قد يكون التباين في مواقف نواب الأمة من قضية شديدة الحساسية، مثل قضية القروض الاستهلاكية والمقسطة المتعثرة، مبررا، انطلاقا من الاختلاف في قناعاتهم ومرئياتهم وخلفياتهم وأهدافهم ومقاصدهم، ولكن ما ليس بالمنطقي أو المقبول هذا التباين والاختلاف في مواقف وتصريحات بعض المسؤولين في الجهاز التنفيذي للدولة تجاه هذه القضية، فمثل هذا التباين والاختلاف يشكل مدخلا شرعيا لتضخم كرة الثلج هذه التي ما فتأ حجمها يكبر ويتسع منذ عام 2005، حين بدأت محاولات تحويل هذه القضية الى قضية عامة أو وطنية، ولاشك في أن الزيادة المطردة في عدد المقترضين المتعثرين منذ ذلك الحين حتى هذه اللحظة تدل على الدور الذي تلعبه المواقف الرسمية وشبه الرسمية المعلنة، والتي قد تخلو من الاتساق أو التوافق تجاه مسألة المتعثرين، وكذلك الدور الخطير، الذي تلعبه الوعود، ودغدغة المشاعر بإسقاط القروض أو شرائها، في سكب الزيت على نار المشكلة، والمساهمة في تزايد عدد المتعثرين تعثرا فعليا أو وهميا.

Ad

وقد اعتقدت كما اعتقد كثيرون في ديسمبر من عام 2007 أن القضية قد حسمت بعد أن قام بنك الكويت المركزي آنذاك، وهو الجهة الرسمية المختصة بالرقابة على الائتمان، بنشر بيانات مفصلة عن حجم مشكلة القروض الاستهلاكية والمقسطة، حيث تبين أن عدد عملاء البنوك المقترضين قد بلغ حتى نهاية نوفمبر 2007 نحو 277 ألفا، وأن نسبة المقترضين المتعثرين في مواجهة هذه القروض لا تزيد على 2 في المئة، وهي نسبة طبيعية بالمقاييس العالمية، وكانت المعالجات قد تركزت بعد نشر تلك البيانات على إنصاف بعض المقترضين، الذين تجاوزت معدلات قروضهم وفوائدها النسب المحددة لها من رواتبهم، أو ممن تسببت طرق مصرفية مركبة في حساب فوائد هذه القروض في تحميلهم أعباء لا طاقة لهم بها، وهذه أمور ينبغي أن تعالجها الإجراءات القضائية.

كما اعتقدت مع كثيرين بعد ذلك أن هذه المشكلة قد وجدت ضالتها في القانون رقم 28 لسنة 2008 بشأن إنشاء صندوق لمعالجة أوضاع المواطنين المتعثرين الذي خصص لمساعدة من تزيد التزاماته الشهرية على نسبة 50 في المئة من دخله الشهري، والذي رصدت له الدولة من الاحتياطي العام خمسمئة مليون دينار كويتي، ولكن لم يصدق هذا الاعتقاد ولا ذاك، فما زال هناك من يشهر سيف هذه القضية من النواب ويحمل هذه القضية أكثر مما تحتمل.

ومجددا جاء اجتماع لجنة الشؤون المالية بمجلس الأمة مع ممثلي وزارة المالية والبنك المركزي هذا الشهر، حيث أعادت الحكومة فيه تأكيد أن نسبة القروض التي اتخذت بشأنها اجراءات قانونية بلغت نحو 3 في المئة فقط من اجمالي القروض، وهذه أيضا نسبة متدنية في ظل الأزمة المالية التي تعرضت لها معظم اقتصادات العالم منذ النصف الثاني من عام 2008.

ولست أفهم في ظل مثل هذه التأكيدات المدعمة بالأرقام، كيف يتأتى لبعض أقطاب الجهاز التنفيذي أن يرسل إشارات مبهمة أو إشارات قد يتقاطع بعضها أو يتعارض مع الرأي الفني للبنك المركزي أو الموقف الرسمي المعلن لوزارة المالية، وهما الجهتان المختصتان والمالكتان للبيانات الفعلية عن حجم مشكلة الإعسار المالي أو التعثر في السداد من جانب عدد من المقترضين.

إن من شأن هذه الإشارات أن تعطي الشارع انطباعا بأن هناك انقساما أو ضعفا أو تذبذبا في الموقف الرسمي تجاه بعض الحلول والمخارج والمقترحات التي يطرحها البعض لمعالجة هذه المشكلة، خصوصا أن بعض هذه الحلول يجافي منطق العدالة ومبدأ المساواة في الحقوق والواجبات.

إن جزءا أساسيا من مكونات هيبة الجهاز التنفيذي ومصداقيته يكمن في مدى تناغم وانسجام واتساق وتوافق مقاطع النوتة الموسيقية، التي تعزفها الجوقة الحكومية، أما إن قطع انسياب هذه النوتة نغم نشاز، فلن يستطيع أحد أن يلقي باللائمة على المواطنين حين ينصرفون عن سماعها، وفي مثل هذه الأجواء الملبدة بالغيوم، يتطلع الناس الى موقف حازم جازم يضع النقاط على الحروف بشأن هذه القضية، ويضمن مصداقية الدولة، ووعيها بأن بعض الحلول المقترحة لهذه «المسألة» إنما يشكل مدخلا الى مشكلة أكبر حجما وأشد صعوبة، وفي درس «المناخ» عبرة لمن أراد أن يعتبر.