يؤكد المفكر الإسلامي اليمني د. عبد الملك منصور المصعبي أن الديمقراطية آلية ضرورية ومطلوبة لتعليمنا كيفية ممارسة تعاليم ديننا في مختلف الأشكال الحياتية، إذ يرى أن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يغني عن تطبيق الديمقراطية.

ويرى أن التيارات الإسلامية لم تأخذ حقها في السلطة ويجب أن نجرّب طريقة حكمها، ثم نقيّم هذه التجربة، مطالباً أصحاب الاتجاهات المختلفة بالعمل على توعية الشعب لتوفير بيئة مناسبة لتطبيق الديمقراطية.

Ad

حول الديمقراطية والشريعة الإسلامية والشورى ونظام الحكم في الإسلام كان الحوار التالي مع د. المصعبي.

كيف يمكن تعريف الديمقراطية من منظور إسلامي؟

تتعدد مفاهيم الديمقراطية، خصوصاً مع تباين تصورات الاجتماع البشري. عموماً، الديمقراطية تعني مشاركة الناس أفراداً وشعوباً وتنظيمات ودولاً في تقرير أمرهم العام أو المشترك، لا سيما السياسي، في حرية وعلى قدم المساواة.

العامل الأساسي وربما المحدد في تبيان طبيعة علاقة كل من الإسلام والديمقراطية مفهوم المرء للديمقراطية وفهمه للإسلام، فثمة من ينفي وجود أي علاقة بينهما وثمة من يقر بوجودها، فيما يشير طرف ثالث إلى تعارضهما مع جواز الجمع بينهما مرحلياً أو بشروط، فالإسلام يساهم في تعزيز الديمقراطية سواء في عملية التقرير أو التشريع أو التطبيق وساعد ذلك في معالجة الكثير من أوجه قصور الديمقراطية أكثر من التصورات الكلية السائدة كالليبرالية والماركسية، إذ نجد في الإسلام مبدأ الشورى وهو شكل ديمقراطي يتيح حرية الرأي والاختيار، لكننا فشلنا في تطبيقه عبر مراحل تاريخنا.

هل الديمقراطية مطلوبة في مجتمعاتنا العربية؟

الديمقراطية لازمة ومطلوبة لتطبيق الشريعة الإسلامية، لكن باعتبارها آلية وليست أيديولوجية.

الديمقراطية الغربية، هل يمكن تطبيقها في كل مكان؟

أولاً، هل الديمقراطية غربية أم شرقية؟ ثبت أن الديمقراطية آلية ناجحة تعطي الشعوب حقها وتحفظ للإنسان كرامته وتنظم أمور الحياة، إذ يصبح البرلمان المسير للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويخضع الجميع للثواب والعقاب... تلك هي آليات ممارسة الديمقراطية، لذا لا ضرر من استيرادها، لا سيما أننا نستهلك ما ينتجه الغرب في تفاصيل حياتنا كافة، إذاً لا عيب في أن تكون الديمقراطية آلية غربية، لكن لنستوردها في إطار التقنين لما شرعه الله سبحانه وتعالى.

ثانياً، هل الديمقراطية مطلب غربي؟! أشك في ذلك لأن السياسي الغربي حين يطالبنا بالديمقراطية وحقوق الإنسان يطلب ذلك وعينيه على موضوع آخر من قبيل الضغط السياسي لمصلحة أهداف الكيان الصهيوني وحماية إسرائيل، لذلك ينبغي أن يتم تطبيق الديمقراطية في بلادنا بقناعتنا وبضغط من الشعوب وبقناعة من الحكام العرب.

