حوّل الشاعر المصري محمد توفيق الجماد إلى كائن حي قادر على التواصل الإنساني، وبلغة شعرية متدفقة خالية من التعقيد والتعالي أطلق العنان لأحدث دواوينه {سيرة أخشاب تتهيأ للملكوت} الصادر أخيراً عن {دار التلاقي} في القاهرة والذي يلقى حفاوة كبيرة في الكويت حيث يقيم توفيق راهناً، معه كان الحوار التالي.كيف انعكست سنوات النشأة الأولى على عالمك الإبداعي؟
نشأتُ في{البريج} وهو نجع صغير يتبع قرية {الحبيلات الشرقية} النائية في محافظة قنا في أقصى جنوب مصر. وفي بلاد صدق من وصفها بأنها مسكونة بوهج الشمس الذي يُنضج المواهب مبكراً تفتحت عيني على الطبيعة البكر، حيث النيل يحتضن بيوت القرويين ويهبهم خيره، والمروج الخضراء تصبغ الروح بالحلم والأمنيات وتهب الذهن قدرة على التأمل والإبحار في الملكوت. من هنا، تروقني الطبيعة كثيراً ونشأت عاشقاً لكل مفرداتها من أشجار باسقة وجداول رقراقة تشق الأرض العطشى.منذ الطفولة أيقنتُ ألا شيء يعادل الثقافة والتعلم قيمة، ونما داخلي شغف متزايد بالقراءة. قرأتُ في التراث وتعلقتُ بـ{ألف ليلة وليلة} ونهلت من نوادر {البخلاء} للجاحظ، و{حياة الحيوان} للدميري، وقرأت أبا العلاء المعري ونهلتُ أيضاً من أشعار المتنبي وأبي نواس، وطالعت كتب التراث الممنوعة لأكتشف كنزاً أدبياً عظيماً حرمنا منه حراس الفضيلة المزيفون، فقرأت كتابات جلال الدين السيوطي وابن رشد الجريئة وحفظتُ قصائد كاملة لشوقي، ودرستُ أشعار عنترة والفرزدق وجرير. كذلك تعلقتُ بابن زيدون والعباس بن الأحنف وغيرهم. ذلك كله انعكس على كتاباتي الشعرية.ما منطلقاتك الرئيسة في الكتابة؟لم أعد معنياً في المرحلة الراهنة بكتابة نصوص منفردة، فكل همي إنجاز مشاريع شعرية متكاملة يدور كل مشروع منها حول محور واحد. لم أعد راغباً في كتابة النصوص المتفرقة التي لا تجمع بينها وحدة الموضوع، وأنطلق من مفهوم الحرية الأشمل، فلا خير في مبدع تكبله القيود ولا في مبدع منفصل عن القضايا الإنسانية الأرحب. أنا إنسان وكفى ولا أُحب أن أُصنف تحت أي مسمى آخر أيديولوجي أو غيره، فما يعانيه الناس جميعاً يحفزني لكتابة نص معبر عن الهم الإنساني.ماذا يعني الشعر بالنسبة إليك؟الشعرُ باختصار شديد بديل للانتحار. ماذا كان سيفعل مثقف يقطن قرية نائية في أقاصي الصعيد إن لم يرسم أمامه الحلم بكتابة قصيدة نابضة بهمومه وهموم أهله وغائصة في دهاليز الوجع الإنساني الأرحب؟ لذا كان الشعر حياة أخرى أكثر رقة من الواقع المؤلم. القلم رفيقي الذي لم يخني، والشعر فرحتي في أزمنة الأمل وشمعتي المضيئة في أروقة الظلام. لم يعد لنا غير حرف صادق نكتبه في أزمنة الكذب.لماذا جمعت في ديوانك الأخير {سيرة أخشاب تتهيأ للملكوت} بين قصيدتي النثر والتفعيلة؟أؤمن بأن قالب الشعر ليس المهم بل الشاعرية والرؤية الثاقبة إذ تميزان تجربة شعرية عن أخرى. بدأتُ كتابة القصيدة العمودية وفزتُ بجوائز عدة في هذا اللون التقليدي، كذلك كتبتُ التفعيلة ولا أزال وفزت أيضاً بجوائز من جهات أدبية مرموقة، وجمعتْ قصائد ديواني الأول {هندسة الأوجاع} بين التفعيلية والعمودية، وبعد ذلك كتبتُ قصيدة النثر التي أراها الآن أكثر قدرة على التعبير عن الذات الشاعرة، وأكثر مسايرة لروح العصر. يبقى الشكل مجرد وعاء والأهم ما يحتوي عليه من مضمون. في المقابل، أعيّب على بعض من يكتب قصيدة النثر على سبيل الاستسهال، فللأسف الشديد، الساحة الأدبية راهناً أشبه بملعب بلا حكم، ولا غرو أن يختلط الغث بالثمين!أنت على علم بالأزمة التي تعرض لها الشاعر حلمي سالم بسبب قصيدة {شرفة ليلى مراد} التي اعتبرها البعض تطاولاً على الذات الإلهية بينما رفض هو قصر كلمة الرب على الذات الإلهية. لماذا عزفت على الوتر نفسه في قصيدتي {خشبة الرب} و{هراوة}؟