حسب ادعاءات "القصيبي"، فإن الصانع تمكن من جمع الأموال من دون علم العائلة، عبر استخدام «وثائق مزورة أو مزيفة»، ومن ثم سحب الأموال من المجموعة بوسائل متعددة، بما في ذلك دفوعات إلى أشخاص، أو حسابات أو شركات تحت سيطرته، وتقدر "القصيبي" مجموع ما «اختلسه» الصانع بما يقارب 9.2 مليارات دولار.

Ad

ظهرت خلال العامين الماضيين سلوكيات وتعاملات مصرفية كثيرة غير مرغوب فيها بالنسبة إلى المؤسسات المالية حول العالم، لكن الأكثر غرابة على الإطلاق في هذا المجال، ما تم الكشف عنه بالوثائق في نيويورك، من قبل أحد أعرق المجموعات التجارية في السعودية، شركة «أحمد حمد القصيبي واخوانه»، المعروفة اختصاراً بـ «أهاب».

عائلة القصيبي متجذرة تاريخياً في مجالات التجارة والزراعة وصيد اللؤلؤ. وعلى مر السنين، توسعت أنشطتها وتشعبت لتشمل الملاحة، والعقارات، والتمويل وغيرها من الأنشطة. وقد أنشئ فرعها العامل في مجال الصرافة في عام 1981، بهدف تحويل وتبديل العملات إلى العملات الأجنبية الموجودة في المملكة. وقد أسست المجموعة أيضاً مصرفاً في البحرين في عام 2002، هو «المؤسسة المصرفية العالمية».

بدأت متاعب المجموعة تظهر إلى السطح في مايو 2009، بعد تعثر «المؤسسة المصرفية العالمية» ونشاط الصرافة من دون اي مقدمات، وذلك عندما رفع متضرر دعوى قضائية في نيويورك، قدمت المجموعة على أثرها تفسيراً مذهلاً لمحنتها، وادعى محاموها أنها كانت «ضحية لأكبر عملية احتيال في التاريخ».

تدعي المجموعة من خلال وثائق المحكمة أن الاحتيال دُبر وخُطط له من قبل الملياردير السعودي- الكويتي المولد- معن الصانع. والصانع هو رئيس «مجموعة سعد» ذات الاستثمارات البارزة، والتي صنفت في وقت لاحق بين المجموعات الضخمة بامتلاكها أصولاً عالمية تزيد قيمتها على 30 مليار دولار، من بينها ثاني أكبر حصة في بنك أتش أس بي سي HSBC، كما ان الصانع متزوج من إحدى نساء عائلة القصيبي، وهي ابنة أحد مؤسسي شركة القصيبي.

استقال الصانع من منصبه كمدير لـ«المؤسسة المصرفية العالمية» في أكتوبر 2005، لكن عائلة القصيبي ومن خلال أوراقها المقدمة إلى المحكمة، تقول إنه ظل فعلياً يتحكم في الفرع المالي للمجموعة، ومن موقعه هذا «استغل الاسم والسمعة المالية اللذين تتمتع بهما عائلة القصيبي»، وحسب ادعاءات "القصيبي"، فإن الصانع تمكن من جمع الأموال من دون علم العائلة، عبر استخدام «وثائق مزورة أو مزيفة»، ومن ثم سحب الأموال من المجموعة بوسائل متعددة، بما في ذلك دفوعات إلى أشخاص، أو حسابات أو شركات تحت سيطرته. وتقدر "القصيبي" مجموع ما «اختلسه» الصانع بما يقارب 9.2 مليارات دولار.

وأنكر الصانع مراراً وبقوة هذه الادعاءات. وهو يعترف بكل حرية بأنه كان يعمل لدى "القصيبي" في وقت سابق، لكنه يصر على أن أي علاقة تربط بين المجموعتين اليوم، هي علاقة عن بعد.

«الإيكونومست» لم تستطع التحقق من ادعاءات "القصيبي". وحتى الآن، لم يظهر أي طرف محايد وعلى قدر من الأهلية، قادر على تسليط الضوء على هذه القضية وتفسير النزاع الدائر. غير أنها وفي الأوراق المقدمة إلى المحكمة العليا في نيويورك هذا الشهر، كشفت "القصيبي" النقاب عن تحقيق سري قامت به «إرنست آند يونغ» وقدمته إلى مصرف البحرين المركزي في يوليو الماضي. لقد قدم التقرير قراءة سريالة لما يحدث.

ووفقا للنتائج التي توصلت إليها «إرنست آند يونغ»، فإن «المؤسسة المصرفية العالمية» كانت بمنزلة بنك لم يحضر رئيس مجلس إدارته والأعضاء التنفيذيون، أي اجتماع لمجلس الإدارة على الإطلاق (على الرغم من أن محاضر الاجتماعات تضمنت تواقيعهم بأي حال من الأحوال). كما أن موظفيه، لم يلتقوا أو يقابلوا المقترضين المفترضين، في حين قدم البنك قروضاً تمت إعادة جدولتها وزيادتها لأشخاص، أنكروا إنكاراً قاطعاً الحصول عليها، حسب ما يفيد التقرير.