ما هي الأسس الإسلامية التي تنطلق منها الديمقراطية؟

أبرزها، الإيمان المطلق بكرامة الإنسان بغض النظر عن جنسه أو دينه، والإيمان المطلق بالمساواة بين الناس، وهنا لا بد من التطرّق إلى نقطة في غاية الأهمية هي أن الديمقراطية الغربية لا تعتمد المساواة بينما الديمقراطية التي أعتقد أنها تنسجم مع ديننا تعتمد المساواة شرطاً، فتلك الغربية تخدم مصالح الأغنياء فحسب الذين يدعمون الحملات الانتخابية المختلفة لخدمة مصالحهم وليس الشعب. كذلك أشير إلى أننا نتوهم بوجود ديموقراطية في الغرب، فيما يسود تلك البلدان انعدام التعددية الحزبية الحقيقية، مثلاً ثمة حزبان فقط يتداولان السلطة في الولايات المتحدة الأميركية وإنكلترا.

لكن في الغرب ممارسة حقيقية لحرية الرأي والاختيار والتعبير؟

نعم، لكن حرية الرأي مسألة أخرى لا تنفصل عن الديمقراطية مطلقاً، لكن عندما نتحدث عن الديمقراطية نقصد كرامة الإنسان المطلقة وتكريم مبدأ المساواة الذي يؤدي إلى العدالة، تلك هي القيم والأسس التي لا بد من توافرها للوصول إلى الديمقراطية الإنسانية لا الدينية، فالدين شيء والديمقراطية شيء آخر، والأخيرة آلية يمكن تطبيقها بغض النظر عن الدين السائد، المهم أن تتوافر لها مناخات النجاح وأهمها الحرية المطلقة في المجالات كافة.

يردد البعض مصطلح «الإسلام الحداثي»، فهل له علاقة بالديمقراطية؟

لا أعرف شيئاً اسمه الإسلام الحداثي، ولست مع أولئك الذين كلما ظهرت صيحة جديدة في الغرب يحاولون أن ينقلوها إلينا تحت عباءة الإسلام، كأن نقول «الديمقراطية الإسلامية»، «الاشتراكية الإسلامية»، «الرأسمالية الإسلامية»... هذه المصطلحات تضحكني جداً.

الإسلام كما هو لم يتغير، فهو في ذاته يستوعب كل جديد لأنه ليس ديناً تفصيلياً ويترك الأمر للناس وظروفهم. الإسلام صالح في كل وقت ومكان، ما يعني أن البرلمان له دور كبير في تطبيق الشريعة الإسلامية.

هل تتعارض الديمقراطية مع الدين؟

الدين شيء وآليات التنفيذ شيء آخر، فالديمقراطية ليست ديناً وهي عند {عشاقها} ليست ديناً أيضاً، بالتالي هي لا تتعارض مع أي دين سواء الإسلام أو المسيحية أو اليهودية.

ما هي أبرز العقبات التي تقف أمام اعتراف بعض الفقهاء بالديمقراطية الإسلامية؟

لا يخلو الأمر من وجود معترض هنا أو هناك، لكن الاعتراض في هذه الحالة سيكون شكلياً أي على اللفظ أو على عدم وجوده في تراثنا. العبرة في شريعتنا تكون دائماً بالمنفعة والفائدة، فإذا كانت الديمقراطية كآلية مفيدة للناس فهي مصلحة شرعها الله والعكس صحيح، والمطلوب ممّن يؤمنون بهذه الآلية أن يحببوا الناس بالديمقراطية أكثر عبر تطبيق مبادئ الحرية والعدل والمساواة وصيانة كرامة الإنسان وحقوقه وعرضه وماله.

من يقف ضد مبادئ الديمقراطية في عالمنا العربي والإسلامي؟

لا يرفض أحد الديمقراطية في العالم الإسلامي، ما عدا أصحاب المصالح لأنها تشكل خطراً عليهم، لذا يبحثون عن أدلة لتشويهها ويروجون أنها ضد الدين ويفتعلون معركة بين الأخير وبينها.

