أن يصحبك الكاتب اللبناني حازم صاغية في جولة داخل دهاليز "المقاومات"، فهو أمر بالغ المشقة والعناء، لأنه لن يقتصر على الحيرة التي قد تتملكك، لما لتلك اللفظة من جدليات والتباسات، بدءاً من تعريفها مروراً بكنهها وهويتها، ووصولاً إلى أبعادها وتكتيكاتها ومآلاتها، بل إن الأمر سينسحب كذلك على الجهد الذهني والفكري لمتابعة الجولات السريعة والمتلاحقة للكاتب، الذي عمل جاهدا على صفحات كتابه الجديد للانتقال بك بغتةً شرقاً وغرباً ليجوب بك بقاعاً لم تطأها جغرافياً ولا فكرياً. أما تاريخياً، فهو لن يقصِّر في أن يجعلك ترتاد الماضي وهو يشير إلى المستقبل، ليقطع بك أشواطاً وقرونا طويلة نزولاً إلى القرن الرابع عشر والمستعمرات القديمة والكشوفات والفتوحات، وصولا إلى مقاومات القرن العشرين وحروبه الأهلية وما اعتراها من تحولات، بل انقلابات غيّرت مفاهيمها وبدلت أهدافها وأطرافها، تاركاً لك الخيال لتصورات مشهد اليوم ومآلاته المستقبلية.ففي مقدمة كتابه الجديد، تقرأ بين السطور أسباباً دفعته إلى التصدي لمثل هذه القضية، ليدرك القارئ أن الكتاب ليس وليد "عبارة عابرة" لفتت انتباهه على شبكة الإنترنت لتصير أفكاراً في السياسة والثقافة السياسية، كما في كتاب "نانسي ليست كارل ماركس"، بل هو كتاب له جذور بعيدة وممتدة تلتصق بسنيّ عمره وتجاربه ومعايشته لواقع محلي وعربي وإقليمي، يحاول من خلاله أن يدلي بما هو جديد في "سوق الأفكار" العربي الذي يراه "مضروبا" حيناً، أو بحاجة ماسة إلى كثير من الأحجار لتحريك مياهه الراكدة، في حين آخر.
ويلقي حازم صاغية حجراً ثقيلاً قد يثير كثيراً من الجدالات والمعارك التي ألفها واعتاد خوضها منذ امتهانه النقد والكتابة، فهو بتصديه لقضية المقاومات وأنماطها وتحولاتها يدخل نفسه في معركة جدلية واسعة يعلم أبعادها، حين يؤكد في مقدمة الكتاب قائلاً: "أنا لم أنقطع، على مدى سنوات، عن تتبع ما يتعلق بالمقاومات في تاريخها وفعلها والآثار التي خلفتها، وضداً على الرواية تلك (المقاومة الفلسطينية في السبعينيات)، لم أجد من تلك التجارب إلا ما يقنع بأن المقاومات حروب أهلية مموّهة أو مقنّعة".وعلى مدى فصول كتاب "هجاء السلاح: المقاومات كحروب أهلية مقنعة" الذي سيصدر بعد أشهر وتنشره "الجريدة" حصرياً على حلقات، يجوب بنا صاغية طرقات ودروب التاريخ والجغرافيا، مقتفيا آثار المقاومات بأشكالها وصنوفها وجذورها، مستعرضاً تلك الصنعة الفرنسية التي صاغت مفهوم المقاومة في القرن الثامن عشر، والمقاومات الجزائرية، منتقلاً إلى إيرلندا واليونان وجنوب شرق آسيا، وتحديداً في فيتنام بعد انسحاب القوات الأميركية عام 1975، ومن إفريقيا ينتقي الكاتب أنغولا ليختتم طوافه حول قضية المقاومة وأشكالها وصورها وأطرافها ومفهومها الذي قد يعتريه التبدل والتحول مع مرور الزمن لتصبح "تسييس السكان بقوة السلاح"... ليتوقف الكتاب فجأة عند العتبة الإفريقية، وكأنه يلمح إلى أنه قد يكون للحديث عن المقاومات وشجونها بقية، وأنه بعدما أطلق المباح فإنه مازال في جعبته ما ينتظر البوح.