«عسل أسود» فيلم جديد من نوع خاص لنجم الكوميديا اللامع أحمد حلمي، تأليف خالد دياب وإخراج خالد مرعي، يقدم حالة أكثر منه حكاية ويسجل واقعاً أكثر مما يروي وقائع، لذلك يتعذّر تلخيصه ومناقشته.

عنوان الفيلم «عسل أسود» موفق جداً، ينتمي إلى قالب الكوميديا السوداء وطابعها سواء من ناحية التصنيف أو التوصيف. احتار صناعه بين أكثر من عنوان، وحسناً فعلوا باختيار «عسل أسود» في نهاية المطاف، لأنه يعبّر بدقة عن موضوع الفيلم ويجسد رؤيته للحياة المصرية اليومية الراهنة ولمصر كوطن تمتزج فيه المرارة والحلاوة بوضوح وجلاء. ذلك كله من خلال شخصية مصري سيد العربي (أحمد حلمي).

Ad

يبدأ الفيلم بـ{مصري» في طائرة تقلّه من أميركا إلى القاهرة، ولدى وصوله يصادف «راضي» (لطفي لبيب) صاحب التاكسي الذي يظن أنه أجنبي فيتفنن في استغلاله، لكن ما إن يعرف أنه عائد إلى وطنه بعد سنوات طويلة من الهجرة إلى أميركا حتى يستخفّ به. وراضي إحدى الشخصيات التي سيلتقي بها «مصري» مراراً وتتطور العلاقة بينهما من مشاهد التصادم إلى مشاهد التراضي.

ليس في «عسل أسود» مشاهد أو لقطات وثائقية حقيقية، بما في ذلك مشهد تظاهرة المعارضين للسياسة الأميركية الذين تحاصرهم قوات الأمن المركزي وضباطه من بينهم أحمد راتب، كضيف شرف في مشهد واحد، مع ذلك ينبض الفيلم بروح السينما التسجيلية الحقيقية والجادة، وهي أول ما جعلتنا نصفه بـ «فيلم من نوع خاص».

إنه تسجيل مستمر للحياة اليومية لهذا المصري العائد إلى القاهرة بعد غياب طويل، (المواطن مصري، على حد تسمية الفيلم الشهير لصلاح أبو سيف)، ولمواقف لم يكن يتوقعها.

إهانة مستمرة، هكذا يمكن تلخيص ما تعرض له مصري طول الوقت، أو «مرمطة» على حدّ تعبيره الذي يتكرر مراراً في الفيلم. يحسن أهل البلد التعامل معه إذا قدم جواز السفر الأميركي، والويل له عند التعامل معه كمصري.

يعكس الفيلم الواقع المصري المعاش اليوم، بكل ما يتضمن من إذلال وإهانة للمواطن وبالتالي لمصري، من التعامل معه في التاكسي والفندق وسفح الهرم والأوتوبيس، إلى التعامل معه بخطوات قاتلة متعمدة عندما يعمل على استخراج بدل عن ضائع لجوازه لأنه يرفض دفع الرشاوى للموظفين، ثم النظر إليه كمشبوه وإهدار كرامته في قسم الشرطة إلخ.

لا يلتقط مصري أنفاسه إلا حين يتذكر بصعوبة عنوان حي الطفولة والنشأة الأولى، وهناك يلتقي صديق الطفولة سعيد (إدوارد) وأم سعيد (إنعام سالوسة)، وأخت سعيد وزوجها اللذين لا يجدان مكاناً يأويهما إلا الشقة الضيقة نفسها. أما سعيد فيعجز عن الزواج من مدرّسة الموسيقى واللغة الإنكليزية، التي لا تتقنها، بل لا يجرؤ حتى على أن يفاتحها بحبه، لأنه ببساطة «عواطلي»، حسب تعبيره، على غرار ملايين الشباب في مصر اليوم الذين تخرّجوا وتجاوزوا سن الثلاثين من دون أن يجدوا عملاً، وما زالت أمه المكافحة والطيبة تصرف عليه بطريقة أو أخرى.

على رغم الحصار وقصر اليد والظروف السيئة التي تلاحق «مصري» (وكل مصري) يومياً، إلا أنه يشعر ولو للحظات بجمال روح المصريين وبـ «شيء خاص يتسمون به» ويتلمسه من موقف إلى آخر حتى يتراكم لديه، في شهر رمضان وروح المصريين وألفتهم فيه، في العيد وصواني كعكه وروح الكبار والأطفال المقبلة على الحياة، في نزهة أسرة مصرية بسيطة إلى حديقة متواضعة حيث يفترش أفرادها الأرض ويأكلون فسيخاً في شم النسيم أو غيره في مناسبة أخرى...

لذلك ما إن يستقلّ مصري الطائرة للعودة إلى أميركا حتى يقرر النزول وعدم التفريط في عيش حياته المقبلة في القاهرة، بكل ما في مصر ولها وعليها كما تقول أغنية «فيه حاجة حلوة... لسه» التي كتبها أيمن بهجت قمر.

نعم ثمة جمال ودفء وروح خاصة في مصر، على رغم المتاعب التي يعيشها المصريون حالياً، والتي ربما لم يمروا بأسوأ منها في السابق.

شاركت عناصر الفيلم كافة بمهارة في التعبير عن رؤية جادة، فقد أدى أحمد حلمي دور مصري برهافة وإقناع واضحين، وجسّدت إنعام سالوسة دور أم حنون جميلة بإحساس واضح، فيما حقق المخرج خالد مرعي (نفذ المونتاج أيضاً) رؤيته وأحكم إيقاعه، إلى جانب تصوير سامح سليم وديكور محمد أمين وموسيقى عمر خيرت الرائعة في تعبيرها وتعليقها، ومجمل عناصر فريق الممثلين المعروفين والجدد الواعدين.