د. حسن عزوزي - رئيس مركز الدراسات والأبحاث لتصحيح صورة الإسلام بالمملكة المغربية - من الشخصيات التي اتخذت العقل والبحث العلمي طريقاً فاعلاً للدفاع عن الإسلام، ولا يقتصر دور المركز الذي يترأسه على إعداد الدراسات والبحوث والكتب ونشر المقالات، بل يهتم بكل ما يخدم الإسلام في هذا الصدد، من رصد للحملات المعادية، والمضامين التي تنشر في وسائل الإعلام الغربية لتشويه صورة الدين الإسلامي.«الجريدة» التقته أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة في حوار بشأن المركز وكيفية القيام بتصحيح صورة الإسلام بشكل فعَّال، وقضايا الحوار مع الآخر وكيفية إدارته واستثماره لتحقيق السلام الإنساني.
• متى تأسس مركز الدراسات والأبحاث في مجال تصحيح صورة الإسلام؟ وما هي دوافع إنشائه؟- المركز تأسس عام 2007م بمدينة «فاس» وكان الاشتغال قبل ذلك في إطار مجموعة البحث في مجال تصحيح صورة الإسلام التابعة لجامعة القرويين لمدة ست سنوات أي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م مباشرة، ومن هنا يبدو الدافع الرئيسي من وراء تأسيس المجموعة، ثم المركز، وهو السعي إلى المساهمة في تقديم الصورة الصحيحة عن الإسلام والمسلمين، بعدما شابها كثير من التشويه والتمييع بعد اتهام الإسلام والمسلمين بالوقوف وراء أعمال العنف والإرهاب.• ما الوسائل التي يستخدمها المركز في تحقيق أهدافه؟- أبرز الوسائل القيام بتطوير البحث العلمي في مجال تقويم وتصحيح ما يكتب وما يقال ويذاع عن الإسلام شريعة وحضارة، وكذلك تنسيق جهود الباحثين في هذا المجال والسعي إلى تكريس العمل الجماعي الهادف إلى إنجاز وتحقيق مشاريع علمية ونشر البحوث والدراسات المتعلقة بمجال اهتمام المركز ومد جسور التعاون والتواصل مع مختلف المراكز والمنظمات والجمعيات الثقافية، والمركز في حاجة إلى تلقي الدعم والمساعدة المادية والمعنوية عن طريق برامج البحث التي ينتظر أن تنجز بتعاقد بين المركز وأية جهة داعمة لبرامج البحوث العلمية التي تخدم الإسلام. • هل يقتصر دور المركز على الإنتاج العلمي من بحوث ودراسات أم أنه يتعدى ذلك؟- لا يقتصر على ذلك، بل يهتم بكل ما يخدم مجال تصحيح صورة الإسلام ويكون ذلك عن طريق الرصد والمتابعة لحملات تشويه صورة الإسلام في الغرب، مما يفرض القيام بواجب الاحتجاج والاستنكار، وهو ما يثير الرأي العام، مما يدفع حتماً الجهات والمنابر الإعلامية التي تقف وراء ذلك إلى التحفظ والتراجع، ومن أنشطة المركز أيضاً عقد ندوات وأيام دراسية كان آخرُها يوماً دراسياً في موضوع: سوء الفهم للإسلام: الأسباب والدوافع، وأصدر المركز سلسلة تصحيح صورة الإسلام.• في ظل تنامي ما يُسمى بـ«الإسلاموفوبيا» أو ظاهرة الخوف من الإسلام تظل الحاجة ماسة إلى مؤسسات ومراكز بحثية للقيام بهذا الأمر فهل العالم الإسلامي يقوم بذلك فعلاً؟- نعلم جميعاً أن مهمة تصحيح صورة الإسلام ليست سهلة أو يمكن تنفيذها بارتجال وبشكل فردي، بل لابد فيها من العمل الجماعي القائم على تنسيق الجهود وعقد اللقاءات بين الباحثين المهتمين، وفي ظل تفاقم ظاهرة الإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام) تبدو الحاجة أكثر إلى تنسيق الجهود وربط جسور التعاون بين مختلف الجهات المهتمة، وهو ما يستدعيه عمل المراكز العلمية والهيئات والمنظمات الإسلامية، لأن هذا الموضوع بالغ الأهمية وعاجل.• يلاحظ أن مَنْ يحاولون تحسين صورة الإسلام يخاطبون الشعوب الإسلامية أكثر من خطاب «الغير» فهل تداركتم ذلك؟