لا أحد يعترض على الهدوء والدعوات إلى الحوار وإلى اللقاءات التي تزيل تشنجات ما بعد الانتخابات، لكنّ السياسة لا تجيز المنح المجانية للخصوم ولا النوايا الطيبة تحت وهْم الاستيعاب.
ممتازة أجواء الاسترخاء التي يشيعها وليد جنبلاط، لكن يده الممدودة يجب ألا تلزم «14 آذار» بالارتخاء، ذلك أنّ «7 حزيران» أطاح «7 أيار» وأنهى مفاعيل «الدوحة» التي لا يمكن التمديد لها بـ»البهورة» بعد هزيمة «8 آذار» وفي ظلّ ظروفٍ إقليمية غير مؤاتية لمعاودة التهديد بالسلاح.

Ad

من سخريات اللعبة السياسية اللبنانية اضطرار الأكثرية النيابية إلى إعادة تتويج رأس الأقلية على مجلس النواب مع أنّه لم يسلّفها سوى النكد ومصادرة الموقع لتأخير انتخاب رئيس الجمهورية والمشاركة الفاعلة في احتلال بيروت بالخيم أولاً ثم بالرصاص... ولا بأس من التذكير بأنّ ثلاثة مواطنين سقطوا برصاص الابتهاج يوم أعاد «التحالف الرباعي» بري رئيساً للمؤسسة التشريعية قبل أربع سنوات.

على أي حال، أي حديث عن بديل للرئيس بري هو مضيعة للوقت، فالأكثرية الشيعية تريده في الموقع الرئيس هذا، وموجبات الوفاق الوطني تقتضي السير في الاتجاه المطلوب. لكن ذلك لا يعني تسليم أكثرية اللبنانيين وممثليهم بحقه المطلق في المنصب وإعطاءه شيكاً على بياض يجيّره داخلياً للأقلية بلا قيود، ويهديه خارجياً لمشيئة دمشق وطهران. فبري سيبقى صاحب دورٍ محوري في البلاد وحاجةً ماسة للحوار والوفاق، ومن واجبه في المقابل إعطاء تعهدات علنية وضمانات، خصوصاً أنه خرج «مثلث الهزيمة» في الانتخابات. هزيمته الأولى في خسارة المعارضة العامة، والثانية في انفضاح هيمنته المفتعلة والمديدة على مقاعد المسيحيين بعدما عرّاه منها في جزين حليف حليفه «الجنرال»، والثالثة في خوضه معركةً غير ديمقراطية وغير متكافئة مع الأقلية الشيعية التي حاولت إسماع صوتها في الجنوب عبر الاقتراع.

الرئيس بري عائد. لكنّ الأكثرية ترتكب خطأً جسيماً في حال أوصلته بسهولةٍ إلى رئاسة المجلس وأسلست له قياد الموقع الثاني في البلاد من دون صفقةٍ مُتكاملة تتناول تشكيل الحكومة وحصتي الأقلية ورئاسة الجمهورية. فالنوايا لا يركن لها على الإطلاق، ولعب «14 آذار» دور «أم الصبي» هو سذاجةٌ موصوفة إنْ تكرّر بلا ضمانات، إذ ثبُت بالملموس أنّ الروح الوفاقية التي أنجبت «الاتفاق الرباعي» فشلت في جذب المكوّن الشيعي إلى تسوية تاريخيةٍ توائم بين تحرير الأرض وانتفاضة الاستقلال، وهكذا تصرّف تحالف «أمل»- «حزب الله» استناداً إلى أجندته الخاصة والإقليمية في ثلاث محطات رئيسة كبرى من دون أن يقيم اعتباراً لمستلزمات الوفاق، فآثر الفراق عند مفترق المحكمة الدولية وخاض «حرب تموز» ليرتكب من ثمّ «7 آيار».

لا تحتاج «14 آذار» إلى براهين جديدة لتدرك أنّ خصومها يتعاطون السياسة بمنطق موازين القوى والقوة العارية وليس بمنطق التسويات التي يوجبها العيش المشترك في بلدٍ متعدد الطوائف والمذاهب وتتطلّبها روح الدستور واتفاق الطائف والقوانين. والدليل على ذلك لا يقتصر على أحداث السنوات الثلاث الماضية فحسب، بل يتجسّد حالياً بمواصلة الكلام غير الدستوري عن «أكثرية شعبية» و»أكثرية نيابية» وعن وجوب منح «الثلث المعطل» للخاسر في الانتخابات وعن رفض تزويد الرئيس بحصةٍ مرجحة في الحكومة تشكل ضماناً للأفرقاء جميعاً. لهذه الأسباب بوسع «14 آذار» بعد انتصارها في «7 حزيران» أن تقول مهلاً للراغبين في تسريع تسليم الأوراق. فليس توتر الجنرال عون ومطالبه المضحكة مبرراً للرضوخ للابتزاز، ولا تشدّد «حزب الله» في شأن سلاحه يعني بالضرورة إمكان استخدامه حالياً لفرض موازين القوى التي يشتهيها في الحكومة القادمة، ولا رغبة سعد الحريري في ترؤس الوزارة يجب أن تكون دافعاً لتقديم تنازلات على حساب الانتصار والحلفاء.

لا أحد يعترض على الهدوء والدعوات إلى الحوار وإلى اللقاءات التي تزيل تشنجات ما بعد الانتخابات، لكنّ السياسة لا تجيز المنح المجانية للخصوم ولا النوايا الطيبة تحت وهْم الاستيعاب. فلتكن اللعبة مثلما أرادتها «8 آذار» على الدوام، لعبة موازين قوى داخلية وإقليمية، ولا بأس في عضّ الأصابع، إذ لا مؤمن يلدغ من جحر مرتين، فكيف إذا لُدِغ مراتٍ ومرات؟