شهد الأدب العربي على مرّ تاريخه زيجات مبدعين ومبدعات، من بينها ما استمر ووطّدها الإبداع، فيما انفصل بعض الأزواج واستقل كل منهما عن الآخر، لكن في الأحوال كافة بقي الإبداع واستمر... فهل تختلف علاقة الزوجين المبدعين عن أي زوجين آخرين، ماذا يدور بينهما في محيط أسرتهما، وهل يشجّع الزوج زوجته على مواصلة الإبداع أم يقف عقبة في طريقها أو تكون هي العقبة؟ أخيراً، هل يغار أحدهما من شهرة الآخر؟

في محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات، ألقت «الجريدة» الضوء على تجارب مرّ بها مبدعون ومبدعات، واستطلعت آراء بعضهم.

Ad

تنوّعت النماذج التي يزخر بها التاريخ الأدبي بين استمرارية الزواج والانفصال سريعاً. في مقدّمة النماذج التي صمدت في وجه الزمن وطال إبداعها، يأتي الناقد الراحل محمد مندور وعلاقته الفريدة بزوجته ملك عبد العزيز التي ظلّت متماسكة حتى النهاية. إذ كانت تلميذته وأعجب بها، فشجّعها وساندها حتى امتلكت أسلوبها وجعلها تكتب مقدمة كتابه «نماذج بشرية»، أحد أهم كتبه، على رغم أنه كان في قمة شهرته بينما هي في بداياتها.

هكذا أسهم مندور في نقل زوجته مراحل عدة دفعة واحدة، إضافة إلى أنه اخترع، غالباً، نظرية الشعر المهموس لأجل كتاباتها الشعرية. كان يحبها وظل مخلصاً لها وظلت هي معترفة بجميله حتى النهاية. في حالتهما كان الحب محطة الانطلاق والوصول.

سند في الحياة

الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور كانت زوجته سميحة غالب سنده في الحياة وشجعته كثيراً على مواصلة الإبداع، فبعد أن ودع الشعر التقليدي، أصبح فارساً في مضمار الشعر الحديث. بدأ ينشر أشعاره في الصحف واستفاضت شهرته إثر نشره قصيدته «شنق زهران»، خصوصاً بعد صدور ديوانه الأول «الناس في بلادي». وتميّز مشروعه المسرحي بنبرة سياسية ناقدة، لكنها لم تسقط في الانحيازات والانتماءات الحزبية. كذلك، كانت لعبد الصبور إسهامات في التنظير للشعر، خصوصاً في عمله النثري «حياتي في الشعر». وإحدى أهم السمات في أثره الأدبي كانت استلهامه للتراث العربي وتأثّره البارز بالأدب الإنكليزي.

‏‏تناقض

أثار زواج د. رشاد رشدي بالدكتورة لطيفة الزيات جدلاً كبيراً، ووصفه البعض بقمة التناقض بين اليسار واليمين، فرشدي كان يميني الفكر وعلى رغم اعتراض كثيرين على ذلك الزواج، لم تترد لطيفة في أن تقول لهم «إنه أول رجل يوقظ الأنثى في داخلي».

زواج الزيات من رشدي الكاتب المسرحي والأستاذ الجامعي الذي أصبح مستشار الرئيس أنور السادات الثقافي، أصابها بالتمزّق بين أنوثتها التي فجّرها زوجها وبين حرصها على أن تبقى ماركسية. في هذة الفترة، الزواج، لم تبدع لطيفة إلا قليلاً وكتبت بعد الانفصال أنجح مؤلفاتها «أوراق شخصية».

على العكس من تجربة الزيات، تأتي تجربة أستاذة الأدب الإنكليزي في جامعة القاهرة د. رضوى عاشور التي تزوجت من الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي الذي كان زميلها في جامعة القاهرة، في قسم الأدب الإنكليزي. كان ذلك في عام 1970.

في عام 1977، قبل توقيع اتفاقية كامب دايفيد، رُحِّل البرغوثي من مصر، وظل ممنوعاً من الإقامة فيها لمدة 17 عاماً. لكنّ رضوى صمدت، هي التي يقول عنها ابنها الشاعر تميم : «تصبر على الشمس تبرَد والنجوم تِدْفي»... وكانت تستغرب إن عبّر أحدهم عن إشفاقه عليها.

