«الجيش الجمهوري» و«السود المدبوغون»
تأكد في 1916، وبعد إعدام قادة الانتفاضة بمن فيهم بيرز، أن لندن ليست في وارد إعطاء إيرلندا حكماً ذاتياً فعلياً، فيما الحرب العالمية الأولى تستنفر أوروبا كلها عسكرياً وأمنياً. وتحت وطأة المأساة الجديدة هذه، ومحطاتُ السرد القومي الإيرلندي مآسٍ متلاحقة، تعززت رواية التأريخ كخط يبدأ بولف تون ويَمُر ببيرز، قاطعاً قطعاً كاملاً ودائماً مع العدو الإنكليزي الكامل والدائم. بيد أن التعميم السخي هو وحده ما يجوز الربط بين المؤسسين، ولف تون وبيرز، حاجباً تقلبات الوعي المقاوم ومسارات انتكاسه. فعلى رغم أن الثاني نسب نفسه إلى تراث الأول ورأى في عبارة له شهيرة أن ضريح ولف تون "أقدس مكان في إيرلندا"، فهو اختلف عنه لجهة ضعف صلته بأفكار التنوير ومماهاته بين الكاثوليكية الإيرلندية والقومية الإيرلندية. فلم يكن اختياره ورفاقه عيدَ الفصح لإعلان الانتفاضة إلا من قبيل التوكيد على أن أولئك الذين "يستشهدون" في سبيل الوطن يعيدون تمثيل موت المسيح وآلامه، فيما يتعادل جهدهم مع بعث أمتهم، بالمعنى الذي تقول الرواية الدينية إن المسيح بُعث فيه. وكان هذا انحداراً حاداً بقياس فكرة المقاومة الوطنية الساعية إلى استقلال الإيرلنديين جميعاً وعلمنتهم كلهم.بيد أن القمع الذي تعرضت له انتفاضة 1916، وكان شرساً، ترك أثرين ظل تلازمهما من سمات التعامل مع انتكاسات القومية الإيرلندية. فقد تجذر الوعي الكاثوليكي وامتد تجذره إلى قطاعات أعرض، كما ظهرت علامات تحفظ، إن لم يكن عداء، للإصلاحيين الدستوريين من الكاثوليك. وهنا، ليس من مبالغة في القول إن نهج القسوة البريطانية قمعاً لانتفاضة 1916، وما تلى، فعل ما لم تفعله التمايزات القومية أو المذهبية بذاتها. مع هذا، كمنت طبقة أخرى من طبيعة عقلانية تحت سطح الغضب، مفادها الاستعداد للتسوية اتعاظاً بالهزيمة وتأثراً بمناخها. فانتفاضة 1916 إنما نفذتها أقلية ضئيلة، لم تكن ديمقراطية ولم تستشر السكان الكاثوليك في أمر يخص حياتهم ومصيرهم. وقد برهن روبرت كي، بالاستناد إلى أرشيف صحافي غني يغطي حقبة 1798-1922، أنه حين بدأ "الجيش الجمهوري" عام 1919، (وفي العام ذاته اعتُمدت هذه التسمية، للمرة الأولى، تدليلاً على من كانوا قبلاً "المتطوعين الإيرلنديين")، شن حرب عصابات رداً على هزيمته ونتائجها السياسية، بدت عملياته عرضة لإدانات متكررة من قبل السلطات المحلية ورجال الدين، فيما لم يحرز الجيش المذكور، في حدود تميزه عن حزب شين فين ("نحن أنفسنا") "السياسي"، دعماً شعبياً واسعاً. ذاك أن تأييده، في أي وقت من الأوقات، لم يتجاوز الـ5 في المئة من الكاثوليك أنفسهم. أما القوة النسبية التي أحرزها فما كانت لتتحقق له لولا استقدام الإنكليز، عملاً بنهج التشدد والقسوة الاستثنائيين، الجنود المتقاعدين المتطوعين للخدمة في إيرلندا. فهؤلاء الذين عُرفـوا تبعاً لمـلابسهم بـ"الـسود والمدبوغـين" (the Black and Tans)، كان لقمعهم العشوائي المصحوب بالضربات الانتقامية والجماعية يوجهها الجيش البريطاني أن زاد التعاطف مع "الجيش الجمهوري".