لقد وجدت «إرنست آند يونغ» أن جهاز الكمبيوتر الخاص بجلن ستيوارت، المسؤول الأول عن «المؤسسة المصرفية العالمية» حتى وقت إعلان التعثر، كان «مخترقاً» ويمكن الدخول إليه عن بعد، باستخدام برنامج «بي سي أني وير» (pcAnywhere)، علماً بأن عمليات الدفع الإلكتروني، كانت تتطلب أن يقوم ستيوارت بتسجيل دخوله أولاً على الكمبيوتر، ثم يمنح التفويض اللازم لإتمام هذه العمليات.

وحسب «إرنست آند يونغ»، فإن عملية التفويض هذه، كانت تجري من خارج دولة البحرين، على طريقة جهاز التحكم عن بعد (ريموت كونترول).

عمليات الخداع المزعومة، لم تكن محصورة في عالم التكنولوجيا الرقمية وحده، فهناك مزاعم بأن الرئيس السابق للبنك، سليمان القصيبي، قام بتوقيع التقرير السنوي للبنك في 12 فبراير 2009، على الرغم من أنه كان في الوقت نفسه ممدداً على الفراش في قسم العناية المركزة في زيوريخ. لقد أورد المحققون أيضاً تقريراً من الخبيرة الجنائية أودلي جايلز، التي قامت بدراسة الوثائق المقدمة من "القصيبي" وتعرفت إلى أكثر من 200 توقيع مزور. وعلمت صحيفة «الإيكونومست» أن التواقيع كانت في أحيان كثيرة عبارة عن نسخ مطبوعة، تمت إعادة الكتابة عليها بقلم بارز.

وأيضاً وجد المحققون أن المقترضين السعوديين لما مجموعه 2.2 مليار دولار من «المؤسسة المصرفية العالمية»، كما في دفتر القروض، لم يكونوا حقيقيين. ولم يتفاعل موظفو «المؤسسة المصرفية العالمية» معهم وبشكل مباشر على الإطلاق. وقد كتب المحققون أن خطابات التعريف من بنوك المقترضين «قد تكون مزورة».

وعلى الرغم من أنهم لم يتحققوا بأنفسهم، فقد كتب المحققون أن شركة ديلويت، التي عينت من قبل "القصيبي"، قامت بزيارات ميدانية لعناوين المقترضين، واكتشفت أنها عناوين مضللة، إذ إن الأماكن المذكورة ليست محل سكن المقترضين، أو أنها لا يتم استخدامها لأغراض تجارية.

بطبيعة الحال، يحاول التقرير أن يثبت من هو المسؤول الحقيقي عن «المؤسسة المصرفية العالمية»، وقد أفاد الرئيس التنفيذي ستيوارت للمحققين بأن «القرارات الرئيسية وأعماله اليومية، كانت موجهة من قبل الصانع». ويضيف التقرير أن المذكرات الخاصة بأعضاء اللجنة التنفيذية في «المؤسسة المصرفية العالمية»، التي تتطلب توقيع رئيس مجلس الإدارة، كانت توجه إلى الصانع أيضاً بعد فترة طويلة من استقالته. لكن الصانع يؤكد أنه ليست له علاقة بأعمال "القصيبي" تحت أي صفة.

إذا كانت شكوك «إرنست آند يونغ» صحيحة، فهذا يعني أن «المؤسسة المصرفية العالمية»، هي مصرف «وهمي»، إدارته التنفيذية لم تعره أي اهتمام، وأن المقترضين في الدفاتر لم يطلبوا القروض أبداً، ولم يتسلموها أيضاً.

وضحية هذا الاحتيال، هي عائلة القصيبي التي يبدو أنها كانت واثقة بيقين، بأن الذراع المالية لإمبراطوريتها التجارية، قادرة على أن تعمل بسلاسة ومرونة من دون تدخل أو رقابة من قبل أبناء العائلة.

في اليوم الذي تلقت فيه السلطات البحرينية تقرير «إرنست آند يونغ»، أمرت بوضع «المؤسسة المصرفية العالمية» تحت الوصاية، وقد صرح محافظ البنك المركزي البحريني في نوفمبر بأن «الوضع القانوني سيكون في حالة من الفوضى»، وأعرب عن اعتقاده أنه «تم احتواء الأزمة».

يشبه محافظ المصرف المركزي أحياناً دور الأنظمة المالية بإشارات المرور، فعندما تقطع سيارة إشارة حمراء، وتتعرض لحادث، يجادل بأنه هذا لا يعني إخفاقاً من قبل الشرطة. فإذا كانت ادعاءات "القصيبي" صحيحة، فالقضية تقترح منطقية طبيعية: «لا تدع زوج ابنتك يقود سيارة عائلتك».