أطلق المسلمون اسم الأندلس على شبه جزيرة أيبيريا عام91هـ/ 711م، بعد دخولهم إليها بقيادة طارق بن زياد وضمّها إلى الخلافة الأموية.بقي المسلمون في الأندلس حتى سقوط مملكة غرناطة عام 1492م. وهي تعريب لكلمة الوندال وتعني فرعاً من القبائل الجرمانية التي سيطرت على شبة جزيرة أيبيريا لفترة من الزمن.
حقّق المسلمون تقدّماً واسعاً في شمال إفريقيا، وأحكموا سيطرتهم على هذه المنطقة التي استعصيت عليهم لفترة طويلة، ثم وصلوا إلى منطقة طنجة المواجهة لشبة جزيرة أيبيريا، في عهد الوليد بن عبد الملك (86-96هـ). فعزز والي المغرب موسى بن نصير قوى البحرية الإسلامية، وجعل القيروان قاعدة حصينة في قلب إفريقيا، معتمداً سياسة معتدلة ومنفتحة تجاه البربر، ما حوّل معظمهم إلى حلفاء له، بل دخلوا في الإسلام.كذلك أرسل موسى بن نصير القائد الشاب البربري طارق بن زياد من طنجة مع جيش صغير من البربر والعرب سنة91هـ/ 711م، وعبر المضيق الذي سمي على اسمه، ثم انتصر على القوط الغربيين وقتل ملكهم لذريق.بعد سقوط الخلافة الأموية في دمشق أفلت عبد الرحمن بن معاوية (عبد الرحمن الداخل) من قبضة العباسيين، فهرب إلى أخواله في الشمال الإفريقي، وأقام لديهم فترة من الزمن، ثم فكر في دخول الأندلس للابتعاد عن العباسيين، فراسل الأمويين في الأندلس، وعبر إلى الأندلس لإقامة الدولة الأموية فيها. وظلت تلك الدولة قائمة حتى انهارت في سنة 422هـ لتعيش الأندلس ما تبقى لها من عمر بين مد وجزر بين المسلمين والأسبان، حتى جاءت النهاية عندما توحدت مملكتا قشتالة وأرجون تحت مسمى أسبانيا الكاثوليكية، التي قضت على بقايا الوجود الإسلامي في الأندلس سنة 1492م.من هو؟هو أبو مروان حيان بن خلف بن حسين بن حيان بن محمد بن حيان بن وهب بن حيان. ابن أسرة عُرفت بقربها من السلطة، فقد كان جده الكبير حيان مولى للأمير عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام، مؤسس الدولة الأموية في الأندلس. ولد مؤرخنا في قرطبة حاضرة الأندلس سنة 377هـ/987م، وكان أبوه خلف بن حيان كاتباً لشؤون المال والإدارة لدى المنصور بن أبي عامر حاكم الأندلس المطلق، أي أحد وزرائه بمفهوم عصرنا، وتوطدت علاقة الوالد بالمنصور فلازمه في غدواته وغزواته إلى الممالك النصرانية في الشمال.كتب ابن حيان في كتبه عن أبيه روايات تاريخية عدة عن أحداث وقعت في قصور الخلافة الأموية، ساهمت في إيقاظ حاسته التاريخية، ومكنته من الوقوف على شؤون الدولة ودراسة مختلف التيارات السياسية.كانت قرطبة في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، غدت أحد أعظم مراكز العلم والحضارة في العالم الإسلامي، وأضحت جامعتها الشهيرة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري إحدى أعظم جامعات الأندلس قاطبة. فاستفاد ابن حيان من هذا الجو العلمي سواء الذي وفره له والده، أو الكفاءات العلمية المتوافرة في قرطبة فانكبّ على دراسة الحديث والأدب واللغة، وبرع في الأدب والرواية حتى غدا أحد أعلامها ومحققيها. وكانت نشأته في أسرة ميسورة الحال ترتبط بالأوساط العليا في قرطبة تتيح له الاطلاع على أفضل ما في مكتبات قرطبة، خصوصاً المكتبة الملحقة بقصر الخلافة، كبرى