د. جعفر عبد السلام الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية وأستاذ القانون الدولي في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، مهموم بمشكلات عالمنا العربي والإسلامي، خصوصاً على الصعيد السياسي الداخلي والخارجي. له آراؤه الناقدة للممارسات السياسية في العالم الإسلامي. الجريدة حاورته حول مسيرة الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي والعلاقة بين المفهوم الديمقراطي والمبادئ الإسلامية وكيف يمكن الوصول إلى صيغة ديمقراطية صحيحة ومُرضية، وغيرها من القضايا.

كيف تجسّدت فكرة الديمقراطية في الفكر الإسلامي؟

Ad

الشورى في الإسلام تعني الأخذ برأي الشعوب في المسائل الرئيسة كافة، ومشاركتهم في شؤون الحياة كلها، خصوصاً السياسية، من بينها مسائل الحكم والسياسة الشرعية في الإسلام. وبالتالي، الديمقراطية بشكلها الحديث وبمعناها الصحيح والمطلوب خرجت من رحم الشورى الإسلامية، لأن اليونانيين القدماء أوجدوها ليحكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه وهذا ليس حاصلاً في عصرنا الراهن، وكذلك اتبع الإسلام مبدأ الشورى ليتمكّن المسلمون من اختيار الحاكم الصالح الذي يهدف أولاً الى تحقيق مصالح شعبه العليا فيحكم هذا الأخير من خلال تفويض الحاكم، ما يجعل الأساسين ينطلقان من منبع واحد وهو إقرار العدل السياسي في المجتمع.

كيف تطوّر مصطلح الديمقراطية حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم؟

مصطلح الديمقراطية يتطوَّر باستمرار منذ ابتكاره يونانياً وحتى اليوم، فبعدما كانت الديمقراطية تطبَّق على مستوى المجتمع الصغير وبعد تنامي المجتمعات، استحدثت البشرية ما يسمى اصطلاحاً بالتمثيل النيابي، أي تشكيل مجالس نيابية يُنتخب أعضاؤها من الشعب فيمثلوه طبقاً لدستور كل دولة وقوانينها. وتملك هذه المجالس ثلاث سلطات في الدول الحديثة وهي: سلطة التشريع وسلطة الرقابة السياسية وسلطة الرقابة المالية على سلوكيات السلطة التنفيذية. وأساس الديمقراطية الحديثة هو الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والتعاون في ما بينها.

هل ثمة تعارض بين أسلوب إدارة الدول الحديث ومبدأ الشورى؟

كلا، لكن ثمة فروق ألخِّصها بالآتي: أولاً، في المجالس التشريعية والنيابية يختار الناس من يرونه مناسباً وفقاً للأنظمة السائدة ولا يهم إذا كان متعلماً أو عالماً لديه قدرة على التشريع والاجتهاد، فلا تتوافر عادة مثل هذه الشروط في المرشّحين للمجالس النيابية. وإذا عدنا إلى الدستور المصري والقوانين المكمِّلة له مثلاً نجده يكتفي بإقرار النائب المنتخب بإلمامه بالقراءة والكتابة، فالإلمام بعلوم معينة أو التمتع بالكفاءة ليسا مطلوبين في مرشحي المجالس النيابية. أما في الشريعة الإسلامية فليس بمقدور أي شخص أن يشِّرع بل إن التشريع موكول إلى أهل الحل والعقد، وهم الفئات المهمة في المجتمع، فعلى مدى التاريخ الإسلامي وُجدت هذه الفئة التي سماها القرآن الكريم في قوله تعالى «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم»، فنحن لدينا فئة مختارة لإبداء الآراء في المسائل المهمة وهي على درجة من العلم.

هل توافر شروط الاجتهاد لديهم ضروري؟ وهل يكفي أن يكونوا من المثقفين عموماً؟

شروط الاجتهاد معروفة، وينبغي أن تكون فئة التشريع متميزة تستطيع قيادة الأمة والتشريع لها، وبالتالي لا بد من أن تتوافر فيها ضوابط تكفل قدراتها على تحقيق ذلك، ويأتي ذلك على خلاف كثير من الدساتير التي كانت تكتفي بالإلمام بالقراءة والكتابة بل وتشترط أن يكون نصف أعداد المجلس من العمال والفلاحين باعتبارهم يمثلون هذه الفئة المهمشة، وبالطبع هم لا يستطيعون تمثيلها لأن الجاهل لا يمكنه أن يمثل غيره أياً كانت قدراته. في المجالس النيابية الحالية، خصوصاً في الدول الحديثة، الحرية مطلقة وفقاً للنظام الديمقراطي، يشرع النواب كما يشاؤون ولا قيود عليهم. أما في النظام الإسلامي فثمة قيود، وما وردت فيه أحكام كلية ملزمة لا يستطيع المجلس التعرض له بسبب نطاق معروف، فالحدود مثلاً لا يستطيع أي مجلس تشريعي تغيير أحكامها لأنها وردت صراحة في القرآن الكريم: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخرى متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله». فدائماً يبتعد الفقهاء، في ما خصّ القواعد الكلية التي وردت فيها نصوص ملزمة، عن الاجتهاد فيها، أما الأحكام الظنية التي لم ترد بشأنها قواعد ملزمة فإن مجال الاجتهاد بالعقل والفكر فيها مفتوح ويستطيع كل فقيه إعطاء الرأي المناسب ما دامت لديه القدرة على الاجتهاد. إذن في الدولة الإسلامية، ثمة قيود على المشرّع ينبغي ألا يتجاوزها.