ومستفيدةً من الضربة التي وجهتها للقوميين الإيرلنديين، مصحوبةً بعودة الكنيسة إلى الواجهة مجدداً، وقعت لندن، في 1921، معاهدة مع القوميين تقضي بالحكم الذاتي للمنطقة الكاثوليكية المتجانسة من إيرلندا، على أن يبقى الجزء البروتستانتي (وبعض مناطق كاثوليكية ملحقة به) ضمن المملكة المتحدة، وهو مالا تزال عليه الحال الآن.مصدر الشرعيةومرة أخرى أبدت الكثرة الكاثوليكية الاستعداد للاعتدال. فعبر صناديق الاقتراع تم التصديق الشعبي على المعاهدة، وهو ما رفضه التيار الراديكالي بزعامة إيامون دي فاليرا، أحد قادة انتفاضة 1916، مُصراً على إسقاطها بقوة السلاح. لكن الكنيسة الكاثوليكية، من ناحيتها، بلغ تأييدها للمعاهدة أن عاقبت معارضة دي فاليرا بفرض الحرم الشامل عليها، فيما القوات التي تؤيد المعاهدة تسحق المعارضة الراديكالية عسكرياً.لقد أدى قيام الجمهورية إلى انتصار مبدأ الاستقلال في نظر الواقعيين القابلين بالتسوية مع الوجود البروتستانتي في الشمال، إلا أنه انطوى، في نظر القوميين الراديكاليين، على تقسيم لإيرلندا التاريخية التي جُزئت إلى دولة مستقلة وكاثوليكية تضم 26 مقاطعة ومنطقة بريطانية من ست مقاطعات يتولى بروتستانت إدارة حكمها الذاتي. وهو، عندهم، ما أضاف مطلب الوحدة إلى مطلب الاستقلال ضمن حزمة معتقدية-مطلبية واحدة.بيد أن الاحتقان القومي الذي عبرت عنه المقاومة باتت قاعدته المفترضة تقتصر، مع قيام الجمهورية في الجنوب عام 1922، على أقل من نصف سكان إيرلندا الشمالية (بلفاست) الكاثوليك، بعدما كان محيطها، الافتراضي أيضاً، يشمل أكثرية كاثوليكية كبرى في عموم إيرلندا. وفي المعنى هذا، فإن أكثر من نصف سكان إيرلندا الشمالية، أي البروتستانت، بدوا الهدف المباشر لتلك المقاومة الاستقلالية، جنباً إلى جنب الجنود البريطانيين.فالأكثرية البروتستانتية في الشمال التي رأت تقليدياً إلى الوحدة مع بريطانيا حامياً وضامناً لها من أكثرية كاثوليكية ساحقة في شطري البلد، زادت حماستُها للوحدة المذكورة في موازاة تعاظم خوفها من الانضواء القسري في وحدة إيرلندية. ودوماً كانت الذاكرة التاريخية تصلب هذه المشاعر المشطورة والمذعورة.وفي حربه على الجمهورية الوليدة وحكومتها المؤقتة في دبلن، استخدم دي فاليرا كل ترسانة الإيديولوجيا الجمهورية وكل الزخم العاطفي والشعبوي للنضال القومي ضد لندن، كما اغتيل رفيقه وتلميذه السابق مايكل كولينز الذي بات الراديكاليون يتهمونه بالخيانة والتفريط لتسنمه رئاسة تلك الحكومة بعد مشاركته في المفاوضات التي أنتجت المعاهدة.لكنْ بعد عقد، أي في 1931 تحديداً، وإذ بلغ العنف مجدداً طريقاً مسدوداً، وافق دي فاليرا نفسه على مضمون المعاهدة، وإن تحفظ عن الشكل، مصراً على تمثيله تقليد 1916 الثوري. هكذا اقترن التشديد على الانتفاضة، بوصفها الروح الإيديولوجية لجمهورية الجنوب، بتسوية واقعية مع بريطانيا ممزوجة بإرساء نظام برلماني يتم استكماله تدريجاً فيما يكون مصدر الشرعية الفعلية ومرتكزها.