استيلاد المستقبل«الحرب سيّئة من حيث أنها تخلق من الأشرار أكثر مما تزيل».(عمانوئيل كانط)«ارمِ بندقيتك. إكرهْ هذه الآلة الدمويّة، كما في لبنان والقدس كذلك في شوارع طهران».(موشيني)مقطع من قصيدة للشاعر الإيرانيّ ردّده المتظاهرون المعارضون في يوم الجمعة الأخير من رمضان، 2009، وقد أوردته صحيفة «لوموند» الفرنسية في 21 سبتمبر 2009.ندر أن حظيت كلمة ما بالتقديس الذي حظيت به، وتحظى، كلمة «مقاومة». وهو ما يمكن ردّه إلى مصادر عدّة لا تختصرها جلافة السلوك الكولونياليّ وعنجهيّته المؤكّدتان. ذاك أن التقديس، وعلى ما يدلّ عديد التجارب، يعيش أطول كثيراً من الكولونياليّة وجلافتها، كما يتحوّل أساساً لشرعيّة ثوريّة تعمل، لتبرير نفسها واستمرارها، على استحضار الماضي الكولونيالي، رمزياً إن لم يكن فعليّاً، من خلال سياسات راديكاليّة وصدامية.والحال ان بعض مصادر التقديس يتصل بضعف إنجازيّة الأنظمة التي تلدها المقاومات وبميلها، من ثمّ، إلى حرف الأنظار عنها في صورة متواصلة. إلا أنه يتصل، كذلك، وهو أهم وأبعد أثراً، بقيم سياسيّة حديثة وقديمة معاً، أولاها تزدهر في بيئة النُخب، كمثل رفض الاستعمار والاحتلال وحق تقرير المصير، والثانية موصولة بالرجولة والكرامة والشرف، مما تتشارك فيه الجمهرات العريضة والزعامات التقليديّة والمراتبيّة، المدينيّ منها والريفيّ.وأغلب الظنّ أن تلاقي هاتين الفئتين من القيم عند «المقاومة» وفيها هو ما أعطاها معناها المتعالي، بقدر ما وسّع نطاق جاذبيّتها وشعبيّتها. هكذا غدا صاحب الوعي الديني وذو الوعي القومي، اليساري واليميني، التحديثي والمحافظ، كلٌّ بطريقته وبقاموسه وعدّته المفهوميين، مدافعاً عنها، متماهياً معها بوصفها إحدى الموضوعات الأساسيّة التي تنطوي عليها إيديولوجيّة شعبيّة جامعة.وفي مناخ الدفاع والتماهي هذين، تترسّخ رواية بسيطة، سائدة وشائعة، مفادها التالي: هناك طرف مستعمِر، أو محتلّ، يتّحد الشعب، ردّاً عليه، في مقاومة تصهره وتذيب تناقضاته، فيما هي تستولد المستقبل المضيء. ولأن أحداً لا يبخّس صنيعه، أي في هذه الحال مقاومته، فإن رومنطيقيّة الرواية هذه لا يلبث أن يضاعفها تحوّل مقاوم الأمس إلى سلطة سياسيّة تبحث دوماً عن التوظيف والمردود النفعيّ. وهو ما أمسى، أقلّه منذ ماو تسي تونغ الذي «طوّر» حرب العصابات الوطنيّة لتصبح «حرباً ثوريّة» هدفها الاستيلاء على السلطة، من المعادلات الراسخة لسياسات المقاومات.