من الخطأ إلقاء مسؤولية تردي الأوضاع في جنوب السودان على حكومة الشمال وحده، فعلى مدى السنوات الأربع الماضية، ورغم حصولها على عائدات بمليارات الدولارات، فشلت حكومة جنوب السودان في بناء طريق معبّد واحد خارج العاصمة جوبا.

يجلس الرائد جونسون غوش من جيش التحرير الشعبي السوداني خارج كوخ من القش على حدود بلدة نصير، التي تضم مركز إرسالية تبشيرية في أرض قبيلة نوير، والتي أصبحت مع مرور الوقت بلدة كئيبة. غوش، الذي ينتمي إلى قبيلة «النوير» بدوره، يبدو وهو جالس في بزّته الرياضية تماماً كزعيم عسكري محلي، فهو قائد لإحدى وحدات القيادة المشتركة التي تضم جنوداً من جنوب وشمال السودان مفوّضين بحفظ السلام في نصير. يقول غوش إن لديه 150 جندياً من الجنوب، كل في حوزته علبة صغيرة من الرصاص، لكنه لا يلقي بالاً بالجنود الشماليين، فهو لا يعرف عددهم ويقول إنه لا يأبه للأمر، إنها ليست قيادة مشتركة بأي شكل من الأشكال.

Ad

يبدو قائد القوات الشمالية، النقيب عثمان مصطفى، أكثر لطافةً، لكنه يؤدي أيضاً دور الساذج، فمعسكره عبارة عن أرض قاحلة سوداء مشققة بسبب الحطام المتناثر للمركبات التي تفجّرت خلال الحرب وكومات صغيرة من البراز التي خلّفها السكان المحليون الذين يتجنبون دخول المراحيض. يقول مصطفى، وهو مسلم من جبال النوبا، إن لديه 300 جندي، وما يكفي من الأسلحة، وبالطبع علاقات طيبة مع الجنوبيين.

إلى جانب قوة حفظ سلام غير فاعلة تابعة للأمم المتحدة ومتمركزة على الجانب الآخر من نصير، وقفت وحدة القيادة المشتركة مكتوفة اليدين حين أغارت إحدى مجموعات «النوير» مرةً أخرى الشهر الفائت، وقتلت 71 شخصاً في قرية توركيج المجاورة. استهدفت قبيلة «لو- نوير» قطيع مواش يرعاه نساء وأطفال من قبيلة «جيكاني». أما أولئك الذين كانوا ينامون في الخارج تحت شباك البعوض فقد قُتلوا بشكل مباشر. هذا وأمطرت هذه المجموعة الأكواخ بالرصاص وساقت الأطفال الأكبر سناً إلى النهر حيث جرى إغراقهم، ثم استولت على المواشي وغيرها من ممتلكات توركيج البسيطة. وقد نُقل 57 جريحاً إلى أحد مستشفيات أطباء بلا حدود. يشدد أفراد قبيلة «جيكاني» على أنه من غير المألوف أن يستهدف نهابو المواشي النساء والأطفال، ويشعرون بالغضب لأنهم لم يمتلكوا أسلحة للدفاع عن أنفسهم، فبموجب اتفاق نزع السلاح غير المتكافئ في جنوب السودان، تخلت قبيلة «جيكاني» عن أسلحتها، في حين احتفظت قبيلة «لو» بها. يقول الشيوخ في «جيكاني» إن أفراد قبيلة «لو» يعملون لدى حكومة الرئيس عمر البشير الشمالية في الخرطوم، ويعتقدون أن الشمال زودهم بما لا يقل عن ألف رشاش في الأشهر الأخيرة. كذلك يذكرون أن قبيلة «لو» تهاجم جيرانهم من الجوانب كلها، بما في ذلك قبيلة «مورل» الواقعة إلى الجنوب، بأمر من حكومة البشير. من جهتها، تقول «لو» إن «المورل» هم أتباع النظام الشمالي.

بغض النظر عمن يقول الحقيقة، تشير هذه الأحداث إلى انهيار أوسع للسلام في جنوب السودان. في الشهر الفائت أو ما يقارب ذلك، قُتل مئات الأطفال في صدامات عنيفة شبيهة بتلك التي حدثت في توركيج، إذ تتصارع المجموعات القبلية على أفضل أرض للمواشي والرعي. الصراع أمر عادي، لكن ما هو غير مألوف قتل عدد كبير من الناس بهذه الطريقة، أقله في السنوات الأخيرة. تشير الأمم المتحدة إلى أن عدد الأشخاص الذين يُقتلون اليوم في الجنوب يفوق ذلك الذي في دارفور، المنطقة المضطربة الواقعة غرب السودان. بموجب بنود اتفاق السلام الموقع مع حكومة البشير الشمالية في عام 2005، يُتوقّع أن يصوّت الجنوب لمصلحة الانفصال في استفتاء مزمع عقده في عام 2011. ففرصة الحصول على بلد جديد، دولة «جنوب السودان»، عزّزت الآمال بانتهاء الحرب الأهلية في السودان بين الشمال ذات الغالبية المسلمة والجنوب الذي يضم مسيحيين وروحيين، والتي دامت بشكل متقطع طوال خمسين عاماً تقريباً. وأخيراً قد يعيد الجنوب المدمر بناء نفسه.