أما المقاومة، وقد غدت محصورة في الشمال، فاستأنفت تأليف سردها الكارثي: فقد انقادت، عشية الحرب العالمية الثانية، مثلها في ذلك كمثل حركات قومية-فلاحية كثيرة قاتلت الكولونياليتين البريطانية والفرنسية، إلى التعامل مع ألمانيا النازية. ففي 1939، أنشأ "الجيش الجمهوري" صلات مع جهاز "أبويهر 2" الاستخباراتي الألماني الذي أرسل عملاء منه إلى إيرلندا لتشجيع نشاطات "الجيش الجمهوري" في الشمال، الهادفة إلى تعطيل الجهد العسكري البريطاني. وفي أيار (مايو) 1940، وصل شين راسل، قائد "الجيش الجمهوري" آنذاك، إلى برلين حيث التقى بعض كبار الرسميين النازيين بمن فيهم وزير الخارجية جواشيم فون ريبنتروب، كما تلقى تدريباً على مهارات ونشاطات إرهابية.العنف «العالمثالثي»وعاودت أزمة النزعة الجمهورية الراديكالية الظهور في الستينيات، بعد حملة "الجيش الجمهوري" عام 1956 التي جسدتها هجمات مسلحة على مواقع الشرطة وبعض النقاط الحدودية مع الجنوب انتهت إلى الإخفاق ومزيد من العزلة. وفي 1962، لم يعد "الجيش الجمهوري" يملك في مدينة بلفاست، التي يعتبرها الجمهوريون أهم المدن "المحتلة" في إيرلندا الشمالية، إلا 24 عضواً. وهو فشل ساهم في انعطاف الجمهوريين عن قوميتهم الصافية والصوفية إلى اليسار، وهو ما كان رائجاً عالمياً حينذاك. فقد شرع هؤلاء يؤكدون على أهمية خوض النشاطات المطلبية العامة في البطالة والإسكان، وعلى الابتعاد عن التآمرية العسكرية. وتأثراً بما حصل في الولايات المتحدة، ولكنْ أيضاً بسبب مستجدات ما بعد الحرب العالمية الثانية في إيرلندا الشمالية نفسها، شهدت الأخيرة، أواخر الستينيات، حركة حقوق مدنية جماهيرية وغير عنفية. فالكاثوليك الذين أُخضعوا طويلاً لتمييز واضح في فرص العمل والإسكان والخدمات العامة، استفادوا من التشريعات البريطانية لما بعد الحرب الثانية والتي آلت إلى إنشاء شبكة المدارس الرسمية وتعميمها. هكذا ظهر، في الستينيات، جيل جيد التعليم منهم اصطدمت طموحاتهم بسَرَيان التمييز ومفاعيله. فحينما وُوجهت حركة الحقوق المدنية الصاعدة بمعارضة وحدوية بروتستانتية منيعة، يخيفها "ما وراء" الظاهر السلمي للتحرك، تفسخت إيرلندا الشمالية إلى فوضى أهلية واسعة. ففي 1968، وكما حصل في 1798، تفسخت دعوةٌ كونية الطابع وشاملة في نظرتها المعلنة حقداً وعنفاً طائفيين وبوغرومات صغيرة متبادلة في مدينتي بلفاست وديري.ويستحيل عزل بلوغ الحرب الأهلية شكلاً مفتوحاً وشاملاً من نزاع كاثوليكي (جمهوري)-بروتستانتي (وحدوي) في 1969-71، عن ظهور "الجيش الجمهوري الإيرلندي المؤقت"، وريث تلك الإيديولوجيا الجمهورية في أشد أشكالها نقاءً وتطلباً للعنف بوصف ذلك شرطاً للاستمرار على قيد الحياة. والحال أن الجنود البريطانيين حين تم نشرهم في إيرلندا الشمالية، صيف 1969، كان هدف ذلك حماية الكاثوليك من تعديات جهاز الشرطة البروتستانتي قيادةً وتركيباً وعواطف. وقد لعبت الخطوة هذه دورها في ضبط التذابح وتحجيمه فعززت- في مناخ من الاستقرار الأوروبي لما بعد الحروب العالمية الثانية- الأوروبية المنقوصة لإيرلندا الشمالية، عاملةً على الحد من تدهور العنف إلى سوية "عالمثالثية". فأي من القوى الميليشية المتنازعة لم يحصل من طائفته على الدعم الكافي لشن حملات مدنية واسعة ومتواصلة على مدنيي الطرف الآخر.