1. قال الله عز وجل في خطابه لرسوله صلى الله عليه وسلم «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ». (الأنبياء: 107). وقال النبي الكريم: «مَنْ لَا يَرْحَمْ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»، وقال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ»، وغير ذلك من الأوامر القرآنية والتوجيهات النبوية التي جسدت منهج الإسلام في الرحمة في كل مجالات الحياة وبمخلوقات الله كافة. «الجريدة» ترصد مفهوم الرحمة من خلال آراء نخبة من العلماء في سياق السطور التالية.يقول د. نصر فريد واصل (مفتي مصر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر): «من المعلوم من الدين بالضرورة والمقَرر شرعاً أن الإسلام دين الرحمة والرأفة والرفق بجميع مخلوقات الله، فقد رُوي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ»، وعنها أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»، فمن هذه الأحاديث وغيرها يتضح أن الإسلام دين الرحمة والرأفة، وقد ضرب الإسلام مثالاً رائعاً في الرحمة التي وصلت حتى إلى الحيوان، فقد نهى الإسلام عن تعذيب الحيوانات بالضرب أو القتل، حتى في حالة الذبح الشرعي يقول النبي الكريم: « إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».
ويضيف د. واصل: الحقيقة التي لا ينكرها إلا حاقد أو جاهل، أن الإسلام دين أمن، وسلام، وأنه جاء بتعاليم وأحكام سامية تكفل تنظيم جميع أنواع العلاقات في المجتمع بما يحقق خير الجميع، ومصلحة الجميع في شتى الميادين والمجالات، والمسلم وفقاً لمقتضيات عقيدته وشريعته مطالب بأن يكون دائماً مع نفسه وغيره أماناً كاملاً، وسلاماً تاماً، فالسلام اسم من أسماء الله عز وجل، كما أن السلام تحية المسلمين فيما بينهم في الدنيا، وبينهم وبين خالقهم، وهو تحية المسلمين عند ربهم يوم يلقونه في الآخرة، والإسلام دين رحمة، وأمان، وسلام للجميع، والمسلمون مسؤولون عن إبراز هذه الحقائق من خلال سلوك صحيح رشيد واعٍ بحقائق الإسلام وأهدافه السامية، ورعايته حقوق الجميع في المجتمع الإسلامي حتى مخالفيه في العقيدة، قال صلى الله عليه وسلم: «من آذى ذمياً فأنا خصمه».ويقول الشيخ محمود عاشور (وكيل الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية): «إن الإسلام جاء هدى ورحمة للعالمين من يوم نزوله إلى أن تقوم الساعة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رغّب المسلمين في الرحمة والشفقة على خلق الله صغاراً كانوا أو كباراً، رجالاً كانوا أو نساء، وقد وردت في ذلك أدلة كثيرة منها: عن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»، وعن أبي موسى رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«لن تؤمنوا حتى تراحموا» قالوا: يا رسولَ الله! كلُّنا رحيمٌ. قال: «إنه ليس برحمةِ أحدِكم صاحبه، ولكنها رحمةُ العامة». وهذا يدل على أن الرحمة ينبغي أن تتوسع لتشمل الناس جميعاً من عرفت ومن لم تعرف، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الراحمونَ يرحمُهم الرحمنُ، ارحموا مَن في الأرضِ، يرحمْكم مَن في السماءِ»، فإن الإسلام لا يعرف الأحقاد والضغائن التي أوردت البشرية موارد الهلاك في كثير من مراحل حياتها، وإن القلوب القاسية التي لا تعرف الرحمة ولا الشفقة ليست هي قلوب المؤمنين الصادقين، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُنزَعُ الرحمةُ إلا من شقيٍّ».ويعدد د. محمد رأفت عثمان (العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر) صور الرحمة في الإسلام وفي مقدمتها رحمة الأطفال الصغار وملاطفتهم والتودد إليهم وعدم إيذائهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَبَّل النبي، صلى الله عليه وسلم، الحسنَ بن علي رضي الله عنهما، وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إنّ لي عشرةً من الولدِ، ما قبّلتُ منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «من لا يَرحم لا يُرحم»، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم ناسٌ من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتُقبّلون صبيانكم؟ فقال: نعم. قالوا: لكنا والله ما نقبل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وأملك إنْ كان الله نزع منكم الرحمةَ». أما رحمة الإسلام بالمرأة فهي أمر يفتخر به المسلمون في كل زمان، فقد جاء في «سنن أبي داود»: «حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْمُرَقَّعِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّهِ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ: انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ، قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ: قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفاً»، وقال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ» فوصفه للمرأة بالضعف هنا يراد منه رحمتها، وحسن عشرتها، والإحسان إليها، وعدم إيذائها.ويضيف د. عثمان: الرحمة في الإسلام تتعدى الإنسان لتشمل الحيوان أيضاً، فقد أعطاه الإسلام حظه من الرحمة والشفقة والإحسان، وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته بعض القصص المتعلقة بالرفق والرحمة بالحيوان، حضاً لها على تطبيق ذلك السلوك السوي الذي يحقق رحمة الله العامة بكل مخلوقاته في الدنيا، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي الكريم قال: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِى الْبَهَائِمِ أَجْراً قَالَ: فِى كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» بل إن الله تعالى يغفر بعض كبائر الذنوب للمسلم برحمة الحيوان والرفق به، فإنه تعالى يعذب من نزعت الرحمة من قلبه، فيعذب الحيوان، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «دخلت امرأةٌ النارَ في هِرةٍ ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعْها تأكل من خشاش الأرض»، فأين جمعيات الرفق بالحيوان من هذه الآداب النبوية الرشيدة وكيف ينكرون فضل الإسلام وقد سبقهم بأربعة عشر قرناً من الزمان، ومازالوا لا يفرقون بين ما هو حق وما ليس بحق، إذ إنهم يعتبرون الذبح على الطريقة الإسلامية نوعاً من القسوة ولا يعرفون الفوائد الكثيرة لطريقة الذبح الإسلامية، أما هم فيصعقون ذبائحهم بالكهرباء، أو يضربونها على رؤوسها فتموت ثم يذبحونها، ويعتبرون ذلك من الرحمة بالبهائم، وقد شملت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم حتى الجمادات فقد كان النبي إذا خطب يقوم على جذع من جذوع النخل، فلما صنع له المنبر وقام عليه خطيباً، بكى الجذع وسمع له الصحابة صوتاً، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من على المنبر، ووضع يده على الجذع حتى هدأ وسكن، وكل ذلك يوضح أن منهج الإسلام هو الرحمة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله ربه رحمة للعالمين، وأن شريعة الإسلام تعد الجانب التطبيقي والقانون العملي التشريعي الذي ينظم للإنسان كل جوانب الحياة.
توابل
تحقيق الرحمة... روح الإسلام رسول الإنسانية عَلَّم أمته التراحم حتى مع الحيوان والجماد...
25-08-2009