يرى البعض أن الإسلام والديمقراطية لا يجتمعان، ما رأيك؟

لا أعتقد أنها فكرة صائبة، فمن يعتقد بها فهم الإسلام فهماً مغلوطاً. الإسلام الذي يتناقض مع الديمقراطية ليس الإسلام الذي نعرفه وأقصد إسلام محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم). نحن نطبق الديمقراطية، ولو نظرت نظرة عامة إلى العالم الإسلامي كله ستجد أنه يطبق الديمقراطية وبأشكال متفاوتة، فالحاكم سواء كان جمهورياً أو ملكياً يأتي بشرعية دستورية، والديكتاتورية عندنا ولو وجدت تستعين بغطاء دستوري هو أحد أهم أشكال الديمقراطية أي الانتخابات.

وجود الانتخابات في حد ذاته نصر للجماهير، وسيختفي التزوير مع الأيام وتأخذ الشعوب حقها، وإذا كنا قد انحرفنا عن الشورى الإسلامية منذ وقت مبكر، فهي ما نحتاج إليه المعالجة وعلينا أن نصبر. المهم توافر الوعي بأهمية الديمقراطية، وأن يعمل أصحاب الاتجاهات المختلفة على توعية الشعب لتوفير بيئة مناسبة لتطبيق الديمقراطية.

تطبيق الشريعة الإسلامية، هل يغني عن تطبيق الديمقراطية بمفهومها العام؟

لا، لا بد من الديمقراطية لأنها آلية مطلوبة لتطبيق الشريعة، والأخير في حد ذاته ليس ديمقراطية، فللأسف الشديد كلمة تطبيق الشريعة ارتبطت في أذهان الناس بمفاهيم مغلوطة مثل اللحية والجلباب القصير للرجل والنقاب للمرأة. هذه ليست سوى جزئيات صغيرة جداً من الشريعة الإسلامية التي تحض على حماية الكرامة والحقوق، وأن يكون الإنسان مكتفياً صحيّاً ومعيشيّاً ونفسيّاً وغير محتاج لأحد. أما أن تقول «نقطع يد السارق ونرجم الزاني ونجلد الشارب» فهذه نظرة قاصرة إلى الشريعة تأخذ نقطة منها.

لكن الشورى أحد أركان الشريعة الإسلامية؟

أنا أتحدث عن فئات يقتصر تطبيق الشريعة عندها على الحدود. خذ مثلاً قطع يد السارق، أعتقد أن بلداناً كثيرة تطبّق الشريعة الإسلامية لم تفهم هذه المسألة، ففي المجتمع الذي توافرت فيه سبل المعيشة الكريمة لا بد من معاقبة السارق، أما إذا سرق الأخير لأنه جائع ومحتاج فالحد يُقام على الذي ذهب به إلى هذه الحالة من البؤس وليس عليه، وهذا ما قاله عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حينما أتاه الصحابي حاطب بن أبي بلتعة في عام الرمادة يشتكي أن عماله أكلوا أحد جماله، وهو يريد أن يقيم عليهم حد السرقة، فعندما سألهم عمر لماذا فعلوا ذلك قالوا إن حاطب يتركنا جائعين دائماً، فقال عمر له إن لم تشبعهم سأقيم الحد عليك أنت وليس هم. لذا ينبغي ألا يحتوي المجتمع الإسلامي على جائع أو محتاج للزواج أو عاطل عن العمل.

ثمة مخاوف من تعارض الديمقراطية في بعض مضامينها مع مبادئ الإسلام. كيف ترد على من يرى فيها جسراً لتطبيق ممارسات غير شرعية؟

يهمني تطبيق الديمقراطية، فلنطبقها تطبيقاً صحيحاً وليشارك المسلمون وغير المسلمين في ذلك، وعلينا أن نراقب بآليات شعبية أولئك الذين سينقضون عليها من أي اتجاه ونمنعهم بضوابط قانونية وضمانات دستورية تضمن ألا يتخذ أحد من الديمقراطية جسراً يصل به إلى الحكم، ثم ينقلب مثلما فعل هتلر عندما وصل إلى الحكم منتخباً، ثم عين نفسه ونحن لا نريد لهذه الروح الهتلرية أن تسود في عالمنا سواء كانت باسم الإسلام أو غيره.

