اختار فن النحت ليعزف من خلاله على أوتار الجمال والروعة وكأنه يصنع بأعماله امتداداً لأجداده الفراعنة. تخطّت شهرة النحات المصري آدم حنين الحدود العربية ووضع نفسه في مصاف كبار فناني العالم حتى أطلق عليه أصدقاؤه وتلامذته لقب «كاهن النحت المصري».تقول «الآن عرفت من أنا». كيف تعرفت إلى نفسك؟
عندما سافرت إلى باريس واطلعت على فنون أوروبية كثيرة، بدأت أسأل نفسي: من أنا؟ أين أنا ما هذه الفنون والمدارس الفنية؟ كيف سيصير ما تخطه يدي بألوان أو بإزميل أو بأشكال فنية؟بدأت برسم أشكال كثيرة كي أفرغ المخزون الشكلي من رسوم وألوان داخلي على الورق، وأتت الأشكال نباتية وحيوانية وطيوراً ممزوجة ببعضها. واظبت على الرسم حتى بدأت الأشكال تخرج مكررة، فاكتشفت أنني بحت بمفرداتي الفنية كافة، وهكذا عرفت نفسي.ما هي مفرداتك الفنية؟غالبيتها أشكال نباتية تتداخل معها أشكال أخرى حيوانية وآدمية وطيور. وهذه المفردات قد تمتزج أجزاء منها مع الأخرى لتُخرج أعمالاً فنية غريبة لها ملامح من كل شيء وتعطي المعاني لأشياء مختلفة أو متعاكسة.أين تأثير الفن الفرعوني في أعمالك؟ليس من تأثير مباشر على الفنان، فالأخير ينشأ على قيم وعادات وفنون تؤثر في حياته. بالتالي عندما يخرج فنه من يديه تظهر معه تلك القيم التي عاشها وتعلمها. لا يشاهد النحات أو الرسام الفن الفرعوني أو غيره من الفنون لمحاكاته وتقليده. كان همي منذ الصغر التعرف إلى مصر جيداً، وتعرفت آنذاك خلال زيارتي المتحف المصري إلى ملامح الفن الفرعوني. عموماً، تربيت على قيم شعبية، لذا عندما شاهدت فنون أوروبا وعصور النهضة لم أترك لنفسي العنان كي أتأثر بها لأنني لم أنشأ مثلاً على رسم امرأة عارية فهذه ليست ثقافتي.لماذا تتحدث دائماً عن علاقتك بتمثال أبو الهول؟في طفولتي كنت أركب القطار للذهاب إلى نهاية شارع الأهرام ومشاهدة تمثال أبو الهول، فأدور حول جسده الضخم وألعب بين يديه، وأجلس حيناً أتأمل الحجر والمواد الصخرية. هذه كانت بداية علاقتي بهذا التمثال قبل اكتشافي موهبة الفن لدي. لكن عندما قررت أن أتعلم الفن أو أخرج موهبتي دخلت عن طريق المتحف المصري.لذلك تقدمت بمشروع لترميم التمثال؟ترميم أبو الهول كان عرضاً من وزارة الثقافة، وكان اختياري موفقاً، فأنا أعرف هذا التمثال جيداً، لعبت معه وأنا صغير، إضافة إلى أن تكويني الفني الفرعوني ساهم في ترميم التمثال، فلو تقدم فنان أجنبي لترميمه، قد ينجح، لكن لن نلاحظ تفاعلاً في العمل.كيف يساهم الفنان في نشر التذوق الفني؟دور الفنان الإنتاج فحسب، أما بقية المسؤوليات فتقع على المتاحف وصالات العرض والمؤسسات الثقافية... الخطأ في مجتمعنا يبدأ من المنظومة التعليمية، فالتعليم أصبح مجرد سباق على المجموع وبمثابة عملية «تقفيل وتشطيب» كأنك تطلي جدران شقة، أو تبني منزلاً. تفتقد مدارسنا التعليم الفني الجيد، إلى درجة أنها أجهضت الفن داخل أبنائنا.خلال طفولتي لم يكن التعليم مثالياً، لكنه كان أفضل من المنظومة التعليمية الآن، إذ كنا نزور المتاحف مع مدرس التاريخ، ونسمع الموسيقى، ونذهب إلى الحدائق العامة للاستماع إلى الفرق الموسيقية العسكرية، وكان مدرسو التربية الفنية يلصقون على الجدران صوراً لفان غوغ ومحمود مختار والأهرامات وجامع عمرو، ويتناقشون مع التلامذة حولها.ما هدفك من تأسيس «سمبوزيوم» دولي للنحت في أسوان تحديداً؟«سمبوزيوم» كلمة لاتينية تعني اجتماع عدد من الأشخاص وتفاعلهم واشتغالهم على مجال أو موضوع واحد، ما يؤدي إلى تلاقي النحاتين حول العالم وإبداع أعمال لافتة.أما أسوان فاخترناها لأنها طبيعة بكر، تحتفظ بمعالم البيئة الأصلية ويمتزج فيها النيل مع التربة الطينية والجبال الصخرية، وتتوافر فيها أيضاً كتل الغرانيت والأحجار التي يستخدمها النحاتون.إلى أين وصل مشروع تأسيس جمعية لفن «السمبوزيوم» تعمل على نشر الثقافة الفنية؟كان هذا المشروع أطروحة لصحافيين مشاركين في دورة «السمبوزيوم» الأخيرة، لكنه توقف لأن النحاتين ومن بينهم أنا وعلى رغم موافقتهم على المشاركة في هذه الجمعية ليس لديهم الوقت للسعي إلى تأسيس جمعية ولا يفهمون في إدارتها.وجديد دورة «السمبوزيوم» للعام المقبل؟بدأنا جدياً في تصميم مكان لـ{السمبوزيوم» في أرض معرض السمبوزيوم أعلى الجبل في أسوان، وستشهد الدورة المقبلة نحت أعمال فنية على الصخور الثابتة، ولن نحتاج إلى تكسير الصخور ونقلها إلى ورشة العمل في السمبوزيوم في موقعه القديم بجوار المتحف النوبي، بل سيكون العمل في موقع الجبل ذاته. كذلك نحضر الآن في أسوان لتشييد طريق فني على الجبل، أي تحريك التماثيل والأعمال النحتية لوضعها على جانبي الطريق المؤدي إلى متحف السمبوزيوم أعلى الجبل ليتمكن الزائرون من مشاهدة أكبر عدد من الأعمال الفنية الضخمة.
توابل
النحّات آدم حنين: التعليم أجهض رسالة الفن
23-10-2009