جنّات على الأرضودائماً هناك خرافات المثقّفين التي تزيد الأمور سوءاً. فهي، في علاقة كهذه، تقوم على تلخيصين يلتقيان عند رفع المقاومة إلى مصاف الحتميّة: فمن جهة، تُردّ عمليّات الاحتكاك الانسانيّ، من غير تمييز، إلى مجرّد قهر يُنزله القويّ بالضعيف، و»الجلاد» بـ«الضحية»، و»الإمبريالي» بـ«المقهور»، بما في ذلك من عنف رمزي ومن تمثيل له. وإذا كانت قسوة كهذه قائمة حقاً، مُتضمنة في الفعل الاستعماري ذاته، فما لا يجوز هو أن تُنزع عن العلاقة أبعادها الأكثر تعقيداً، وأن يُزال التاريخ وحقبه عبر تلخيصها في مرحلة واحدة من العنف لا يُرد عليها إلا بالعنف، مرحلةٍ يُصوّر الزمن المحلي السابق عليها جنةً على الأرض. ومن جهة أخرى، وبذريعة رفض الجوهرانية، يُرفض البحث في التاريخ وفي اللغة والدين والقيم، إذ إننا محكومون فحسب بجانب أوحد من تلك العلاقة التي ابتدأت بالكولونيالية وتوقفت عندها، على رغم انقضاء عقود على نزع الكولونيالية. إذ لما كانت الأخيرة ولادة السيئات جميعاً، بدا العنف العلاج الأوحد لشر شامل وجامع كهذا، شرٍّ لا يواكبه في مسيرته تلك إلا إعفاء المثقفين المناهضين للاستعمار أنفسهم من مراجعة التاريخ واللغة والدين والقيم، وصولاً إلى قبولها جميعاً، ومن بعد القبولِ الرضوخُ لها.ثم هناك الظرف الزمنيّ الذي سجّل تحوّل المقاومة إلى أيقونة في مناخ ما بعد الحرب العالميّة الثانية وصعود «العالم الثالث»: ففي الخمسينيات والستينيات، ومع تداخل استقلال بعض الدول مع صراع دول أخرى لنيل الاستقلال، حصل انعطاف، في التركيز والأولويات، لدى النخب السياسية المستعجلة إلى السلطة. فقد مالت هذه عن النهج التدرجي الذي كنا رأيناه في قادة كبورقيبة التونسي أو سنغور السنغالي، إلى الثورات والانقلابات وأعمال التحرير العنفي. وهو ما سهلته، فضلاً عن صلف السلوك الكولونياليّ بطبيعة الحال، الحرب الباردة والتوسع الذي أحرزته البورجوازيّة الصغرى المدينيّة واقتصادها البضاعي الصغير قبل أن تمتلك تقاليد سياسية ودستورية. لكن الوجهة هذه، على عمومها، بدت وثيقة الصلة بحداثة وفد إلى «العالم الثالث» شقّها التقنيّ والأداتي بينما استُبعدت روحها الإنسانية ومضمونها الدستوري والقانوني. وفي هذا، بدا العنف كأنه صاحب اليد الطولى في صنع الحياة العامة وفي تكييفها.وربما كان فرانس فانون أكبر أنبياء المقاومة بوصفها حتمية ووصفة إطلاقية شاملة يصير معها الفعل العنفي هو ذاته هدف ذاته.نظريات الرجولة والكرامةصحيح أن لقاءً حول «المقاومة» جمع المنظومتين القيميتين اللتين نتشكل جميعاً منهما، على تفاوت في النسب والمقادير: تلك الحديثة في تمجيدها حق تقرير المصير، والتي ازدهرت في زمن حركات التحرر الوطني والتحالف مع الاتحاد السوفييتي والتأثر بلغته، وتلك القديمة المتعلقة بشرف المرء وكرامته، بل رجولته نفسها. لكنْ لئن احتلت هذه المفاهيم الأخيرة موقعاً متضخّماً في الثقافات التقليدية، فإن مفعول الثقافة الحديثة يبقى أصعب على التعقّل البسيط، تماماً كما تبقى مسؤوليّة الابتذال الحداثيّ عن نشر العنف أكبر من مسؤوليّة القدامة والتقليد: فنحن، في «العالم الثالث»، إنما دخلنا إلى السياسة من بوّابة الصراع مع الاستعمار، من دون أن نتعرض للمهام الأوروبية الأخرى التي