أكد المستشار شفيق إمام أن دولة الإسلام لا تبدأ بالحجاب أو بقوانين تُسَن أو بمحظورات تُفرَض أو أزياء تُعَمّم، مشيراً إلى أن قضية الحجاب قضية خلافية خصها البعض بنساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.وقال المستشار إمام في دراسة أعدها بعنوان «الحقوق السياسية للمرأة وقضية الحجاب» إن «الحجاب ليس من شروط أو عناصر حق الانتخاب، كما لا يجوز أن يكون شرطاً في الناخب»، وأضاف أن اشتراط الحجاب لممارسة الحق الدستوري مخالفة لأحكام العديد من مواد الدستور، فضلاً عن تهديده الوحدة الوطنية ومجتمع الأسرة الواحدة.
بادئ ذي بدء فقد سجل التاريخ لامرأة تركية هي اروى طوقان، أنها كانت مضرب الأمثال في شجاعتها، وفي ايمانها بمعتقداتها، وهي تقف شامخة ترتدي الحجاب امام البرلمان التركي، لتحلف اليمين، التي ألزمتها بها نصوص الدستور التركي بعد نجاحها في انتخابات برلمانية، فازت فيها بمقعدها وبثقة ناخبيها وهي تتجول بينهم مرتدية الحجاب، لتشرح برنامجها الذي كان حجابها جزءا لا يتجزأ منه، ارتبط به وبها وبفوزها، وكيف وقفت صامدة لا تتزحزج قيد أنملة عن معتقداتها، ولا تتخلى ابدا عن مبادئها او عن ثقة ناخبيها او تخون ارادتهم في اختيارها وفقا لهذه المعتقدات وبالرداء الذي ترتديه بينهم، وانها دفعت الثمن غاليا لشجاعتها ومعتقداتها حين تخلت عن المنصب النيابي واحتفظت بحجابها وسوف يسجل التاريخ على البرلمان التركي ان من وقفوا في وجه اروى طوقان من نوابه وحالوا بينها وبين حلف اليمين وبين تمثيلها لأمتها وتعبيرها عن ارادة ناخبيها ورغبتهم في التغيير الى مجتمع يقبل كل الآراء والتوجهات وكل الاطياف والالوان، لم يكونوا بشجاعة اروى طوقان في تقبل الآخر.وسوف يسجل التاريخ كذلك لمجلس الأمة الكويتي ولنوابه، ايا كانت توجهاتهم ومعتقداتهم، ان احدا من الاعضاء لم ينسحب من الجلسة الافتتاحية عند قيام النائبتين د. اسيل العوضي ود. رولا دشتي بحلف اليمين من دون حجاب مثلما كانتا عليه في المقار والندوات الانتخابية التي جمعتهما بالناخبين والناخبات، وشرحتا فيها برنامجهما الانتخابي الذي فازتا بموجبه بثقة الناخبين فاكتسبتا بذلك مصداقية امام ناخبيهما منذ اللحظة الاولى لدخولهما مجلس الامة وحلفهما اليمين، قبل أن يتوليا مهام عضويتهما، ولا تثريب عليهما بعد ذلك إن أرادتاـ عن قناعةـ ارتداء الحجاب، فالمجتمع الكويتي مجتمع منفتح على جميع التوجهات.وان ما أبداه بعض النواب من تذكير للاعضاء بما نص عليه القانون رقم 17 لسنة 2005 من التزام المرأة في الانتخاب والترشيح بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الاسلامية، هو رأي له احترامه وتقديره، في مجتمع يقبل تعدد الآراء والتوجهات والتزام المرأة بالقواعد والاحكام المعتمدة في الشريعة الاسلامية، وهي فقرة أضيفت إلى مشروع القانون المحال من الحكومة إلى مجلس الامة للسماح للمرأة الكويتية بصفة اصلية بممارسة حقوقها السياسية في الانتخاب والترشيح للمجالس النيابية، واقرها مجلس الامة في المداولة الثانية على المشروع.وبذلك أصبحت هذه الاضافة جزءا لا يتجزأ من القانون، بالرغم من الغموض الذي يكتنف هذه الاضافة وعجزها عن التعبير عن المقصود بها، فقد جاءت مبتسرة التكوين غير مكتملة المعنى، وتحتمل اكثر من تأويل وغير متسقة مع حق دستوري لا يفرق بين الرجل والمرأة.