مرّت السنة الأولى على رحيل الروائي السوداني الطيب صالح من دون الاحتفاء به، وإدخاله في دائرة «الأساطير» على نحو ما يفعل بعض الشعراء اللبنانيين في كتاباتهم عن بعضهم، أو عندما يصف أحدهم الآخر بـ{ألا شبيه له». كان لافتاً أن صالح عاش «أسطورة» روايته «موسم الهجرة الى الشمال» ولم يتحوّل أسطورة في موته.لا شك في أن بعض الروائيين انقضّ على الطيب صالح بعد موته قائلاً: «رواية واحدة لا تكفي للروائي»، قاصداً روايته «موسم الهجرة الى الشمال»، وهذا البعض لا يعي أن رواية واحدة «نجمة» خير من قنطار روايات لا تقدم شيئاً في المشهد الثقافي، وانقضاض البعض على نجومية صالح قابله تجاهل البعض الآخر له لأسباب معروفة، لكن ذلك كله لم يمنع القراء من متابعة روايته «موسم الهجرة الى الشمال» تحديداً، وكثر من الجيل الجديد عاد الى مطالعتهاكأنه اكتشفها حديثاً.
قراءة حوليات رواية صالح إضافة إلى الكتابات التي تطرقت إليها، تعطي دلالات كبيرة عن هذا الكاتب وعن مرحلته ورواية حملت في طياتها فكرة عريضة بل أفكاراً تصلح للنقاش في كل زمان ومكان، وبات يمكن الحديث عن روايات الرواية الطيب صالحية، وكيف كُتبت، وبمن تأثر صاحبها، وهل هي سيرته الذاتية أم مجرد رواية متخيلة، ولماذا لم تشتهر رواياته الأخرى على رغم أن بعض النقاد يعتبر «عرس الزين» أجمل من «الموسم»؟...جنوب فرنساقصة «موسم» الطيب صالح بدأت عندما أمضى الكاتب السوداني إجازة في الجنوب الفرنسي عام 1962، وبدأ الكتابة. أنجز رواية لتنشر في مجلّة «حوار» (1966)، وأعيد نشرها في بيروت عن دار «العودة» وفي القاهرة عن سلسلة «الهلال» وتوالت الطبعات والكتابات عن رواية باتت أشهر من صاحبها. وعلى رغم مرور أكثر من أربعة عقود على صدورها ما زالت تثير جدلاً واسعاً في الأوساط الأدبية العربية والأجنبية، سواء من خلال كتب نقدية خُصصت لها، أو كتب ودراسات منحتها حيّزا مهماً بين مواضيعها.تبدأ «موسم الهجرة إلى الشمال» بعودة الراوي بعد سبع سنوات من الغربة أمضاها في الدراسة. يقول: «المهم أني عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النهر. سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتني حقيقة قائماً بينهم، فرحوا بي وضجوا حولي، ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس. ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زمناً في بلاد «تموت من البرد حيتانها». تعودت أذناي أصواتهم، وألفت عيناي أشكالهم من كثرت ما فكرت فيهم في الغيبة...» ويتابع الراوي: «فأحس بالطمأنينة. أحس أني لست ريشة في مهب الريح ولكني مثل هذه النخلة مخلوق له أصل، له جذور له هدف».صراعتتناول الرواية صراع الشرق والغرب، من خلال شخصيّة مصطفى سعيد أول مبعوث سوداني إلى لندن، يصبح محاضراً في العلوم الاقتصاديّة. ويبيع الأوهام اللذيذة عن الحياة على ضفاف النيل، مثبتاً فحولته مع نساء البلد الذي استعمره. وعلى رغم الاحتفاء بروايته عربياً وعالمياً، فقد مُنع تداولها في السودان خلال تسعينات القرن الماضي، (قبل أن تحتفل السلطة السودانية بالروائي الراحل).