لم ولن أتعمد الإساءة إلى الذات الإلهية أو المقدسات، فقد نشأتُ في بيت متدين ووالدي (رحمه الله) كان من حفظة القرآن، ومفردة الرب التي وردت في بعض قصائد الديوان تحمل أكثر من دلالة، ومن الخطأ اجتزاء مفردات من سياقها بغرض إلقاء التهم جزافاً، حتى قصيدة حلمي سالم {شرفة ليلى مراد} لا أرى فيها أي تطاول على المقدسات، لكن مع الأسف الشديد يبدو أن محاكم التفتيش رجعت، والغريب أن كثيراً ممن كفروا سالم وغيره من الأدباء لم يقرأوا هذه الإبداعات إنما ساروا على {موجة التكفير} بلا تفكير ولا تحليل ولا رجوع إلى الدلالات البلاغية والمجاز وغيرها.تقول في قصيدة {مضاجعة}: {فتنتفض أعضاؤهم ليضاجعوا الملائكة}. هل ترى في مضاجعة الملائكة صورة فنية راقية. ألم تخش اتهامك بالاتكاء على صور تغازل الجنس وتهاجم الدين لتحقيق حضور إعلامي على حساب البعد الفني؟اعترض كثيرون على هذه العبارة الواردة في سياق تأملي لصيرورة الأشياء وتحولات الأخشاب وتماهي الأشجار في أجسادنا وذواتنا. إنها حلقة متجددة من حلقات الحياة. أستغرب كيف لا يكلف من يدعون الدفاع عن المقدسات أنفسهم عناء البحث عن معاني المفردات وأساس بنيتها، فمفردة المضاجعة تحمل أكثر من معنى، وليرجعوا إلى {لسان العرب} الذي أفاض في شرح ذلك، لكن للأسف أخذها البعض على المحمل المباشر ولم يذهب إلى أبعد من الممارسة الجنسية التي لم أقصدها أبداً في النص.ثم ما فائدة هذا الحضور الإعلامي إذا لم يكن مشفوعاً بمنجز أدبي وسعي إلى كتابة نص جيد معبر وليس مجرد {حبر على الورق}. عموماً، لا يعنيني سوى احترام ذاتي والعكوف على مشروعي الشعري، وحينما أكتب لا أضع في ذهني أي محاذير ولا {تابوهات}، لإيماني بأن أي أديب {خوَّاف} تموت إبداعاته قبل أن تولد. الكاتب الخائف خائن لضميره ومُهدر لأفكاره لمصلحة القمعيين، وهو كالمتواطئ مع الظلاميين، أعداء الحياة وأنفسهم، إذ لا يتذوقون الفن والأدب، وحصروا أنفسهم في نطاق الحرام والحلال، فمن أعطى أعداء الحياة الحق في التحدث نيابة عن الله؟ مَنْ الذي خولهم سلطة التحليل والتحريم!كررت لغة التخاطب في قصائدك على طريقة: قال لي، قلت لها، سألتها،...إلخ، هل قصدت تشكيل حالة حوارية في القصيدة، وما الهدف منها؟في {سيرة أخشاب تتهيأ للملكوت} تتماهى الأشياء والكائنات في بوتقة واحدة، فلا فرق بين شجرة وإنسان، وما يفنى من موجودات يدخل في حيوات أخرى ويذوب ليهب النبض لمخلوفات أسمى، والحالة الحوارية فرضتها حالة الوجد والتوحد مع الآخر سواء كان بشراً أم جمادات، والأخيرة أسبغتُ عليها حياة لا تقل أهمية عن حياة البشر، فلا غرو إذاً من أنسنة كل مفردات الكون والوجود واستنطاقها ومحاورتها.كتبت في {عبادة}: صمتها عبادة/ واهتزازها سجود/ ولأنها في جنة دائمة/ لم تفجر نفسها لتضاجع الحور العين! ماذا قصدت هنا تحديداً؟أردت توصيل رسالة من خلال الديوان كله، فالأشجار مخلوقات أرقى من بعض البشر وليس أدلّ على ذلك من أن أغصانها في عناق دائم. الشجرة لا تطعن شجرة من وراء ظهرها، وهي متدينة بطبعها إذ يتوغل جذرها في سر الأرض، وتسبّح أغصانها الخالق طوال الوقت، لذا لا تفجر نفسها كما يفعل بعض المتطرفين الذين يظنون أن إزهاق الأرواح طريقهم إلى جنة الخلد.وفي {أصالة}: {لكن أخوتي رموني في الجب/ حتى لا أقاسمهم الفتات!}، إلى أي حد استفدت من قَصص القرآن وبلاغته؟استقيت من القرآن قصصاً صغتها شعراً، واستفدت من بلاغة المقدس وبنيته اللغوية في الطرح غير المباشر وتحميل المفردة أكثر من دلالة وصناعة تورية مباغتة تُعمل العقل، لكن حرصت أيضاً على ألا أكون ناسخاً للحدث القرآني والقصص التي أوردها.
توابل
شاعر الأشجار محمد توفيق: لا خير في مبدع تكبّله القيود
11-10-2009