كما فتحت هذه الفقرة باب الطعن الانتخابي امام أحد مرشحي الدائرة الثالثة، الذي طالب في طعنه ببطلان ترشيح الدكتورة اسيل العوضي والدكتورة رولا دشتي، وبطلان انتخابهما وبطلان عضويتيهما.وقد اسس الطاعن طعنه على سند من المادة 82 من الدستور التي تنص على انه يشترط في عضو مجلس الامة ان تتوافر فيه شروط الناخب وفقا لقانون الانتخابات، وان المادة 1 من قانون انتخابات مجلس الامة رقم 35 لسنة 1962 تشترط للمرأة في الترشيح والانتخاب الالتزام بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الاسلامية.كما استند الطاعن إلى المواد 2 و8 و9 من الدستور، التي تنص على ان دين الدولة الاسلام، والشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع، كما تفرض على الدولة صون التراث الاسلامي ودعامات المجتمع، وتقرر أن الاسرة اساس المجتمع قوامها الدين والاخلاق وحب الوطن، يحفظ القانون كيانها.ويرى الطاعن ان من قواعد الشريعة الاسلامية وأحكامها المعتمدة ارتداء المرأة المسلمة الحجاب الذي يحجب عورتها عن رؤية البالغين لها، وأن عورة المرأة التي يجب حجبها هي جميع جسمها عدا الوجه والكفين، وان حجاب المرأة المسلمة فرض على كل من بلغت سن التكليف، وهي السن التي ترى فيه الأنثى الحيض، وأن هذا الحكم ثابت بالكتاب والسنة واجماع الأمة.وقدم الطاعن حافظة مستندات طويت على صفحات من الموسوعة الفقهية الكويتية باعتبار الحجاب فريضة شرعية، وفتوى صادرة من وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بتحريم سفور المرأة ووجوب الحجاب، وفتوى صادرة من الوزارة تفيد بأن الحجاب فرض على المرأة المسلمة.وأضاف الطاعن أن التزام المرأة بهذا الشرط دون الرجل، لا إخلال فيه بمبدأ المساواة الذي تنص عليه المادة 29 من الدستور، لأن الحجاب فرض على المرأة دون الرجل.فهل تبسط المحكمة الدستورية رقابتها على نتيجة الانتخابات التي حصلتها ارادة حرة نزيهة عبر بها الناخبون عن ارادة الامة مصدر السلطات جميعها، ومنها القضاء والمحكمة الدستورية، بالرغم من أن أحد طرفي الخصومة امامها هو الامة مصدر السلطات وليست المحكمة الا وكيلة عنها في ممارسة اختصاص السلطة القضائية، ولا يملك الوكيل ان يخالف ارادة الاصيل.ولأن الموضوع جد خطير، ويتعلق بحق المشرع في أن يأخذ من احكام الشريعة الاسلامية، بمعنى الفقه الاسلامي، ما يراه من آراء هذا الفقه مناسبا لمقتضيات العصر ومستجداته من ناحية، وبالقيود التي ترد على هذا الحق من نصوص دستورية أخرى، تستمد منها حقوق دستورية، مثل حق الاقتراع العام، وواجب المشرع في الامتناع عن سن اي تشريع يجعل من حق الاقتراع العام، حقا مقيدا، بما يخالف نص المادة 80 من الدستور.ولأن قضية الحجاب المعروضة على المحكمة الدستورية في الكويت، لا تتعلق بتشريع يلزم طالبات المدارس بزي موحد يسمو بهن عن المهانة والابتذال، التزاما بواجب فرضه الدستور على الدولة في المادة العاشرة برعاية النشء ووقايته من الاهمال الادبي والجسماني او الروحي، بل بقضية تمس النظام الديمقراطي كله، وتمس ارادة الناخبين التي تعبر عن ارادة الأمة، التي هي مصدر السلطات جميعا، ومنها سلطة القضاء، بعد أن تنزلت عدالة السماء بحكم القضاء الشعبي الممثل في هيئة الناخبين، باختيار من يمثل الامة من اعضاء وعضوات في مجلس الامة عبر انتخابات حرة ونزيهة. فقد حرصنا على ان نقدم هذه الدراسة، من منظور دستوري وقانوني لحق الترشيح وحق