لماذا فشل المسلمون في إرساء مبادئ الشورى والديمقراطية؟

شهدت الحياة الإسلامية بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) فترات ازدهار وفترات خمول ليس بالنسبة إلى الديموقراطية وحدها، بل في ما يتعلّق بكل المبادئ السامية مثل العدالة، المساواة، حرية التدين، وحرية التعبير... تعرّضت هذه المبادئ إلى بعض الانتكاسات بعد أن كانت مطبقة تطبيقاً تاماً في حياتنا الإسلامية منذ أكثر من 1400.

كذلك تعرّض مفهوم الشورى إلى انتكاسة بسبب مصالح أولاها البعض اهتماماً أكثر من بتطبيق الشريعة الإسلامية، لكن نحن للأسف ساعدنا الحكام في جمع السلطات كافة في أيديهم، فمثلاً نعتقد أن الخليفة هو الحاكم بأمر الله وأنه يستند إلى نظرية دينية وأن الله اختاره، وهذا خطأ فالله لا يختار أحداً، بل الناس الذين ترك الله لهم حرية الاختيار وتصريف أمور الحياة.

هل المسلمون اليوم مؤهلون لتطبيق الديمقراطية والشورى؟

نعم بالتأكيد. الإنسان مؤهل لتطبيق الديمقراطية ومطلوب منه أن يفعل ذلك، لأنه بحكم فطرته متطلع إلى الحرية والديمقراطية والمساواة. فلا أحد مقتنع في قرارة نفسه بأنه أقل من الآخرين، أو أنه قاصر ولا يستحق المساواة وحرية التعبير. جميعنا متطلعون إلى الحرية والمساواة والكرامة، ونغضب إذا انتزعت منّا.

كيف أكّد الإسلام حقوق الإنسان باعتبارها أحد عناصر الديمقراطية؟

كرّم الإسلام الإنسان لأنه إنسان بغض النظر عن دينه وجنسه ولونه وموقعه الجغرافي. كذلك عدل بين الذكر والأنثى في الحقوق والواجبات وطالبهما بممارسة حقوقهما.

الحق في الإسلام لك أن تأخذ به أو تتركه، أمّا الواجب فعليك أن تؤديه. مثلاً، التصويت في الانتخابات بحسب المدرسة الغربية حق تأخذ به أو تتركه، أما في الشريعة الإسلامية فالانتخاب شهادة واجبة.

إذاً، الديمقراطية أمر لازم لا بد منه، لا نستطيع أن نتحلل منه، إضافة إلى أنها لا تتناقض مع أي دين، تحديداً الإسلام لأنها تنظّم الحياة وهي ليست مقدسة، لذلك نعدّل فيها بحسب ظروفنا وخصوصيتنا الثقافية.

أبرز وظائفه:

- السفير المندوب الدائم للجمهورية اليمنية لدى جامعة الدول العربية منذ عام 2007 وإلى الآن.

- عضو مجلس الشورى اليمني، رئيس لجنة حقوق الإنسان والحريات العامة ومنظمات المجتمع المدني في مجلس الشورى اليمني (2001 – 2002).

- وزير الثقافة والسياحة في اليمن (1997 – 2001).

- الأمين العام المساعد لشؤون الفكر والثقافة والإعلام (1995 – 1997).

- مستشار الرئيس اليمني (1990 – 1994).

- نائب وزير الأوقاف والإرشاد في اليمن (1982 – 1989).

- أستاذ الدراسات الإسلامية والفلسفة في جامعة صنعاء (1988 – 2002).

أهم دراساته ومؤلفاته:

- «تأصيل حقوق الإنسان من منظور إسلامي»

- «التصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر».

- «الشرق والغرب: حوار أم صراع؟»

- «العولمة والمشروع الثقافي العربي وتحديات المستقبل».

- «الحقوق الزوجية في الشريعة الإسلامية».

- «تداعم الإسلام والديمقراطية».

- «عالمية الإسلام والسلام العالمي».