ترافقت مع ولادة السياسة في معناها الحديث، أي التنوير والإصلاح الديني والثورتين العلمية والصناعية والصراعات الطبقية والجندرية والتنظيمات الاجتماعية. أما الرقعة الصغيرة التي أنشأها الاحتكاك بالغرب، وتجلت في البرلمانات والأحزاب، كما في الإدارات والجامعات وبضع قيم وممارسات عامة، فظلت صغيرة فعلاً بما يكفي لتسهيل تعريتها أو تهميشها، ومن ثم التخلص منها. وفي السياق هذا، بدا الحداثي لدينا، منزوعةً منه سائر أبعاده الأخرى، مؤهلاً تمام التأهيل لأن يلبي ذاك اللقاء مع القديم في منتصف الطريق. هكذا لم يعد الترادُف الكامل بين مقاومة الاستعمار والكرامة والشرف، أو بين حق تقرير المصير والرجولة والمروءة، بالعملية الصعبة. غير أن نظريات تقرير المصير ومقاومة الاستعمار هي التي زمّنت وحدّثت، وبمعنى ما بررت، «نظريات» الرجولة والكرامة. وهو ما أفضى في البيئة العربية والإسلامية، حيث الإفتقار إلى نظرية للشرعية السياسية ما خلا مفهوم «الجهاد»، إلى المبالغة في تعظيم المقاومة التي لا تُعدم، أقلّه في البيئة المذكورة، صلة ما بالجهاد. وتعظيمٌ كهذا هو أيضاً ما تحض عليه ضخامة التفتت الاجتماعي وضعف التقليد السياسي والدستوري في ربوعنا، بحيث يُناط بالمقاومة أن تُحل الوحدة والاستمراريّة حيث لا وحدة ولا استمرارية.الغريزة الجماعيةلكنْ كائناً ما كان الأمر يحضر، في ما خص المقاومات، عدد من الاستنتاجات التي نراها تتكرر في الأغلبية الساحقة منها المعروفة في القرن العشرين، من الفرنسية إلى الفيتنامية ومن الجزائرية إلى اليونانية أو اليوغوسلافيّة وصولاً إلى الفلسطينية واللبنانية والعراقية حيث يصل التفسخ والعفن إلى أعلى مراحله.فالتصدي للغريب، أو المحتل أو الغازي، يترافق حكماً مع انهيار يضرب النصاب السلمي جاعلاً حمل السلاح سلوكاً مشروعاً، بل ممجداً، تحفزه منظومتا الوعي، الرجولية منهما والتحرريّة. وعند لحظة كهذه، يستقل العنف والغريزة الجماعية بفعلهما فيما يتعزز الشعور بـ«هويّة» ما في مواجهة هوية الغازي. وكلما كان الطرف المقاوِم أقل بلوغاً لسوية الدولة- الأمة والوعي الذي يلازمها، نحت الهوية إلى أن تكون هوية جماعة بعينها هي تلك المبادرة إلى حمل السلاح، تماماً كما نحا السلاح إلى أن يكون أداة تنبيه إلى تمايز الهويات داخل البلد الواحد، ومن ثم أداة احتراب أهلي. ولما كانت الدول التي شهدت مقاومات لم يتعرض معظمها للإعداد الكافي الذي يحولها دولاً - أمماً، نظراً إلى دخولها السياسة من بوابة العنف، على ما سبقت الإشارة، غدا احتمال الاحتراب الداخلي دائماً أعلى فأعلى. وبالنتيجة، وفي حال بلوغ السلطة، يتحول الأثر الأهم للعمل المقاوم إبدال نخبة متعاونة مع الكولونياليّة بنخبة متضرّرة منها، لا تتميّز في سلوكها، وفي إعدادها للمستقبل، إلاّ بالصفة هذه.