هل ترى أن الشورى ملزمة أم أنه يمكن للحاكم أو ولي الأمر عدم الأخذ بها؟

ثمة خلاف وأقوال في ما يتصل بإلزامية الشورى، فالعلماء يرون أنه قد يختلف الناس في مسألة من المسائل ويتشاورون حولها لكن غالبية الآراء ليست ملزمة لولي الأمر، فالأخير يستطيع الأخذ بالراجح أو بما يراه أنسب حتى ولو كان رأي المجالس التمثيلية على خلافه، وثمة آراء أخرى ترى أن الشورى ملزمة وإلا فما أهميتها، فالذين يقولون بالرأي الأول يستدلون بقوله تعالى «فإذا عزمت فتوكل على الله» على أساس أنه بعد الشورى يستطيع ولي الأمر أن ينفذ إلى الرأي الصواب ويأخذ به. وشخصياً لست مع هذا الرأي لأنه طالما عُرض الأمر على هيئة للمشورة ومعروف علمها وفضلها فلا يمكن أن نتجاوزها أو نتخطى رأيها، وأن يكون الرأي للحاكم وحده فهذا مرفوض، وإذا فعل ولي الأمر ذلك وانفرد برأيه فإنه يكون مستبداً وأخذ بما لم يقرّه العلماء الآخرون. إذاً ثمة فوارق أساسية بين الشورى والديمقراطية في الوقت الحاضر من حيث التشاور والمسائل التي تجوز فيها المشاورة، ومن حيث سلطة ولي الأمر في ما يخص المسائل محل الشورى.

يلاحظ الجميع في كثير من الدول العربية والإسلامية أن السلطة التنفيذية تفرض إملاءات على السلطة التشريعية لتنفيذ قراراتها، فما تعليقك على ذلك؟

من المفترض أن تهتم السلطة التنفيذية بتنفيذ القوانين واللوائح، وأن تشرِّع السلطة التشريعية القواعد التي تسير عليها الدولة. لكن، الفصل بين السلطات لا يمكن أن يكون مطلقاً ولا بد من وجود بعض التداخل، ففي مصر مثلاً يختار الحزب الحاكم من يترشّحون للمجالس التشريعية، وهو يمثل عادة قمة السلطة التنفيذية وهذا خلل في تنظيم الدولة القانوني فالمفروض وجود استقلالية تحمي السلطة التشريعية من تدخّل السلطة التنفيذية السافر في أعمالها. لكن في كثير من بلداننا يحدث العكس فتتدخّل السلطة التنفيذية ورموزها من الحزب الحاكم في أعمال السلطة التشريعية، وهذا الأمر يضر بقضية الشورى أو الديمقراطية ويحرف الأمور عن مسارها الصحيح. وثمة نماذج مماثلة في أعتى الديمقراطيات المعاصرة، ففي الولايات المتحدة الأميركية مثلاً يحق للرئيس الأميركي الاعتراض على بعض القوانين التي يعاد النظر فيها من الكونغرس الممثِّل للسلطة التشريعية ويوضع فيتو أحياناً على قوانين معينة، فالتعاون موجود في الأنظمة كلها بشكل أو بآخر لكن إلى حدّ لا يجعل السلطة التنفيذية تطغى على التشريعية وهذا هو المطلوب، وهذه مسألة ضرورية لتنسيق العمل في نطاق ما يُحكم به الناس من دون تجاوز حدود الفصل بين السلطات، بحيث لا تكون قرارات السلطة التنفيذية متقدِّمة على السلطة التشريعية.