حتى في أشد مراحل التوتر حدة، كانت موجة عنف عابرة توفر الإشباع الغريزي ملغيةً "الاضطرار" إلى مهاجمة غيتوات الطائفة المقابلة. فإيرلندا الشمالية، وإن عرفت "البوغرومات" (هجمات شعبية دميرية)، لم تذهب "بوغروماتها" إطلاقاً إلى ما ذهبت إليه في بلدان كالهند ونيجيريا وسري لانكا ورواندا وبلدان أخرى في مراحل مختلفة.وراء القناعبالنسبة إلى أدامز وجيله في "الجيش الجمهوري"، كانت الإصلاحات التي أدخلتها الحكومة البريطانية رداً على انفجار النزاع، أواخر الستينيات، برهاناً على مدى الإنجازات التي في وسع العنف أن ينجزها. فقد ألغيت الإدارة الذاتية التي مقتها القوميون الكاثوليك وحل محلها الحكم المباشر من لندن، وهو بمنزلة إقرار بتفضيل الحكم البريطاني على حكم البروتستانت الإيرلنديين، كما حُرم التمييز في الإسكان والعمالة. أما نظام الحكومة المحلية المشوب بالفساد ومحاباة البروتستانت على حساب الكاثوليك، فخضع لإعادة نظر جذرية وموسعة. هكذا استنتج "الجيش الجمهوري" أن العنف أدى غرضه، وأن مزيداً منه سوف يجبر بريطانيا على حزم حقائبها والرحيل. وكان لإيمان كهذا بقدرات العنف أن شجع الجمهوريين الكاثوليك، في السبعينيات، على اعتناق تصورات إرهابية كلاسيكية، تشاركوا فيها مع مجموعات كـ"بادر ماينهوف" في ألمانيا و"الألوية الحمراء" الإيطالية، مفادها ان العنف الثوري سوف يدفع الدولة إلى ردات فعل تعري طبيعتها "الفاشية" الحقيقية.فهم لم يفكروا، تالياً، كطرف وطني يسعى إلى كسب البروتستانت في مواجهة بريطانيا، ولا فكروا، كذلك، كطرف طائفي يعمل على استثمار التباين بين بريطانيا والبروتستانت. وبدل صب الجهود على رفع الاضطهاد عن الجمهور الكاثوليكي، اتجه "الجيش الجمهوري" إلى تدمير الاحتمالات الإصلاحية والعقلانية وحض السلطة البريطانية على ممارسة العنف ضد الجميع. أما حيال الإصلاحات التي تتحقق، فيصار إلى تصويرها مجرد تنازلات أملاها البأس الثوري في معزل عن سائر العناصر المحيطة، الاجتماعي منها والثقافي، السياسي أو المدني.وبدورها كانت استجابة لندن، وبصورة مستمرة، تعزز الرواية الجمهورية من موقع النقيض. وهو ما لم يصدر فحسب عن إغراء القمع في العلاقة مع إيرلندا، بل كذلك عن جهل السياسيين البريطانيين الفعلي بطبيعة مشكلتها. ويفرد بيتر تايلور صفحات من كتابه "وراء القناع" لمقابلات أجراها مع سياسيين بريطانيين يقرون بجهلهم المطبق بشؤون إيرلندا قبيل توليهم، هم أنفسهم، سدة المسؤولية عنها. يصح ذلك في كبير رجال المخابرات البريطانية في بلفاست، بل في وزير الداخلية يومذاك جيمس كالاهان، صاحب قرار إرسال الجيش، في 1969، إلى شوارع بلفاست وديري.والجهل هذا كان أن أثمر، مرة بعد المرة، سلوكات رسمية تتيح للجمهوريين أن يقدموا الصراع بوصفه حرباً قذرة تُشن على الإيرلنديين لا يردعها إلا العنف "الإيجابي" و"الطاهر" المقابل. يصح ذلك في اعتماد لندن مبدأ السجن من دون محاكمة في 1971 وارتكاب العسكريين مجزرة بحق 14 شخصاً من متظاهري حقوق مدنية عزل في ديري مطلع 1972، وهو ما أنهى كل تعاطف كان لايزال قائماً مع الجيش، وصولاً إلى موقف مارغريت تاتشر المتصلب، في 1980 و1981، في التعامل مع إضراب مساجين "الجيش الجمهوري" عن الطعام. هكذا تأسست دينامية عنف وعنف مضاد أسبغت على الصراع المسلح طابع الديمومة.