والمقاومة، تعريفاً، توسّع اشتغال المعادلات هذه وتكرسها. فهي، بحكم طبيعتها، إذ تسيس الناس تسييساً مسلّحاً، لا مؤسّسيّاً يمتص النزاعات، ولا بالأفكار، تكون تطلق كوامن النفس الجماعية وتعارضاتها. وفي لحظة التسييس القصوى، كبديل من السياسة وفي ظل انعدامها، تتظهّر الخصائص المعطاة الأولى، الأهلية والخام، ضداً على الروابط الوطنية الجامعة والمصنوعة التي تتطلب سياسةً وزمناً من الاستقرار كيما تُصنع وتُرسخ.ثم إن التعويل على المقاومة بوصفها شرعيةً لحياة مستقبلية تأسيسٌ للاستبداد بحق جزء من الشعب لم ير رأي الطرف المقاوم، أو انكفأ عنها، لهذا السبب أو ذاك. إلا أن التعويل هذا لا يلبث أن يتعاظم كلما كانت الشرعية الأصلية أضعف والتقاليد السياسية أشد وهناً. وهو ما يكفل رهن السجال والتناحر السياسيين بالعنف، إلى أمد غير منظور. فمادام هذا الأخير شرط الاستقلال الشارط فلماذا لا يكون شرط «تصحيحه» كلما عن لمعترض أو متضرر أن «يصحح»؟ خيارات مموهةوالراهن أن مشكلة الشرعية مع المقاومة أن الأولى مفهوم مدني يتصل بالإرادة الشعبية كما تعبر عن نفسها في زمن سلمي تعريفاً، فضلاً عن اتصالها الوثيق بسلطة معينة تبلورها وتجلوها في دولة ما. ولأن هذا كلّه مما ينتفي وجوده في حالات الغزو والاحتلال والمقاومة، يعطّل العنف تلك العناصر بوصفها معايير يُحتكَم إليها ليحل محلها الخيار الإيديولوجي، أو الأهلي المموه إيديولوجياً، الذي يستقي شرعيته من تقديره لما هو صواب وما هو خطأ، وما هو «معنا» وما هو «ضدّنا». وقد يكون التقدير هذا صائباً أو لا يكون، غير أنه يندرج في خانة تغاير الخانة التي تندرج فيها الشرعية ومسائلها. وهو جميعاً ما يجعل من العبث الوصول لاحقاً إلى تأسيس صلب لشرعية دستورية، بل غالباً ما تترافق الاستحالة هذه مع تصفيات دموية موسعة تحل ببعض أطراف السلطة الناهضة على «شرعية» المقاومة والهابطة بالسياسة من درك إلى درك أوطأ.فـ«الشرعيّة» تلك، وقد عبدت طريقها بالدم، تطلب لحامليها، بعد إحرازهم الانتصار، حداً أقصى من التعويض، هو غالباً مما يضاد الطبيعة ولا تقوى تركيبة البلد المعني وتركيبة أهله على منحهم إياه. وهذا ما تنم عنه فولكلوريات المقاومات ورمزياتها: فالمقاوم لا يقتصد في طلب التمجيد، إذ إنه ليس جندياً مجهولاً يكتفي بالتكريم الرمزي، بل المقاومون هم الذين لا يفعل سقوطهم شهداء إلا إشهارهم وجعلهم ذوي ملصقات تجتاح الفضاء العام وتحتله، فيما تقف فوقهم قيادة تشدهم إليها تراتبية غاشمة، طامحة إلى حكم البلد بأسره. وهذه، بطبيعة الحال، ليست كمثل قيادات الجيوش في البلدان الديمقراطية التي يقتصر دورها على تنفيذ أوامر السياسيين المنتخبين.