لبلورة التوتر العميق بين الشرق والغرب، تلجأ الرواية إلى تقنيات سردية كثيرة لتجسيد هذا الموضوع الذي ظل أحد شواغل الرواية العربية منذ نشأتها الأولى، لكن صالح أضفى على القضية طابعاً مأساوياً حينما غلّف العلاقة بين الرموز الحضارية بالعنف، والموت، فتخطّت الشخصيات مستواها النصي المباشر لتتصل بمجالات الصراع بين الشرق والغرب. وموضوع صالح، الصراع بين الشرق والغرب، تناوله النقاد والكتاب أكثر مما تناولوا كاتبه، خصوصاً بعد إصدار المنظر الأميركي الراحل صموئيل هنتنغتون كتابه «صدام الحضارات» الذي شغل العالم العربي بقضية لم تكن جديدة، لكن أن تصدر هذه القضية عن مفكر أميركي فيصبح لها معنى آخر.أسئلة«موسم» صالح فتحت «أسئلة الشرق وأسئلة الغرب» و{أسئلة الذكورة والأنوثة» من خلال علاقة مأسوية بين البطل مصطفى سعيد وزوجته البريطانية، بل ونساء بريطانيات. ترى الناقدة سلمى الخضراء الجيوسي أن الكتابة الذكورية عن اللقاء أو المواجهة مع الغرب بدأت مع صدور «موسم الهجرة إلى الشمال». ويذهب الناقد والباحث اليمني هشام علي في كتابه «إشكالية المثقف والغرب في الرواية العربية: موسم الهجرة إلى الشمال نموذجاً» إلى أن الرواية ربما تكون «ضحية القراءات المتعددة ذات الاتجاه الواحد. فهي تغري ببساطتها الظاهرة، الاستسلام للقراءة الأولى، من دون معاناة أو مكابدة، والاستجابة ليقين المعنى الظاهر، من دون إثارة قلق الشك»، وهو بذلك يرى «كيف انحصرت قراءات نقدية كثيرة بين ثنائيات الشرق والغرب، أو كيف وقعت في شرك الكتابة الجنسية قراءات أخرى، وراحت تحاول بعد ذلك أن تسقط على لقاء الشرق والغرب أو صدامهما صفات تلك العلاقات الجنسية التي تتكرر في الرواية، كأن الغرب والشرق رجل وامرأة يجذب أحدهما الآخر، وتتحوّل المواجهة إلى عملية مد وجزر ليس لها نهاية». ربما من يتابع الكتابات التي تناولت رواية صالح يتذكر الكتابات المهدروة حول كتاب «صدام الحضارات»، على أن بعض من كتب عن «موسم الهجرة الى الشمال»، حمّل هذه الرواية أكثر مما تحتمل، جاعلاً منها مشجباً لمختلف الأقنعة والمتاهات الفكرية والنقدية والجنسية، حطّم هالتها الروائية لصالح شعاراته الفكرية والنظرية. أما إلياس خوري فيقول: «لعل السحر الذي لا تزال تمارسه رواية الطيب الصالح «موسم الهجرة الي الشمال» على قرائها نابع من حيلتها الروائية المركبة. الرواية التي استعادت «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و{الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، استطاعت تجاوز الروايات التي سبقتها، ليس بسبب عمقها الثقافي الذي يستند إلى أعمال فرانز فانون وجوزف كونراد وغيرهما فحسب، بل أساساً لأنها نجحت في تجاوز تبسيطية العلاقة بين الشرق والغرب، مثلما شاعت في الأدب العربي، عبر حيلتها الكتابية: المزج بين الموروث الشفهي الحكائي والبنية الروائية من جهة، وإقامة الالتباس الغني بين الراوي والبطل من جهة أخرى. ليست الحيلة الأدبية مجرد لعبة شكلية، ولا نستطيع اختصار الرواية بموقفها التوفيقي الذي يدعو الي العودة الي الهوية، مثلما هي حال روايتي الحكيم وإدريس. إشكالية السرد القائمة على الحكي، تفتح احتمالات المتخيل، مستعيدة المدونة الحكائية العربية التي تمتد من «ألف ليلة وليلة» الى ما لا نهاية له من أدب الحكاية المكتوبة والشفهية في آن».