خيارات واعترافات ضمنيةعلى أي حال فإن "الرسميين"، وإن أعلنوا إنهاء نشاطهم العنفي في 1972، فهذا ما لم يحل دون صراعات دموية بينهم وبين "المؤقتين"، وكذلك مع "جيش التحرير القومي الإيرلندي"، وهو انشقاق راديكالي صغير ظهر في 1974. لكن هذا التفسخ، مما لازم ويلازم الحركات المماثلة في بلدان أخرى، لم يحجب الدور الإرهابي الهائل لـ"المؤقتين". فهم، منذ بدايات نشأتهم، شنوا حملات متصلة ووحشية استدعت، بدورها، ردوداً بروتستانتية لا تقل وحشية. فعلى مدى عقدين راحوا يمارسون، على نحو منهجي ومن غير تمييز، قتل البروتستانت الايرلنديين، فضلاً عن الجنود البريطانيين. وظلت أهدافهم غير المعلنة تتراوح بين حدين محكومين بخيارين ضمنيين:- إما دفع الجيش البريطاني إلى الانسحاب بما يُضطر البروتستانت إلى الإقرار بأي تسوية تعكس الغلبة الكاسحة وتقوم مقام الثأر للماضي. وهذا بمنزلة اعتراف ضمني بأن نصر المقاومة مدخل للاستبداد فيما الحضور الكولونيالي ضمانة لحياة الجماعات المختلفة بعيداً من الممارسات الثأرية،- وإما تخليص إيرلندا الشمالية بقوة العنف المحض من البروتستانت، وعندها يغدو حضور الجيش البريطاني لحمايتهم بلا معنى فيفرض الانسحاب نفسه فرضاً.لكن المشكلة ان البروتستانت هم الأغلبية في الشمال الذي ينوي الجمهوريون "تحريره"، وهو ما لا تصح مقارنته مع المستوطنين الفرنسيين في الجزائر، مثلاً، ممن انطبقت عليهم فعلاً سيناريوات كتلك، فضلاً عن أن وجود البروتستانت في إيرلندا الشمالية يرقى إلى قرون عدة، وهم يملكون، بفضل تاريخ المواجهات التي تربوا عليها، تقليداً عسكرياً فلا يعوزهم التسلح ولا التدريب.أما ما تحقق من نجاح لهذه الاستراتيجية فبقي محدوداً غير أنه ذو دلالة: ذاك أنه أمكن حقاً تطهير كاونتي فيرماناغ، أي المناطق الحدودية بين الإيرلندتين، من البروتستانت المزارعين وأصحاب الدكاكين كلياً. وفي معنى ما، كان ما ينجزونه يزكي الفرز، فيما تبقت قلة إنجازهم الإجمالية مرآة تعكس العزلة المتعاظمة عن "شعب" يزعمون تمثيله.عصابات لندن المواليةوهنا، يلتقي توم ويلسون في كتابه "ألستر: الصراع والاتفاق"، في ما خص حقبة ما بعد 1968، مع جهود باحثين آخرين شككوا بالتأييد الذي يحظى به "الجيش الجمهوري" وعملياته. فحملاته تلك لم تكن، في آخر المطاف، حرب تحرير وطني تُشن بالنيابة عن الأكثرية الشعبية ضد أقلية مضطهِدة أو سلطة أجنبية. كما أن أعداءها لم يكونوا أنظمة استبدادية تسد باب العملية السياسية، بل ديموقراطيتان ليبراليتان، في لندن ودبلن، تحضان على مباشرة العملية المذكورة، فضلاً عن أكثرية سكان إيرلندا الشمالية، أي البروتستانت. وتوازن سكاني كهذا، معطوفاً على العوامل الأخرى، كان يواجه "الجيش الجمهوري" دوماً بأسئلة لا تواجه بالحدة نفسها حركات مماثلة في بلدان أخرى حيث يمكن، إلى ما لا نهاية، زعم تمثيل الأكثرية العددية رغماً عنها. فإذا ما كان هدف الجهد الجمهوري الوصول إلى استقلال يليه إنشاء