مكتبات العالم آنذاك ولم تقارن إلا بمكتبات بغداد والقاهرة. شاهد ابن حيان في شبابه تغيرات سياسيّة خطيرة كان لها آثارها الخطيرة على الوجود الإسلامي في الأندلس، إذ انهارت الدولة العامرية المسيطرة على شؤون الحكم في الأندلس، وأعقبها ترنح الخلافة الأموية على مدار 40 عاماً، ثم سقطت لينفرط عقد المدن الأندلسية ووحدة البلاد السياسية، فقامت على أنقاض الأندلس دويلات عدة عرفت بدول الطوائف وكان بعضها لا يزيد على كونه مدينة ودولة، فيما أخذت البقايا الأسبانية تعيد تنظيم قواتها وتبدأ في توجيه جيوشها صوب الأراضي الأندلسية.سنحت لابن حيان، وهو معاصر لدول الطوائف، ومدون لأحداثها، فرصة لدراسة أحوال هذه الدويلات عن قرب، فقد ولى الوزارة لبني جهور سادة قرطبة وحكامها عن طريق نظام الجماعة أو الشورى، وكان أحد معاوني أبي الوليد محمد بن جهور، ابن أبي الحزم بن جهور مؤسس حكومة الشورى، واستمر في وظيفة الوزارة حتى انهيار دولة بني جهور، إثر افتتاح المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية لها في سنة 462هـ /1070م، على إثر هذا الفتح أرسل ابن حيان برسالة تهنئة إلى المعتمد بن عباد.عاش المؤرخ بقية عمره الطويل، إذ بلغ أكثر من 90 عاماً، مشاهداً صرح الأندلس يشتد تمزقه، وتُوفي في 27 من ربيع الأول سنة 469هـ / 1076م، ودفن في مقبرة الربض في جنوب شرقي قرطبة، مثوى عظماء رجال الأندلس.كتاباتارتكزت كتابات ابن حيان على الأندلس وما مرّت به من أحداث منذ فتحها سنة91هـ/ 711م وحتى عصر الطوائف. لذلك اعتبر أحد أكبر مؤرخي الأندلس، خصوصاً أن مؤرخي الأندلس اللاحقين لم ينسجوا على منواله، وينهجوا نهجه، واكتفوا بالكتب الإقليمية الضيقة، فلم يضطلع أحد منهم بكتابة موسوعة مثل موسوعته، لكن ثمة مؤرخ يشبه ابن حيان في أسلوبه النقدي القوي، وهو الوزير لسان الدين ابن الخطيب مؤرخ غرناطة.خصص ابن حيان كتابه الرئيس والأكثر شهرة «المقتبس في أخبار الأندلس» لمعالجة تاريخ الأندلس منذ الفتح الإسلامي حتى نهاية عصر الخليفة الحكم المستنصر. ويقدم لنا فيه أوسع رواية عن تاريخ الأندلس في القرون الهجرية الأربعة التي يغطيها الكتاب بصورة لم تتكرر في كل ما وصلنا من كتب عن تاريخ الأندلس.كذلك خصّ فترة حكم المنصور بن أبي عامر بكتاب «المآثر العامرية» أو «أخبار الدولة العامرية»، وهو مؤلف ضخم، يقص فيه ابن حيان سيرة المنصور، وتفاصيل غزواته الخمسين.أمّا كتاب «البطشة الكبرى» فيتضمن تفاصيل قيام دولة بني جهور في قرطبة وسقوطها (422هـ - 449هـ)، إضافة إلى تفاصيل غدر المعتمد بن عباد واستيلائه على قرطبة وبطشه بحكامها بني جهور ونفيه لهم وهم الذين استنجدوا به لإنقاذهم من غزوة المأمون بن ذي النون حاكم طليطلة.لابن حيان أيضاً كتاب «المتين»، لكن لا يعرف أحد طبيعة محتواه ولا مضمونه لأنه ضاع ضمن تراث الأندلس، إلا أن بعض الروايات يصفه بأنه يقع في 60 جزءاً.للأسف لم يصلنا سوى أجزاء من {المقتبس} تشكل نحو نصف الكتاب.نقل مؤرخو الأندلس الذين جاؤوا من بعد ابن حيان معظم كتب الأخير وضمنوها في ثنايا كتبهم فحفظوا لنا تراث أحد أهم أعلام الأندلس، ومؤرخها الأول بلا جدال.
توابل
ابن حيان... مؤرّخ الأندلس الضائع
08-09-2009