الانتخاب، وليس من منظور شرعي لقضية الحجاب، وهي قضية خلافية، يملك غيري ادوات الترجيح فيها، وإذا كنت تعرضت لها فهو القدر الضروري اللازم في هذه الدراسة، لبيان انه ليست هناك قواعد وأحكام معتمدة في الفقه الاسلامي، لا خلاف عليها، وأن المشرع باضافة الفقرة سالفة الذكر إلى المادة الأولى من قانون الانتخاب، لم يؤد الرسالة التي حملتها المادة الثانية من الدستور في اختيار ما يرى الزام المرأة به من هذه القواعد والاحكام، بشرط ألا يجوز الاجتهاد الشرعي فيها على الدستور والحقوق الدستورية المقررة فيه، وألا يهدر حق من هذه الحقوق.وتدور المسألة المطروحة التي نحن بصددها، بين ثلاثة محاور دستورية وقانونية.المحور الأول فيها هو المادة الثانية من الدستور ومفهوم الشريعة الاسلامية فيها، والخطاب الذي وجهته الى المشرع بأن تكون الشريعة الاسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع، والالتزام بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الاسلامية في قانون الانتخاب وفقا لهذا الخطاب، وهي مسألة خلافية في الشريعة الاسلامية، بمعناها المقصود في الدستور وهو الفقه الاسلامي.أما المحور الثاني في هذه الدراسة، فيدور حول مدى التزام المشرع بالنصوص الدستورية الأخرى، والتي ترد قيدا على التزامه بالأخذ بالشريعة الاسلامية كمصدر رئيسي للتشريع من حيث اتفاقه او اختلافه معها.ويدور المحور الثالث حول الاجراءات التي تم بها اقرار تعديل المادة الاولى من مشروع القانون رقم 17 لسنة 2005، بإضافة التزام المرأة بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الاسلامية، ومدى سلامة هذه الاجراءات في ضوء المادة 17 من الدستور والمادتين 97 و103 من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة. المحور الأولالالتزام بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الإسلاميةفي ضوء المادة الثانية من الدستور: تنص المادة الثانية من الدستور على أن «دين الدولة الإسلام، والشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع». ولأن للشريعة الاسلامية مفهوما تستقل به في المادة الثانية للدستور، عن المفهوم الدارج لها وهو كتاب الله وسنة رسوله، سنخصص المبحث الأول في هذا المحور لمفهوم الشريعة الاسلامية، وفقا للمادة الثانية من الدستور، ونخصص المبحث الثاني لبحث مدى التزام القانون رقم 17 لسنة 2005 بتعديل قانون الانتخاب، بأحكام المادة الثانية من الدستور.المبحث الأول: مفهوم الشريعة الإسلامية وفقاً للمادة الثانية من الدستور. بعد أن نصت المادة الثانية من الدستور على أن «دين الدولة الاسلام والشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع» جاءت المذكرة التفسيرية، بتحديد لمفهوم الشريعة الاسلامية وفقا لهذا النص، فقررت أنه: «لم تقف هذه المادة عند حد النص على أن دين الدولة الاسلام، بل نصت كذلك على أن الشريعة الاسلاميةـ بمعنى الفقه الاسلامي مصدر رئيسي للتشريع».وقد وافق المجلس التأسيسي على المذكرة التفسيرية، بعد موافقته على الدستور، فأصبح ما ورد فيها من تفسير لبعض نصوصه، ملزما شأن النص الدستوري الذي تفسره.لكن اطلاق اصطلاح الشريعة الاسلامية على الفقه الاسلامي، ليس اصطلاحا او مفهوما استقل به الدستور الكويتي، بل هو اصطلاح فقهي اسلامي، أطلقه فقهاء المسلمين، على ما يبدونه من آراء وفتاوى، وما صاغوه من نظريات.