نظام ديمقراطي، على غرار الوضع السائد في أوروبا الغربية، فلن يكون "الجيش الجمهوري" مَن يمسك بالسلطة في حال التوصل إلى مثل هذا، سيما وقد بات واضحاً أن البروتستانت لن يستسلموا ويرحلوا، وأن البريطانيين لن ينسحبوا ويتركوهم يواجهون مصيراً أسود على أيدي الكاثوليك. وكان لتركيب كهذا أن أنتج إيجابية أخرى، داخل اللوحة السلبية الإجمالية، مفادها استحالة الفاشية الكاملة الطامحة لأن تقضم البلد كله وتُخضعه إليها. ففي مقابل اللغة الهجومية للفاشيين، يُلاحَظ في العنف الإيرلندي أن طرفيه الإرهابيين، الجمهوري الكاثوليكي والوحدوي البروتستانتي، قدما عنفهما بوصفه دفاعياً. فـ"الجيش الجمهوري" صوره رد فعل على احتلال بريطاني ظالم لجزء من أرض إيرلندا التاريخية. كذلك قدمت العصابات الموالية للندن عنفها كدفاع عن الطائفة البروتستانتية ضد اعتداءات "الجيش الجمهوري".والرخاوة هذه امتدت إلى مبدأ الوحدة الإيرلندية التي بات مؤيدوها من الإيرلنديين الشماليين، في الثمانينيات، لا يتجاوزون الـ10 في المئة، على ما يذهب توم ويلسون. وفي الغضون هذه، لم يحل الاقتناع الكاثوليكي بأن تقسيم الجزيرة عمل شرير بدأه، في 1920، برلمان ويستمنستر، دون انقشاع حقائق اقتصادية تخدم الانفصالية الطائفية والسياسية أكثر فأكثر. فللشمال الصناعي المندمج في الاقتصاد البريطاني، لاح الابتعاد عن لندن ومحاكاة دبلن انسحاباً من تلك السوية المحققة، ولو استفاد كاثوليكها بتفاوت وتراجع عن البروتستانت، إلى نمط زراعي راكد النمو قليل العائد.جدوى العنفوعموماً، لم يبخل العنف الذي أعيد تأسيسه في 1968 بالمعاني الغنية التي حاول أكاديمي وثلاثة صحافيين استخلاصها من خلال كتاب مشترك وضعوه وامتد على 1630 صفحة (مؤلفوه هم ديفيد ماكيتريك وبراين فيناي وكريس ثورنتون). فتحت عنوان "حيوات ضائعة"، قُدم سرد دقيق وصارم لحياة كل فرد قُتل، كائناً ما كان طرف القاتل وطرف القتيل، منذ يونيو 1968 حتى يوليو 1999. ومن خلال عمل كهذا، تتكشف حقيقة أساسية مفادها أن الصراع في إيرلندا الشمالية غدا، في امتداد اشتغاله وأوالياته الذاتية، هدف نفسه، لا تزيده حدوده الذاتية وجوانب قصوره إلا تعويلاً على العنف. أما التاريخ والدين والسيادة فصارت ملحقاً به يحاول توفير غطاء وتبرير لنزوعه التدميري.فالنزاع المتمادي والمديد الذي خلف قرابة أربعة آلاف قتيل وثلاثين ألف جريح، من أصل مليون ونصف مليون إيرلندي شمالي عند انصرام القرن العشرين، كان، هو نفسه، وثيقة الإدانة الأهم للنشاط المقاوم. فمن أصل الـ1771 قتيلاً الذين أرداهم "الجيش الجمهوري" لم يزد عدد الجنود البريطانيين عن 455 جندياً. لا بل بين انعدام "البوغرومات" الكبرى او الهجمات المسلحة المتبادلة على أحياء الطائفة الأخرى وغيتواتها، أن الكراهية كانت قابلة للجم والتحجيم لولا أعمال العنف التي تولت، هي نفسها، إدامتها ومفاقمتها.