خلال العقود الأخيرة حاول الغرب بقيادة الولايات المتحدة فرض نموذج ديمقراطي مشوّه على العالم العربي والإسلامي للهيمنة على مقدراته، فكيف تقرأ هذا النموذج؟

كان الغرب، وتحديداً أميركا، يرى أنه الأجدر بإقامة حكومة عالمية في ظل نظام العولمة أو الأمركة، وطغى علينا بهذه المفاهيم بالفعل واتهمنا بأننا لا نعرف الديمقراطية ولا نقيم أنظمة تحترم شعوبها، وللأسف هذا صحيح وهو واقع لا نستطيع إنكاره، ما يعني أنه استغل نقاط ضعفنا. ورفعت الولايات المتحدة شعار الديمقراطية كمصطلح حق أريد به باطل، فلا أعتقد أنها تريد لشعوبنا أن تُحكم بالديمقراطية الكاملة، وكذلك لا بد من مراعاة أن ثمة فوارق بين دولة وأخرى في ما يتصل بالتطبيق الديموقراطي، فنحن لسنا أميركا التي تمثل فيها ديمقراطية الداخل النموذج الأمثل بينما تمثل ديمقراطيتها الخارجية النموذج المرفوض، ولكننا استحدثنا تغييرات في الدستور تجعل انتخاب الرئيس بين أكثر من مرشح وفقاً للنظام الأميركي، وليس الأخير وحيداً في العالم فثمة أنظمة أخرى تختلف في هذا الشأن مثل النظام السويسري الذي يعمل ما يسمى بمجلس الرئاسة، والنظام البرلماني وفيه الرئيس مجرد رمز للدولة والمجلس هو الذي يحكم بالتعاون مع الوزارة. لكن فرض الهيمنة الأميركية لا يتماشى مع الديمقراطية الصحيحة لأنه يجب مراعاة ظروف كل دولة، ففي العالم العربي والإسلامي خصوصاً لا تطبق أميركا الديمقراطية بالمعنى الصحيح وإنما تريد فرض شخصيات وأنظمة معينة لتهيمن اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً على دولنا، لذلك تتهمنا دائماً بالقصور وبعدم تطبيق الديمقراطية وهذا أمر مرفوض، وأن أكون ديموقراطياً هذا لا يعني أن أتأمرك وآخذ بالنظام الأميركي بحذافيره. ثمة حد أدنى للديمقراطية، وينبغي ألا تزوَّر الانتخابات ليمثَّل الناس بشكل صحيح، وعلينا ألا نأخذ من الديمقراطية الشكل فحسب بل التطبيق الديمقراطي الحقيقي بما يناسب مع ظروف كل دولة وخصوصياتها.

هل يعيش العالم العربي والإسلامي اليوم مرحلة انعدام الديمقراطية أم هي موجودة فعلاً ولكنها منقوصة؟

لا يمكن القول إننا نطبق نظاماً ديمقراطياً بالمقاييس الدولية المطلوبة، ولا حتى بالمقاييس الإسلامية التقليدية، لكننا في الطريق إلى الديمقراطية إذا استمرت الحال بهذا الشكل وبالتحسن التدريجي في الطريقة التي نحكم بها ونختار بها من يمثلنا، وربما نصل إلى صيغة تناسب ظروفنا ويتمتع الناس فيها بالقدرة على المشاركة السياسية الحقيقية داخل الدول العربية والإسلامية، لذا لا ينبغي أن نيأس أو نحكم على بلادنا بالديكتاتورية المطلقة وإن كنا ما زلنا حتى الآن بعيدين عن الديمقراطية المثالية.

حقوق الإنسان أحد روافد الديمقراطية، فكيف رسّخ الإسلام هذه المبادئ؟

حقوق الإنسان تمثل جوهر الديمقراطية، والحرية أحدها سواء على مستوى العقيدة أو الرأي أو التعبير. وهي لا تتحقق إلا من خلال نظام ديمقراطي سليم، فالارتباط بين حقوق الإنسان وبين الديمقراطية وثيق، لذا عندما نتحدث عن بلادنا ونقول إن تطبيق الديمقراطية محدود وما زال في بدايته فالحكم نفسه ينسحب على تطبيق حقوق الإنسان، على رغم أن للمسلمين نظريات متعددة في الإسلام تجسد كلها مفهوم حقوق الإنسان والديمقراطية وفي مقدمتها نظرية المقاصد في الإسلام، فمقاصد الشريعة التي يفرض الإسلام الحفاظ عليها خمسة وهي «النفس والدين والعقل والمال والعِرض» وهي في الأساس جوهر نظرية حقوق الإنسان والتطبيق الديمقراطي المطلوب في أي عصر، فالإسلام بهذه النظرية وبترسيخه للعدالة بمفهومها الشامل ومبدأ الحريات كفل حقوق الإنسان بشكل كامل.

هل نحن بحاجة إلى تدريس المنهج الديمقراطي الصحيح المغلف بالمبادئ الإسلامية في المراحل التعليمية المختلفة؟

بالتأكيد، لأنه طالما نبث في الناشئة وفي الشباب مفاهيم يجب أن تسود في مجالات حقوق الإنسان والديمقراطية، فنحن بذلك نساعد على تنشئة جيل يؤمن بالحرية ويسعى الى تطبيقها، وبالتالي فإن التدريس والتعليم في هذا الإطار هما الخطوة الأولى الأساسية في بناء الديمقراطية الصحيحة، ومنظومة حقوق الإنسان في أي دولة.