وكان القانون المدني المصري الذي صدر في عام 1948 أسبق من الدستور الكويتي الى الاخذ باصطلاح الشريعة الاسلامية واطلاقه على الفقه الاسلامي، عند بيان المصادر التي يرجع اليها القاضي، وحذا حذوه القانون المدني الكويتي عام 1980، والذي اعتبر بدوره الشريعة الاسلامية، بمعنى الفقه الاسلامي، أحد المصادر التي يرجع اليها القاضي إذا لم يوجد نص تشريعي، وأصبحت مصدره الأول بالتعديل الذي أدخله القانون رقم 15 لسنة 1996 على المادة الأولى من القانون المدني الكويتي، ومما هو جدير بالذكر في هذا السياق، أن القرآن الكريم، وإعجازه في اللغة التي نزل بها على قوم قد اجادوها وتغنوا بها نثرا وشعرا وفصاحة، قد استخدم لفظ الشريعة للتعبير عن المنهج والسبيل في قوله تعالى مخاطبا الأنبياء «لكل جعلنا منكم شرعا ومنهاجا»، وهو المعنى الذي يتفق والمعنى اللغوي للشريعة، النهج او السبيل او الطريق، وما شابه، أي أن المفهوم الدستوري للشريعة الاسلامية. وفقا للمادة الثانية من الدستور. ليس الكتاب والسنة كما أراد البعض أن يدغدغ بهما المشاعر، وكما يظن البعض وتصيبهم الدهشة عندما نقول إن علينا ان نختار من أحكام الشريعة الاسلامية ما يناسب زماننا، بل المقصود بها فقه بشري مهما بلغ في رقيه ورفعة شأنه بين مدارس الفقه المعاصر له وكذلك الحديث.تطوير الأحكاموتستطرد المذكرة التفسيرية في «تعليقها على نص المادة الثانية من الدستور فتقول: «وفي وضع النص بهذه الصيغة توجيه للمشرع وجهة إسلامية أساسية دون منعه من استحداث أحكام من مصادر أخرى في أمور لم يضع الفقه الاسلامي حكما لها، أو يكون من المستحسن تطوير الأحكام في شأنها تماشيا مع ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمن، بل إن في النص ما يسمح مثلا بالأخذ بالقوانين الجزائية الحديثة مع وجود الحدود في الشريعة الاسلامية، وكذلك ما كان ليستقيم لو قيل «والشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع»، إذ مقتضى هذا النص عدم جواز الأخذ عن مصدر آخر في أي أمر واجهته الشريعة بحكم مما قد يوقع المشرع في حرج بالغ إذا ما حملته الضرورات العملية على التمهل في التزام رأي الفقه الشرعي في بعض الأمور وبخاصة في مثل نظم الشركات، والتأمين، والبنوك، والقروض، والحدود، وما اليها».وكان قد استغرق اقرار هذه المادة حيزا كبيرا من مناقشات المجلس التأسيسي في جلستيه المعقودتين بتاريخ 11/9/1962 وبتاريخ 24/10/1962، حيث كان العضو خليفة طلال الجري قد اقترح تعديل عبارة «مصدر رئيسي للتشريع» إلى عبارة «المصدر الرئيسي للتشريع»، وأيده في هذا الاقتراح من الأعضاء احمد خالد الفوزان ونايف الدبوس وسعود العبدالعزيز العبدالرزاق، كما طالب البعض بأن تقطع يد السارق (أحمد الفوزان)، وتساءل البعض عن مصير البنوك ومصير الشركات خاصة أن 90 في المئة من المواطنين يتاجرون ويتعاملون معها (د. أحمد الخطيب وعبدالعزيز حمد الصقر)، وكان من رأي البعض أنه لا فارق في المعنى بين «مصدر» و»المصدر» (مبارك الحساوي)، فأوضح الخبير الدستوري هذا الفارق بإسهاب مقررا ان الفارق بين الأمرين هو في مدى التزام المشرع بالشريعة الاسلامية، فالنص المعروض سيجعل الشريعة مصدرا رئيسيا، ولكن قولنا الشريعة هي «المصدر الرئيسي» معناه أنه يجب على المشرع ان يتقيد الزاما بأحكام الشريعة الاسلامية بمعنى الفقه الاسلامي، وبعدم تجاوزها إلى مصدر غيرها