وكتبت غريزلدا الطيب، فنانة بريطانية وباحثة في الأدب الأفريقي، دراسة لمعرفة مفاتيح «موسم الهجرة الى الشمال» بعيداً عن الفكرة السائدة عنها في المحيط الأدبي كسيرة ذاتية للكاتب كما في دراسة سابقة للناقد رجاء النقاش الذي تعرّف إلى صالح في الخليج عندما كان الأخير يعمل هناك، وفي غيرها من دراسات نقدية لنقاد تبنوا التحليل نفسه على رغم أن معظمهم لم يتعرّف إلى طبيعة الحياة في السودان أو في بريطانيا! تضيف الطيب أن مصطفى سعيد بطل «موسم الهجرة إلى الشمال» ليس هو الطيب صالح، ولا يستعير جانباً مهماً من سيرته؟ وتسأل «فمن يكون هذا البطل الروائي إذاً؟}، قائلة إن صالح ذهب إلى المملكة المتحدة عام 1952 لينضم الى فريق القسم العربي في الـ{بي بي سي» حيث ظل يعمل هناك على مدى 15 عاماً، قام فيها بأعمال متميزة وبدأ وظيفته كمؤلف. لكن الحقيقة أنه لم يدرس أبدا في أي جامعة في المملكة المتحدة، بينما مصطفى سعيد بطل الرواية يفترض أنه ذهب الى المملكة المتحدة في منتصف العشرينات، وحقق نتائج أكاديمية رفيعة ونجاحاً باهراً. وفي الحقيقة أنه لا يوجد سوداني ذهب الى المملكة المتحدة في العشرينات، وهذا أحد الأحداث المدهشة في الكتاب. لكن في الثلاثينات ذهب إلى المملكة المتحدة كل من الدرديري إسماعيل ويعقوب عثمان لدراسة القانون. وتبيّن أن مصطفى سعيد بطل متخيّل على مستويات عدة في ذهن المؤلف. صُنع سعيد من مزج شخصيات عدة التقاهم صالح أو سمع بهم عندما ذهب للمرة الأولى إلى لندن عام 1952، ويرجح أن سعيد الأكاديمي هو شخصية «متكوّنة» من ثلاثة أعضاء في دفعة السودانيين النخبة الذين اختيروا بعناية، وأرسلوا بواسطة الحكومة السودانية عام 1945 إلى جامعات المملكة المتحدة، وكلهم يمثلون شخصيات بطولية في وعي السودانيين الوطني الباكر. أحدهم د. سعد الدين فوزي وهو أول سوداني يتخصص في الاقتصاد في جامعة أكسفورد، حيث تزوج فتاة هولندية محترمة ومخلصة وليست شبيهة بالفتيات في الرواية، وحصل على درجة الدكتوراه في عام 1953، وعاد الى السودان، حيث شغل منصباً أكاديمياً رفيعاً إلى أن توفي بعد معاناة مع داء السرطان عام 1959. لكن قبل ذلك التاريخ في الخمسينات حصل عبد الله الطيب على درجة الدكتوراه من جامعة لندن في اللغة العربية وعيّن بعدها محاضراً في كلية الدراسات الأفريقية والشرقية في الجامعة نفسها، وقبلها بعامين تزوج من فتاة إنكليزية، ومجدداً ليست شبيهة بصور فتيات الرواية. وكانت براعة صالح في خلطه تلك الشخصيات والأحداث كافة وإخراج عمل فني رائع منها. أما أكثر الجوانب المثيرة، والمحيطة بمصطفى سعيد فهي عودته إلى بلده كمواطن غير سعيد، وظاهرة عدم الرضا، وعدم التوافق مع المجتمع الأصل، كان تناولها عدد من الكتاب الأفارقة.