره الأول حول علم الإيبيجنتكس في العام 1998 في رالي، في كارولاينا الشمالية، كان هذا العلم محدوداً جداً الى حدّ أنه خشي من ألا يحضر أحد المؤتمر. لكن قدم آنذاك 160 شخصاً. لذلك استضاف جيرتل مؤتمراً آخر في العام 2005 استقطب 470 شخصاً. في هذا السياق، يشير مايكل ميني، باحث في الأدمغة في جامعة ماجيل في مونتريال: {إنه أكثر موضوع رواجاً راهناً}.

حين يوقَف عمل مورثة ما عبر الإيبيجينوم، تُضاف إلى الحمض النووي عادةً مجموعة الميثيل. أدرك علماء الإحياء منذ عقود دور المَثيَلة methylation في تمايز الخلايا في الرحم، عبر جعل إحداها للجلد، وأخرى للكبد، وهكذا دواليك. يحدث التمايز الخلوي أيضاً حين يتدخّل العلماء لتحويل خلية جذعية لدى جنين إلى نوع معيّن من الخلايا. لكن منذ خمس سنوات، حين تقدّم ميني بتقرير يفيد بأن مثيلة الحمض النووي تحدث خلال مراحل الحياة كافة رداً على التغييرات البيئية، قيل له إن هذا مستحيل. بحسب جيرتل، يحدث معظم عمليات مثيلة الحمض النووي قبل الولادة وخلال مراحل الطفولة، البلوغ والشيخوخة. هذا وتشير الأبحاث إلى أن الإنسان مستقر جداً خلال فترة سن الرشد لناحية الإيبيجينوم.

من جهته، أشار الباحث سايمون غريغوري في قسم الطب في جامعة ديوك إلى الرابط بين مثيلة الحمض النووي والتوحّد في مقالة نُشرت في أكتوبر(تشرين الأول) الفائت في مجلة BMC Medicine.

في المقابل، يركّز معظم الدراسات الجينية الخاصة بالتوحّد على التغيّرات في التسلسل النووي بحد ذاته، لا سيما في المورثات المفقودة. تفحّص غريغوري وزملاؤه إحدى مورثات هورمون الأوكسيتوسين المتلقية والمسمّاة OXTR، واكتشفوا بأن 70 في المئة من أصل 119 شخصاً مصابين بالتوحّد في دراستهم، لديهم مورثة OXTR خاضعة للمثيلة. أمّا لدى عيّنة الأشخاص غير المصابين بالتوحّد، بلغ المعدّل نحو 40 في المئة. يُشار إلى أن الأوكسيتوسين هورمون يؤثّر في التفاعل الاجتماعي، لذا يجد أولئك الذين يعانون اضطرابات الطيف التوحدي صعوبةً في التفاعل مع الآخرين.

علاجات

بما أن هذه كانت مجرّد دراسة تجريبية، تبرز إذاً ضرورة إجراء مزيد من البحوث. لكن غريغوري يقول إن الأدوية التي تغيّر عملية المثيلة قد تُتّخذ كوسيلةً جديدة للعلاج. كذلك يأمل بأن يستخدم الأطباء النتائج التي توصّل إليها لتشخيص داء التوحّد. يعقّب غريغوري: {حازت المثيلة اهتماماً كبيراً لعدد من السنوات في حقل السرطان. لكن من المثير جداً للاهتمام اكتشاف الرابط بينها وبين التوحّد}.

لا يزال العلاج بالإيبيجنتكس غامضاً، لكن علماء الأورام حقّقوا نجاحات خلال استخدامه لمكافحة سرطان الدم (لوكيميا). فأصبحت مادة أزادسيتيدين الكيماوية التي تُباع تحت اسم Vidaza وتُستخدم لعلاج سرطان النقي (نسيج داخل العظام) واضطرابات الدم، أول عقار مُصادق عليه من إدارة الأغذية والأدوية في مجال الإيبيجنتكس في العام 2004. فحين تعجز المورّثات التي تقمع الأورام عن أداء وظيفتها بسبب تشوّه جيني أو إفراط في المثيلة، قد تتكاثر الخلايا السرطانية بشكل خارج عن السيطرة. لكن عبر التلاعب بالإيبيجينوم، يستطيع الأطباء حمل تلك المورّثات على استئناف عملها. كذلك يبدي علماء السموم اهتماماً كبيراً بالإيبيجنتكس. لفت عالم الأحياء الجزيئي في جامعة ولاية واشنطن مايكل سكينر الأنظار بفضل دراسته التي أجراها في العام 2005. تبيّن أنه حين تعرّضت أنثى جرذ حامل لجرعات كبيرة من مبيدات الآفات، شهد جنينها فضلاً عن الأجيال الثلاثة التالية المتحدرة منها مستويات عالية من العقم. لكنّ ثمة علماء شكّكوا في دراسة سكينر لأنهم لم يتمكنوا من التوصّل إلى النتائج عينها في مختبراتهم.

في المقابل، تبدو الآثار المحتملة لذلك على البشر مروّعة. فهل تؤثّر المواد الكيماوية التي نهضمها على أحفاد أحفادنا؟ فضلاً عن مبيدات الآفات، يدرس علماء السموم المواد الكيماوية الموجودة في البلاستيكيات، كمركّبي الفثالات وثنائي الفينول أ، لمعرفة إن كانت تستطيع زيادة خطر إصابتنا بالأمراض عبر تغيير الإيبيجينوم.

يعقّب جيرتل إنه وزملاءه الباحثين يناقشون عادةً الإيبيجنتكس على نطاق صغير، لكن حين يتراجع وينظر إلى الصورة في إطارها الواسع، يرتعب.

يضيف: {يقشعر بدني الآن وأنا أتحدث عن الموضوع. ها نحن ننظر إلى كتاب الحياة، فكيف نقرأه وكيف نستطيع تغييره؟}.