فالعنف، بدل أن يفتح الطريق إلى السياسة، صار السبب الرئيس وراء انهيار السياسة على نحو تصاعدي متعاظم. وفي تحليلهما استقصاءات ومسوحات أجريت بين 1989 و1995، رأى السوسيولوجيان برناديت هايز وإيان ماكأليستر أن "الأجيال الأقدم، لا سيما أولئك الذين كبروا في المرحلة التي شهدت التقسيم، وأولئك الذين كبروا إبان كساد الثلاثينيات والحرب العالمية الثانية، أبدت مستويات منخفضة من التمييز [ضد الآخر]. وفي المقابل، تظهر المستويات الأعلى بين أولئك الذين كبروا مع بدء المشاكل في 1968. فداخل هذه الأجيال، قفز التمييز بنسبة ثلاثة أرباع قياساً بما كانه مع الذين كبروا قبل نصف قرن". وهي "حكمة" في ما خص جدوى العنف في زمننا، لاسيما الجدوى السياسية. سلبية جيل الآباءلقد رحب الجمهور الكاثوليكي، في البداية، بالجنود البريطانيين، الأمر الذي أزعج "الجيش الجمهوري" بطبيعة الحال، وحمله على استفزازهم والتحرش بهم، ناجحاً في استدعاء ردود عديمة التمييز من قبلهم وقع معظمها على المدنيين الكاثوليك. وعلى العموم، دمر الجيش البريطاني التأييد الذي مُحضه، بسلوك عدواني دُفع إليه وباستعداد العسكريين الدائم للإساءة إلى المدنيين حين يُخيرون بين احتمال كهذا وتعريض بعض عناصرهم لخطر الموت.وفي المناخ الموصوف تفاقمت معضلة اليسار التي ما لبثت أن تكشفت عن أزمة قاتلة. فبعدما انتقل "الماركسيون"، في الستينيات، إلى قيادة "الجيش الجمهوري"، غدا المطلوب، في انعطاف جديد آخر من انعطافات المقاومة الكاثوليكية، الانتقال إلى تنظيم وقيادة مطابقين للحالة الأهلية المحضة، يتغلب بهما الأصل والطبع الطائفيان على التطبع الطبقي. وكانشقاق عن قيادة "الجيش الجمهوري" الذي بات يُسمى "رسمياً"، خرجت القواعد التي أضحى تنظيمها يُعرف بـ"الجيش الجمهوري المؤقت".ذاك أن التوق إلى العنف، مغطىً بتراث ولف تون وبيرز، بدا أقوى بكثير من التوق إلى استراتيجية التحالفات الطبقية كما دعا إليها من باتوا "الرسميين" المتأثرين بالطروحات الاجتماعية. وإذ تعامل الأولون مع البروتستانت على أنهم "مستوطنون" وليسوا إيرلنديين، إذ الإيرلندية جوهر يتعادل مع الجوهر الكاثوليكي، ذهب الأخيرون إلى أن التركيز على الحقوق المدنية يقسم البروتسانت ويحمل بعضهم، لاسيما الطبقة العاملة والمثقفين، إلى صف المناضلين ضد "الإمبريالية البريطانية"، كما أصروا على تسييس العمل المسلح وضبط عفويته.لكن حقيقة انتقال المبادرة كلياً إلى "المؤقتين"، المعولين على العنف والارهاب وحدهما، دلت كم أن الماركسية، وأي منظومة فكرية وحديثة أخرى، ضعيفة التأثير والحضور في تربة الطوائف المتنازعة. والأهم أن مقاومة فاعلة في بلد كإيرلندا مفضية حتماً، بسبب نظرها إلى أكثرية السكان على أنهم مستوطنون، إلى الحرب الأهلية.وحسب السيرة الذاتية التي وضعها جيري أدامز، فإن معظم القيادة الحالية لـ"شين فين" رجال كانوا، في الستينيات، شباناً يسوقهم الغضب ويؤججهم نقص العدالة. وهم، في بعض الحالات، كحالة أدامز نفسه، جاؤوا من عائلات جمهورية تقليدياً، لكنهم جميعاً أطلوا على الشأن العام من موقع النقمة على ما اعتبروه سلبية جيل الآباء حيال معاملتهم كمواطنين من درجة ثانية.
دوليات
«هجاء السلاح: المقاومات كحروب أهليّة مُقنّعة» (الحلقة 10) دخول قوات بريطانية إلى إيرلندا الشمالية حدَّ من التذابح وفرص الإنزلاق إلى سوية عنف «عالمثالثية»
31-03-2010