غلبت الدراسات التي تناولت «موسم الهجرة الى الشمال» كـ{نظرية» على الدراسات التي تناولتها كـ{رواية» لها حبكتها وزمنها وناسها. اهتم النقاد بالكليشيات أكثر من اهتمامهم بماورائيات الأمور. والرواية، وإن عبّرت عن الصراع بين حضارتي الشرق والغرب، القضية الرئيسة فيها، كما يقول هشام علي، لكن ليس على النحو الذي صوّره النقد العربي، فهي تختلف عن تلك الروايات التي عالجت القضية مثل «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و{الحي اللاتيني» لسهيل إدريس. وميزة «موسم الهجرة إلى الشمال» تتمثّل «في عدم استسلامها لأوهام الصراع بين الشرق والغرب من جهة، وفي استيعابها للاستعمار والعنف الاستعماري وتعبيرها عن الآثار والتشويهات التي أحدثتها في مجتمعات الشرق وفي أهالي الشرق بعينهم من جهة أخرى».عصفور من الشرققال صالح في حوار صحافي: «عودة مصطفى سعيد مختلفة عن عودة إسماعيل في «عصفور من الشرق»، وبطل الحكيم في «قنديل أم هاشم» وبطل سهيل إدريس في «الحي اللاتيني». الفارق أن أبطالهم ينتمون إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط، وعرب هذه المنطقة اتصلوا بأوروبا منذ زمن بعيد، أما بطلي فمن الجنوب لم تصله بأوروبا علاقة، إضافة إلى أنه ليس من الشرق، الشرق كلمة تحتوي على أوهام كبيرة عالجها إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» ويسعدني القول إن سعيد تأثر بروايتي «موسم الهجرة إلى الشمال» في كتابه، وقد اعترف بذلك في إحدى مقالاته، لقد ناقشت هذه القضية في روايتي، فالمواجهة بين الجنوب والشمال وليس الشرق والغرب، وأنا في الحقيقة أفضل تعبير «المواجهة» على الصراع، وبطلي خسر صراعه في معركته مع زوجته الأجنبية التي كانت تنتمي الى بيئة تؤمن بالقوة، وبطلي على رغم إدراكه لتركيبة القوة في الحضارة الغربية، كان يدرك بذكائه أن الضعفاء لن يغيروا شيئاً ما داموا ضعفاء، لذا حاول أن يكون قوياً، لكنه خسر المعركة مثل عطيل في مسرحية شكسبير».كانت معركة صالح مع «الاستعمار» في أفريقيا، فبطله سعيد أراد أن يستعيد كرامة أبناء أفريقيا عبر الانتقام جسدياً وروحياً من بنات لندن في سلسلة من علاقات جنسية كانت تؤدي الى انتحار الواحدة تلو أخرى بعد أن يتركها سعيد متحركاً نحو صيد ثمين جديد، وهو بذلك حوّل سرير النوم ساحة حرب وشهوة. على أن الصدام جاء في الجزء الأخير من العلاقات، تحديداً مع جين موريس، فبدلاً من أن تكون الغرفة ساحة للرومنسية والشهوة تحوّلت إلى ميدان حرب جلبت الدمار على هذا المثقف الأفريقي أخيراً. فسعيد كان يفاخر بأنه يريد تحرير أفريقيا، وانتهى غارزاً الخنجر بين ثديي عشيقته التي كانت تدعوه إلى الرحيل معها. لاحظ المفكر إدوارد سعيد «أن مصطفى سعيد يقوم بدور معاكس لما قام به كورتز في رواية «قلب الظلام» لجوزف كونراد، فكورتز يرحل إلى «الأقاليم السوداء» فيما يرحل مصطفى سعيد إلى «الأقاليم البيضاء». وهذا ليس الفارق الوحيد بينهما، إنما الفارق المهم هو أن الأول شأنه شأن روبنسن كروزو في رواية «ديفو» يرمز إلى الرجل الأبيض الذي يؤمن بنسق من القيم الفكرية والدينية والأخلاقية التي توظف لإنقاد «الآخر» من خموله وتخلفه، وتحت الوهم الخادع بتغيير وضعية «الآخر» يُطبّق برنامج السيطرة الاستعمارية بوجوهه الثقافية السياسية والاقتصادية، أما الثاني فلا يسكنه هاجس التفوق، إنما هو يدفع بالعنف عنفاً كان اختزله إلى كائن سلبي، فرحل طالباً بالثأر في عقر دار الغازي الأصلي، كان يريد أن يرد على أولئك الذين أرادوا مسخه حينما علّموه كيف يذعن لهم ليقول «نعم» بلغتهم. سنجد أكثر من شخصية تستخدم لغة المستعمِر لتحدثه وتنتصر عليه بلغته أي محاربته بسلاحه ، وقد نجح الطيب صالح بذلك لأنه فكّك لغة الاستعمار وخطابه وحوّلها إلى مفردات قابلة للتلاعب من الشعوب المستعمَرة.