ما دام فيها حكم شرعي، اما عندما نقول: «مصدر رئيسي» فللمشرع ان يأخذ بنظام الشريعة ما استطاع ذلك، أو بغيرها من الانظمة عند الضرورة، أي أننا إذا قلنا «المصدر الرئيسي» فمعناه أنه إذا كان في الشريعة حكم ينظم الموضوع فلا يملك المشرع أن يأخذ من مصدر غيرها، وقد يمنع ذلك المشرع من أن ينظم مثلا عمليات التأمين والبنوك وغيرها من النظم الحديثة، وقد أضاف إلى ذلك قوله لأننا جميعا حريصون على ان نلتزم حكم الشريعة الاسلامية لأنها سباقة إلى تقرير الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ولكن الشريعة ذاتها قد تركت بابا مفتوحا للأخذ بالجديد المستحسن في أمور الدنيا، فنظام الدولة في الوقت الحاضر مأخوذ بعضه من الواقع الحديث والبعض الآخر من الشريعة، ومع أننا نريد أن نجعل التزامنا اكثر ما يكون بالشريعة، لكننا في الوقت ذاته اردنا ان نتيح للمشرع مجال الاخذ بالقوانين الحديثة التي لم يكن لها اصل في الشريعة.وتختم المذكرة التفسيرية للدستور تصويرها لنظام الحكم وتعليقها على بعض مواد الدستور، ومنها المادة الثانية فتقول: «ووفقا لهذه الايضاحات المتفرقة في شأن بعض المواد على وجه الخصوص، يكون تفسير احكام دستور دولة الكويت».وقد وافق المجلس التأسيسي على المذكرة التفسيرية بعد موافقته على الدستور، فأصبح ما ورد فيها من تفسير لبعض نصوصه، ملزما شأن النص الدستوري الذي تفسره.أي انه لم يغب عن واضعي الدستور الكويتي، ان المصالح المعتبرة شرعا، مصالح لا تتناهى جزئياتها او تنحصر تطبيقاتها، وأنها تتحددـ مضمونا ونطاقاـ في ضوء اوضاعها المتغيرة.(حكم المحكمة الدستورية العليا في مصر جلسة 2/1/1999 في القضية رقم 12 لسنة 19 قضائية دستورية).ولهذا ايضا لم يجعل الدستور الكويتي الفقه الاسلامي، المصدر الوحيد للتشريع، ومانعا من الأخذ من مصادر أخرى، نزولا على احوال الناس، وكما تقول المحكمة الدستورية العليا في مصر «لمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيما لشؤون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعا، ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة» (16/11/1996 ق26 لسنة 12 قضائية دستورية).من صنع البشرويضيف المرحوم سيد قطب في كتابه «نحو مجتمع اسلامي»: «أن الفقه الاسلامي من صنع البشر، استمدوه من فهمهم وتفسيرهم وتطبيقهم للشريعة، وفي ظروف خاصة، وتلبية لحاجات خاصة، واستيحاء لأوضاع جيلهم الذي عاشوا فيه، وفهمه للأمور وتقديره للغايات والأهداف ومصالحه التي تمليها الوقائع والاشياء، وأمام ما كان تحت بصر هؤلاء الذين وضعوا الفقه الاسلامي.وأيا ما كان سعة آفاقهم ودقة تقديراتهمـ وهو الواقع فعلاـ فإنه ينبغي ان نضع في الاعتبار دائما ان تشريعاتهم الفقهية كانت تلبية لحاجات زمانهم الواقعية.وحتى الفروض النظرية التي افترضوها وأجابوا عنها لم تكن إلا من وحي هذه الحاجات، او من وحي منطق البيئة التي احاطت بهم، والعصر الذي عاشوا فيه، والعلاقات والارتباطات الاجتماعية التي كانت سائدة في تلك البيئة وفي هذا العصر.وهذه النظرية العامة لا تقتصر على فقهاء الاسلام الذين عرفوا بهذا اللقب، انما تشمل كذلك حتى صحابة رسول الله- بعد موته صلى الله عليه وسلم- فأبو بكر وعمر وعلي وابن عباس وابن عمر واخوانهم- رضي الله عنهم- هم اكثر بصرا بشريعة الاسلام من غير شك، واعمق ادراكا لمبادئها واتجاهاتها بلا جدال.