عاشت عاشور هذه السنوات بين مسافرة إلى أماكن إقامة مريد ووحيدة في القاهرة مع تميم. وعندما عاد مريد للإقامة في مصر، كان ابنهما تميم يرتاد الجامعة، وأصبح شاعراً، ليُثني في ما بعد على شجاعة امرأة عاشت ملاحقة النظام المصري للفلسطينيين في لحمها ودمها: «أمي اللي حَمْلَها ما ينحسب بشهور/ الحب في قلبها والحرب خيط مضفور».

بدوره، تزوّج الأديب الكبير جمال الغيطاني من الكاتبة الصحافية ماجدة الجندي، رئيس تحرير مجلة «علاء الدين» للأطفال الصادرة عن مؤسسة الأهرام عام 1975، وهو أب لمحمد وماجدة. أما الناقد الأدبي د. سيد البحراوي فتزوّج الناقدة الدكتورة أمينة رشيد، فيما تزوّج الفنان التشكيلي منير الشعراني من الأديبة سلوى بكر.

استقرار نفسي

كذلك انضم الشاعر أحمد الشهاوي إلى الثنائيات السابقة بزواجه من الأديبة ميرال الطحاوي. يقول عن تجربته: «إذا تأملنا في مسار حياة أدباء ورواد كثيرين، نرى أن الزوج كان مصدر الإنتاج الفكري بأنواعه فيما أخذت الزوجة دور الرعاية الحاضنة لبيئة هذا الإنتاج الأدبي، بما توفره من عناية وحنان وهدوء واستقرار نفسي. تحضرني هنا مقولة سقراط ونصيحته لابنه «تزوج يا بني فإن رزقت امرأة صالحة ملكت الدنيا وإن كانت شريرة أصبحت فيلسوفاً».

يضيف الشهاوي: «عموماً، للزواج من أديبة إيجابيات عدة، فهي الأقدر على إبداء النقد وتعزيز الحافز، بل والمساهمة في إخراج الأعمال بداية بالصف والاختزال وتنسيق المسودات الأدبية وتوفير جو الإبداع المناسب. وقد يبرز عامل المنافسة بين الزوجين، ما يثير الإبداع ويعطي حافزاً أقوى على المواصلة».

في سياق متّصل، تذكر الناقدة زينب العسال المتزوجة من المبدع محمد جبريل: «بعد أن تخرجت في «دار العلوم»، سافرت إلى سلطنة عمان لأعمل مدرسة للغة العربية، فتعرفت إلى جبريل هناك، بدأت أدخل عالمه الصحافي، ثم الأدبي، ومع الوقت بدأت الكتابة النقدية لأنه شجعني على ذلك. كذلك، شجعني على الدراسة فحصلت على دبلومات عدة في المسرح والدراسات الشعبية، وأنهيت قبل أيام رسالة الدكتوراه عن النقد النسائي للأدب القصصي المصري. أتممت ذلك كله بسبب تشجيعه لي».

غيرة أدبية

هل تؤدي الغيرة الأدبية دوراً في إخفاق العلاقات بين الثنائي، تجيب العسال: « قد تقوّض هذه العلاقات عوامل عدة، من بينها الخلافات في الرؤى والغيرة، خصوصاً إذا كان الطرف النسائي هو الأكثر تحققاً، لأن الكاتب الرجل قد يشعر بوجود شرخ في العلاقة إذا تقدمت زوجته عليه».

بدوره، يعقب الأديب د. محمد إبراهيم طه: «بدأت زوجتي القاصة حنان الدناصوري الكتابة متأخرة، لكنها قارئة جيدة منذ سنوات طوال، وعندما يتزوج أديب من أديبة يكونا ثنائياً جميلاً جداً في التواجد في الوسط الأدبي، لا سيما إذا شجعا بعضهما عبر القراءة المشتركة لأعمالهما».

يضيف طه: «زوجتي هي القارئة الأولى لأعمالي ويكفي الكاتب أن يجد صدى إبداعاته لدى شخص قريب منه، لا سيما إن كانت زوجتك، إذ تتحول العلاقة بينهما إلى صداقة وزمالة لابسة ثوباً شرعياً».