يصنف الناقد السوري جورج طرابيشي في دراسته «شرق غرب، رجولة وأنوثة» التي تناول فيها «موسم الهجرة» بالتحليل شخصية مصطفى سعيد بقوله: «يهتف مصطفى سعيد «أنا جنوب يحن إلى الشمال»، والرمزية المتضمنة في هذا الهتاف، لا تدع مجالاً للشك في أن شخصية سعيد حضارية، فحنينه متّجه إلى الحضارة. لكن هذا الحنين فيه من الحقد بقدر ما فيه من الحب، وتلك هي بالضبط مأساة مصطفى سعيد». لأزمة مصطفى في رأي طرابيشي علاقة بتاريخية القريب، لذا جاءت دراسته في هذا المنحى. لكن للباحثة رجاء نعمة وجهة نظر أخرى في كتابها «صراع المقهور مع السلطة»، فقد أقصت ظاهر النص الذي اعتمده طرابيشي وآخرون في دراسة شخصية سعيد متناولة الكامن من عناصره الأخرى كتوارد الأفكار والصور والتشابيه والاستعارات والكنايات، وباحثة عن الشبكات الهاجسية الخفيّة المحتجبة وراء نسيج القصة الخارجي. لذا لجأت إلى تنظيم عناصر القصة (أو بعضها) وتصنيفها بشكل وجدته مناسباً لتحري الثوابت على ضوء أبحاث الباحث الفرنسي تزيفيتان تودروف التي يفيد فيها «بأن الإشارات الكثيرة التي يوردها الكاتب في القصة، تظهر أن شخصية ما تتعارض مع شخصية أخرى». يختم صالح الرواية بفاجعة دموية، حين تخون جين مورس سعيد «فرضياً» قبل أن يغمد الخنجر في قلبها تحقيقاً لرغبتها. عقب سبع سنوات أمضاها في غياهب السجن آثر سعيد الانزواء فاستقر في قرية صغيرة على ضفة النيل، حيث التقاه الراوي المتحدث بضمير الأنا. تزوج سعيد بفتاة من القرية وأنجبا طفلين وعلى رغم مساهمته الفاعلة كعضو نافع في مجتمع القرية إلا انه كان شخصاً غامضاً لا يعرف أحـد عن تاريخه شيئاً، سوى الراوي إثر صدفة أتاحت له الاستراق إليه وهو يتلو مخموراً قصيدة إنكليزية للعائدين من الحرب، فاضطره إلى كشف دقائق ماضيه الغابر خوف أن يشي به.اختفى سعيد من القرية بعد أن تنازل عن تاريخ حياته، لعله مات منتحراً أو غرق أثناء فيضان النيل.مصطفى سعيد أكثر من حكاية لروائي اعتزل الرواية باكراً... وبدا كأنه يقول «رواية واحدة تكفي».كتب الطيّب صالح ثلاث روايات فقط هي «عرس الزين» (1964) التي نقلها المخرج الكويتي خالد الصدّيق إلى الشاشة عام 1977، و»موسم الهجرة إلى الشمال»، و{بندر شاه» في جزئين: «ضو البيت» و{مريود» (1987)، إضافة إلى مجموعة قصصيّة «دومة ود حامد» (1984)، ومقالات صحافيّة نشرها «رياض الريّس» في خمسة أجزاء (2005). كذلك أصدر صالح دراسات وكتباً نقدية عدة، من بينها «الطيب صالح عبقري الرواية العربية» (دار العودة) شاركت فيه مجموعة نقاد من بينهم محيي الدين صبحي ورجاء النقّاش وعلي الراعي... وخصّه أحمد بدوي بكتاب «الطيّب صالح، سيرة كاتب ونصّ» (الدار الثقافيّة للنشر، القاهرة). وفاز في عام 2005 بجائزة «ملتقى القاهرة الثالث للإبداع الروائي».
توابل
عام على غياب الطيب صالح... رواية واحدة تكفي
22-02-2010