ولكن تطبيقاتهم لهذه الشريعة لا تخرج عن تلك القاعدة، وهي انها جاءت تلبية مباشرة لحاجات البيئة ومقتضيات العصر، ولا يمكن ابدا ان تصبح جزءا مقدسا من الشريعة» انتهى كلام المرحوم سيد قطب.والواقع ان هذا الفقه قد ظفر بمكانة بارزة في فقه القانون المقارن، واعترف العلامة الالماني جولد زيسر والفرنسي لمبير والايطالي دلفكيو بأن كثيرا من النظرية الحديثة في الغرب كانت معروفة لدى فقهاء المسلمين، من ذلك نظرية كون الحق وظيفة اجتماعية وتطبيق هذه النظرية بصدد اساءة استعمال الحق ونسبية الحقوق.بل قيل إن القوانين البحرية الحديثة مأخذوة من العرب، وان ريتشارد قلب الاسد، وقف عند عودته من الحرب الصليبية في جزيرة (اوليرو) في البحر الاطلسي وامر من معه من الموثقين ان يدونوا جميع القواعد الخاصة بالتجارة والعادات البحرية التي نقلوها عن العرب وقت الحرب، وقد تم تدوينها بالفعل، ليتدارسها الفقه الغربي ويبني عليها قوانينه.ومن هنا كان خليقا بالشريعة الاسلامية ان تتبوأ المكان اللائق بها في الدستور الكويتي، لكي تكون مصدرا من مصادر التشريع في الكويت.لكنه لا بد من الاقرار بأن الاسلام وإن كان اسبق النظم الى تقرير اربعة مبادئ اساسية، لا تقوم الديمقراطية كانت ما كانت على غيرها: وهي (1) وجوب الشوري، (2) عموم الحقوق وتساويها بين الناس، (3) التضامن بين الرعية. (4) والمسؤولية الفردية. وهي اصول كلية ثابتة قام الدستور الكويتي على بناء ثابت ودعائم منها، ولا يختلف فيها عن سائر النظم الديمقراطية.إلا انه وبقدر ما كان اختلاف الاولين واجتهادات السابقين في الفروع في العبادات والمعاملات، لكن الفقه الاسلامي، لم يجاوز في اجتهاداته حدودها، الى شؤون الحكم، التي تعيننا على مواكبة الانظمة الديمقراطية في العالم اجمع، التي تتطور يوما بعد يوم لتحقيق مشاركة اوسع للشعب في الحكم.ويرجع ذلك الى عاملين، اولهمان ان الفقه اصبح تقليدا محضا للاولين الى ان جمدت عقول العلماء وعقول تلاميذهم واصبح الجمود شيئا تتوارثه الاجيال جيلا عن جيل (مرآة الاسلام - د. طه حسين ص 259)، اما العامل الثاني، وهو العامل الاسبق تاريخا، فهو ما كانت عليه الجماعات السياسية من تقاذف بالكفر احيانا وبالفسق غالبا، ويستبيح بعضها دم بعض، وتستبيح امتحان الناس بالسجن والضرب والقتل. (المرجع السابق ص 247).وان فتوى بطلان طلاق المكره ادت الى سجن صاحبها وضربه لان احدهم، قال لامير المؤمنين إن صاحب الفتوى يقصد بطلان بيعتك اميرا للمؤمنين، لان من بايعوك كانوا مكرهين عليها، وان الخليفة المأمون قد امر عامله على بغداد بأن يمتحن جماعة من العلماء، فمن اجابه الى رأيه اطلقه، ومن خالفه الرأي ضرب عنقه وارسل اليه رأسه، وقد لقي احمد بن حنبل بلاء عظيما في هذا الامر وصبر صبر الابطال، واحتمل السجن الطويل والحرمان الشديد والضرب المبرح الذي اضعفه الى ان توفي، ولذلك فإن الفقهاء كانوا يفتون بما يراه الحاكم تقية وتجنبا لاحتمال المكروه.ومن كلمات الفقيه ابو بكر الطرطوشي (توفي - 520 هـ) ان: من اجلال الله اجلال السلطان عادلا كان او جائرا، لان الطاعة عصمة من كل فتنة ونجاة من كل شبهة.مناخ الحرياتوان من كتب من المحدثين في مناخ الحريات الذي تتيحه النظم الديمقراطية المعاصرة كفر هذا النظام، واعتبرها رجسا من عمل الشيطان.وان كتابا تحت يدي عنوانه «القول السديد في بيان ان دخول المجلس (يقصد مجلس الامة) مناف للتوحيد»، وهو اختصار لرسالة ابلاغ الحق الى الخلق لفضيلة الشيخ سيد غباشي.