مع ذلك، في الوقت الراهن، يخشى حتّى الكثير من الجنوبيين، فضلاً عن داعميهم الأجانب الموالين لهم بشدة، من أن ينحرف تقدم المنطقة باتجاه الاستقلال عن مساره. لا يجب مكافحة زيادة حدّة العنف بين القبائل والأعمال العدائية في الشمال فحسب، إنما المحن التي يعانيها الجنوب أيضاً بسبب عدم كفاءة وفساد حكومة جنوب السودان، المؤلفة بشكل أساسي من مقاتلي عصابات سابقين في «حركة التحرير الشعبية السودانية»، الجناح السياسي لجيش التحرير الشعبي السوداني. فقد تمكنت الحكومة من إنفاق نحو خمسة مليارات دولار أميركي من عائدات النفط على مدى الأعوام الأربعة الماضية من دون تحقيق أي إنجازات تُذكر، باستثناء شراء الأسلحة. بالمعدل الحالي، ستفشل دولة «جنوب السودان» حتى قبل أن تبصر النور.

ما من شك في أن حكومة البشير في الشمال ساهمت في العنف والاضطراب الدائرين في الجنوب، فقد كان الشمال بطيئاً في الإيفاء بكثير مما تعهد به بموجب اتفاق السلام الموقع في عام 2005 مع الجنوب. فقد رفض الشمال التعاون في مجال ترسيم الحدود الفاصلة بين المنطقتين، الأمر الذي يؤثّر مباشرةً على ملكيته لاحتياطي النفط في البلاد. نتج عن ذلك انعدام كبيراً للثقة بين الجانبين. لذلك، تعتبر وحدات القيادة المشتركة، على غرار الجنود في نصير، مشتركة بالاسم فحسب، وعاجزة عن فرض النظام في المناطق الحدودية المضطربة.

لكن من الخطأ إلقاء المسؤولية على الشمال وحده، وبحسب برنامج الغذاء العالمي، يبلغ معدل سوء التغذية في جنوب السودان 16%، ما يشير إلى حالة طوارئ إنسانية دائمة. فعلى مدى السنوات الأربع الماضية، وعلى الرغم من حصولها على عائدات بقيمة مليارات الدولارات، فشلت حكومة جنوب السودان في بناء طريق معبّد واحد خارج العاصمة جوبا. وفي كثير من البلدات، فضلاً عن المناطق النائية، لم تقم الحكومة الافتراضية في دولة جنوب السودان بأي شيء يُذكَر، إذ أنشئَت معظم العيادات والمدارس الجديدة بفضل الكنائس والجمعيات الخيرية الأجنبية. لذلك، مسؤولية الفوضى ملقاة على نحو متزايد على السياسيين في الجنوب.

الانطباع السائد هو أن حكومة جنوب السودان فاسدة، لا سيما على أدنى المستويات، فقد عُزل قائد الجيش خلال إعادة توزيع للمناصب في الآونة الأخيرة وذلك بعد أن عجز عن تبرير سبب تبدد بعض الأجور. كذلك تمتنع الحكومات الأجنبية عن ضخ الأموال في خزائن الحكومة الجنوبية التي تفتقر إليها خوفاً من أن تسرف في الإنفاق منها.

الأسلحة ليست زبداً (وليست أي شيء آخر)

بعد الهبوط الحاد لسعر النفط العام الفائت، شهدت حكومة جنوب السودان انهياراً في عائداتها من النفط، التي تشكل 98% من دخلها. على الرغم من أنه لا يمكن تحميل الحكومة مسؤولية هبوط أسعار النفط، يتساءل كثيرون حول سبب تعلقها المستمر بمصير تقلبات أسعار سلعة واحدة. لا يُتوقع أن يزيد النتاج النفطي في عام 2010، واليوم قد ترتفع الأسعار بعض الشيء، مع أنها لم تصل إلى أدنى مستوياتها.

الحكومة بحاجة إلى المال، فقد أنفقت حكومة جنوب السودان نحو نصف دخلها لدفع أجور جنودها القدامى وشراء أسلحة جديدة. من جهته، يجادل جيش التحرير الشعبي السوداني بأن ذلك ضمان ضد الشمال في حال حاول منع الانفصال في عام 2011، لكن السياسة لا تترك ما يكفي من النقد لأمور أخرى. بدت الحكومة عاجزة عن تسديد أجور الموظفين شهراً بشهر وقد هدد الأساتذة أخيراً بالإضراب، ويجادل البعض بأن الجنوب اليوم مفلس، على الرغم من أن أحد المطلعين على مسار الميزانية يقول إن ذلك مبالغ فيه: «الأمر سيئ، ولكن ليس كارثياً».

شهد هذا الأسبوع الدليل الأول على تمرّد داخلي ضد سوء الحكم المُلاحظ في جوبا. يؤسس وزير الخارجية السابق النافذ، لام أكول، حزبه لتحدي حركة التحرير الشعبية السودانية. يتساءل قائلاً: «لم فشلت حركة التحرير الشعبية السودانية في حكم جنوب السودان مع أنها امتلكت كل الأموال و70% من السلطة؟». سينافس أكول على الأرجح الحركة في الانتخابات الوطنية المزمع إجراؤها العام المقبل. لكن نظراً إلى أداء الحركة السيئ حتى اليوم، قد يحرز نتيجة جيدة.