«حروب العصابات»... الجد الأعلى للمقاومةثم إن تركيبة المقاومة بأجمعها تكابد وتجهد للحفاظ على قيد الحياة، فلا تتعرض للحل والتسريح إلا متى أصبحت هي نفسها السلطة، كما لا تتوقف مرةً عن تعميم تضحياتها وتحويلها مادة للمقايضة الضمنية مع المجتمع. هكذا تُنتزع من الأخير حريته وسلطته ويُستَولى على إدارة شؤونه. يضاعف الاحتمال هذا أن المقاومين أكثر تعطشاً إلى السلطة بسبب صدورهم عن بيئات مَقصية تاريخياً عنها، أنُظر إليها كنفوذ سياسي أو كمكانة معنوية أو كمصالح وامتيازات اقتصادية تنجر عن ذينك النفوذ والمكانة. وأمام إلحاح متعدد المصادر كهذا، تضعنا المقاومات الظافرة أمام احتمالين أحلاهما مُرّ: إما أن تحكم وينشأ الاستبداد، وإما ألا تحكم وتندلع الحرب الأهليّة. وغني عن القول إن الذين يخرجون في مجتمعاتنا المفتتة والضعيفة الإجماعات عن المقاومة أو عليها، والذين قد يؤسسون مقاومة لمقاومتها، قد لا يكونون مجرد أقلية مجهرية من «العملاء»، بل ربما مثلوا، في حالات عدة، أكثرية الشعب و»الجماهير».وهذا، والحق يقال، من العناصر التي تحكم المقاومات، القديم منها والجديد. فمنذ الحرب الإسبانية ضد نابوليون، مطالع القرن التاسع عشر، وهي التي ابتكرت شكل الحرب الشعبية وسكّت تعبير «حرب العصابات»، كما اعتُبرت الجد الأعلى للمقاومات اللاحقة، ظهرت هذه العناصر في صورة لا يعوزها الوضوح.«نضج الظروف» واستلاب السلطةكذلك فالعنصر الإيديولوجي والفكري يكاد يكون معدوماً في العمل المقاوم. وقد كان الفرنسي ريجيس دوبريه، في كتابه الشهير «الثورة في الثورة» حيث طور نظريته عن «البؤرة» الثورية، أحد أهم المعبرين عن التحول الذي بات معه الاستيلاء على السلطة، لا الأفكار والبرامج، معيار المعايير، كما لم يعد معه السياسيون الإصلاحيون وحدهم مرفوضين ومُدانين، بل غدت الأحزاب الشيوعية التقليدية مُدانة أيضاً. فما دام أن فيديل كاسترو استطاع، على رأس مئات قليلة من مقاتلي حرب العصابات، أن يطيح النظام القائم، وذلك في جزيرة صغيرة لا تبعد أكثر من 90 ميلاً عن الولايات المتّحدة، فلماذا لم تنجح الأحزاب الشيوعية في تشيلي والأرجنتين والبرازيل، وهي بلدان كبيرة وبعيدة عن واشنطن، في ذلك؟، وما هذا العجز الشيوعي غير تعبير عن اللحظة السياسية التي انطوت عليها تلك الأحزاب؟. فهي غدت، حسب نقد دوبريه، تبشر بالإصلاحات من داخل أنظمة أميركا اللاتينية الكلاسيكية في أوليغارشيتها، بحجة عدم نضج «الظروف الموضوعية» للاستيلاء على السلطة. وهذا عكس ما فعلته الثورة الكوبية التي جعلت السياسة والأفكار تنجم عن الممارسة والحركة. ذاك أن وحدة الشيوعيين والقوميين عند كاسترو، كما يؤوله دوبريه بما لا يخلو من رومنطيقية، إنما تنشأ عن نشاط حرب العصابات بذاتها. فالقائد الكوبي، خلال سنتين من القتال، لم يعقد أي لقاء سياسي، إذ «الشكل الأهم للدعاية، في ظل الظروف الحاضرة، هو العمل العسكري الناجح». والمدهش أن تلك الأفكار المناهضة للأفكار جاءت بعد قرابة عقدين على ضمور الفاشية التي كانت شددت، بطريقتها، على أولوية العمل والممارسة على الأفكار والنظريات.
دوليات
«هجاء السلاح: المقاومات كحروب أهليّة مُقنّعة» (الحلقة 1) المقاومات الظافرة تضعنا أمام احتمالين أحلاهما مُرّ: إما حكم استبدادي وإما حرب أهلية
21-03-2010