يصف فيها صاحب هذه الرسالة انتخابات مجلس الامة بأنها «انتخابات جاهلية للحصول على مقاعد في مجالس الشرك والفسوق والعصيان».ويقرر الدكتور مصطفى ابو زيد فهمي ان الاسلام لم يحدد اسلوبا معينا للشورى، فاكتفت الآية الكريمة بوضع الحكم العام «وأمرهم شورى بينهم»، ولم يرو عن الرسول انه بين كيف تكون الشورى، وكيف تقوم، وكيف يكون نظامها.وهو ما يعتبره الدكتور مصطفى عبقرية هذا الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان، فقد ترك الاسلام لكل امة ان تضع من الانظمة ما يلائم ظروفها وزمانها (فن الحكم في الاسلام - الدكتور مصطفى ابو زيد فهمي ص 202 و203).وفي كتاب السياسة الشرعية يقول الامام الراحل الشيخ عبدالوهاب خلاف، إن السلطة التشريعية في الدولة الاسلامية يتولاها المجتهدون واهل الفتيا (وليس البرلمان).ويقول الكاتب الاسلامي الكبير فهمي الهويدي في كتابه «الاسلام والديمقراطية»، وتحت عنوان «دولة الاسلام لا تبدأ بالحجاب»، يقول: إن المسألة ليست قوانين تسن او محظرات تفرض او ازياء تعمم، وانما هي اولا واخيرا قلوب تعمر بالايمان، ونفوس يهذبها الاتصال بالله، ومثل عليا تسود وتقود، وقيم شريفة يتمثلها الفرد والمجتمع.كما يضيف أن السلطة ليست سوى وسيلة لبلوغ مختلف المقاصد والغايات، وان سبيلها الى ذلك لا يكون دائما بما يسن من قوانين او يصدر من قرارات، ولكن بمناخ توفره الدولة وبمثل تضربها، وبنفس طويل تتسم به حيث الرسالة اهم من الغلبة، والتمكين والهداية مقدمة على التسلط.ويرى الكاتب الاسلامي ان ارتداء الحجاب شأن يتعلق بالسلوك وبخلق الاسلام، وهو ما لا ينبغي ان يتم بقرار سلطة مهما كانت.ويضيف ان صحافيا فرنسيا سأله: هل تعتقد ان فرض الحجاب ليس ضروريا في الدول الاسلامية؟فأجاب: السلوك الاجتماعي والاخلاق من الامور التي يربى عليها الناس، ويستحيل ضبطها بقرار اداري او امر الحكومة، وان الدول الاسلامية لم تقم لتفرض على الناس زيا بذاته (ص 215 - 221).خلاصة ما تقدم، ان ما طرحناه حول غياب اجتهادات الاولين في الفقه الاسلامي حول النظام المتكامل للشورى يضارع النظم الديمقراطية الحالية، التي تهفو اليها كل الدول والشعوب، انما كان ذلك لنؤكد ثلاث حقائق اساسية هي:الحقيقة الاولى انه لم يرد في كتاب الله في الشورى سوى قوله تعالى «وشاورهم في الامر» وقوله تعالى «وامرهم شورى بينهم»، ولا يوجد في سنة النبي او في الفقه الاسلامي، ما يمكن الرجوع اليه لبناء نظام متكامل للشورى، ومن هنا اصبح الرجوع الى المصادر الاخرى ضرورة حتمية.الحقيقة الثانية ان اعمال حكم الفقه، فيما لا نص فيه في الشريعة الاسلامية، لا يعني ان نقحم بالتشريع على النظام الديمقراطي الذي يقوم عليه نظام الحكم في الكويت، ما ليس من طبيعته او عناصره او مستلزماته، مثل قضية الحجاب.الحقيقة الثالثة ان القانون لا يخلق سلوكا ولا يخلق ثقافة بل هو نابع من الجماعة ومن ذات نفسها، متأثر في وجوده بنوع الحياة التي نعيشها، وبما يكتنفها من ظروف اجتماعية واقتصادية، فالقواعد القانونية تنبع من الجماعة ذاتها وما درج عليه الناس.(يتبع)
تحقيقات ودراسات
دولة الإسلام لا تبدأ بالحجاب أو بمحظورات تُفرض أو أزياء تُعَمَّم في دراسة أعدها المستشار شفيق إمام بعنوان الحقوق السياسية للمرأة وقضية الحجاب 1/3
21-06-2009