كذلك، يؤكد طه أن العلاقة الزوجية بين كاتب وكاتبة تؤسس لحالة من التناغم في الكتابة بمعنى أنك تحظى بمن يشاركك فكرة الرواية أو القصة التي تكتبها من بدايتها حتى صياغتها على الورق وتستعين به في تجنّب التكرار ويكون الناقد الأول لما تكتب، ويشير إلى حالة التشجيع المتبادله بينه وبين زوجته، فهو يشعر بسعادة بالغة لأنها كاتبة فالإبداع لا يعرف مصطلح الغيرة بين الأزواج».

في الإطار نفسه، تقول القاصة حنان الدناصوري: الإنشغال بالكتابة والندوات والمؤتمرات الأدبية لا يمثل تأثيراً سلبياً على حياتي الزوجية لأنني وزوجي نشترك في تلك الهواية ومن ثم نتواجد معاً في كل المنتديات والأنشطة الأدبية، فضلاً عن أننا مهمومون كلّ على حدة بمشروعه القصصي والروائي.

تؤكد الدناصوري أن زوجها د. محمد طه يشجعها على مواصلة مشروعها القصصي عن طريق التشاور، قائلة: «زوجي قارئ أعمالي الأول، ثم إننا نمضي وقتاً طويلاً في النقاش حول ما نكتبه كلينا، ولدينا من التفاهم ما يكفي لأن تسير الأمور بيننا على نحو جيد».

يقول الروائي أشرف عبد الشافي، زوج الشاعرة ناهد السيد: «ثمة مقاييس شرقية خالصة يختار بها الزوج زوجته، وإذا اختارها مبدعة يكون ذلك ضمن حدود الكتابة فحسب. بالنسبة إلى زوجتي فهي شاعرة عامية وكاتبة أطفال قبل ارتباطي بها» .

يتابع: «بيننا تفاهم مسبق منذ بداية علاقتنا ببعض، فمشاركة زوجتي في الفاعليات الثقافية والندوات تكون باتفاق مسبق بيننا.

يؤكد عبد الشافي أنه يشجع زوجته على الاستمرار في الإبداع والإنتاج الفكري، وهي بدورها تعرف قيمة الأسرة وما عليها من واجبات تجاهها.

ريش الحب

كان مقهى «ريش» الثقافي الشهير في وسط القاهرة المكان الأول الذي جمع بين الشاعر المصري أمل دنقل (1940 – 1983)، وزوجته الكاتبة الصحافية عبلة الرويني، ذهبت إليه في ذلك اليوم لتجري معه حواراً صحافياً لجريدة «أخبار اليوم»، التي كانت تعمل فيها عام 1975.

منذ اللقاء الأول، أصابت سهام الحب قلب كل منهما. كان أمل آنذاك يتمتع بشهرة واسعة، فيما كانت عبلة صحافية شابة في بداية الطريق، إلا أن الأقدار شاءت أن يشهد هذا اليوم مولد قصة حب غريبة ومختلفة في تفاصيلها عن جميع قصص الحب التقليدية.

تحدثت عبلة عن هذه القصة طويلاً وتكراراً، قائلة: «ظل أمل يبحث دائماً عن تأكيد لحبي له، من دون أن يمنحني نفسه هذا التأكيد. كان شعوره الدائم بالوحدة وعدم الأمان يطالبني بمزيد من المشاعر، وهو الواثق بأن مشاعري ليست أضعاف مشاعره فحسب وإنما انتماء كامل له».

تضيف عبلة: «واجهت هذا الزواج صعوبات كثيرة، فقد كنت أنتمي إلى أسرة محافظة وثرية وإلى منزل هادئ». خلال فترة العلاقة بينهما كانت أول هدية قدمها أمل لها ديوانه الأول «العهد الآتي» الذى تناول فيه أحداث يناير 1977 ومعاهدة السلام مع إسرائيل، ثم توالت قصائده كرائعته «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» ومجموعته «تعليق على ما حدث»، ثم صرخ مع كل من صرخوا ضد معاهدة السلام, وأطلق آنذاك «لا تصالح» التي عبر فيها عن كل ما جال في خاطر المصريين. كذلك تناول مصر وصعيدها وناسه، ونجد هذا واضحاً في قصيدته «الجنوبي» في آخر مجموعة شعرية له «أوراق الغرفة 8». تلك الأعمال الشعرية المميزة أتمّها دنقل وهو في قفص الزوجية، إلى أن وافته المنية في 21 مايو 1983 لتنتهي معاناته مع مرض السرطان التي استمرت أربع سنوات.