- هذا أمر نستوعبه جيداً، ونحن واعون بأن مهمة تصحيح صورة الإسلام في الغرب لا يمكن أن تكون مجدية إلا إذا كان خطاب التصحيح موجهاً إلى الغربيين بلغاتهم، وهو أمر ليس من السهل تحقيقه نظراً إلى وجود جملة من الحواجز والعوائق، من بينها كون المهتمين والمتعاونين لا يتقنون لغات أجنبية في مستواها العلمي الأكاديمي الذي يسمح باكتساب منهج الرد والتفنيد، كما أن من العوائق صعوبة التسويق في الغرب لكل ما هو إسلامي، خاصة إذا كان يتوجه إلى الدفاع عن حقائق الإسلام ضد التهم والافتراءات والطعون، وإذا كنا نعلم أن منظمات إسلامية دولية لا تستطيع حتى الآن تسويق منتوجها الثقافي المعبر عن الصورة الحقيقية للإسلام في البلدان الغربية إلا في حدود ضيقة، فكيف يمكن أن ينتظر من المراكز العلمية ذات النفوذ المحدود أن تحقق ذلك، إن الذي نعمل من أجله في المركز هو تكوين أساتذة جامعيين خبراء في مجال العمل الإسلامي يستعان بهم عند الحاجة من طرف الهيئات والمنظمات الإسلامية، ومثال ذلك التعاون القائم مع منظمة الأيسيسكو (المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم الثقافية) والتي تتخذ من الرباط مقراً لها، ولا يخفى الدور الكبير الذي تقوم به هذه المنظمة في مجال تصحيح صورة الإسلام.• يرى البعض أن الحوار بين أتباع الأديان السماوية لابد أن يقتصر على التعايش بين الشعوب ولا يتطرق إلى أمور العقائد... فهل هذه وجهة نظر صحيحة؟- الحوار الديني والحضاري بين أتباع الأديان السماوية يعتبر شأنا ثقافياً بجانب المسائل الدينية الصرفة المرتبطة بمبادئ ومواقف إيمانية يعتبرها أصحابها مسلمات مطلقة، إنه يتناول الجوانب الأخرى من آفاق الانفتاح والتواصل الإنساني التي يشترط تحقيقها الاعتراف بالآخر وتفهم مشكلاته ومقاصده، والحوار بشأن القضايا المشتركة كفيل بتحقيق نوع من التقارب والتفاهم خاصة على مستوى القيم الفكرية والإنسانية التي يلتقي حولها الجميع، أما أمور العقائد فإن النقاش حولها لا يؤدي إلى نتيجة على اعتبار أن كل طرف مقتنع تمام الاقتناع بموثوقية دينه وصواب موقفه. • ولكن مازالت مسيرة الحوار مع الآخر لا تحظى بشعبية بين المسلمين فما رؤيتك لذلك؟ وما هي المكاسب الفعلية من الحوار؟- بالفعل هناك من يتشاءم ويقول: إن ما نسمعه عن عقد لقاءات حوارية هنا وهناك إنما هو حوارات الطرشان، لأن ذلك لم يؤت أكله ولا نكاد نلمس تفاهماً أو تعاوناً، وإنما مازالت تسود حالات تأزم واحتقان وعداء بين العالمين الإسلامي والغربي، ونقول إنه رغم كل ذلك فإنه عن طريق الحوار فقط يمكن تلمس سبل التخفيف من غلو العداوة الحاصلة في بعض الأحيان، كما أنه عن طريق الحوار الإسلامي العالمي يمكن تبليغ الصورة الحقيقية عن الإسلام ومبادئه وقيمه ومثله، فالعالم الغربي لا يزال يجهل الكثير عن الإسلام مما يستدعي مضاعفة الجهود من أجل استغلال سبل الحوار الديني والثقافي والتعاون مع الأصوات الغربية المنصفة.• المسلمون يعترفون بالديانات الأخرى وأهل الأديان الأخرى لا يعترفون لا بالإسلام ولا برسوله... فهل تشكل هذه عقبة أمام استمرار الحوار؟- نعم، هذا يشكل عقبة كبيرة أمام استمرار الحوار وتحقيق النتائج المرجوة، ولعل اعتراف المسلمين بالديانات السماوية السابقة بتوجيه قرآني واضح «لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ» البقرة 285، وعدم اعتراف الآخرين بالإسلام لا يجعل المسلمين يتحاملون على الأديان الأخرى أو السعي إلى تشويهها كما هو صنيع الغربيين تجاه الإسلام، والسبب في ذلك أن التوجيهات الإسلامية لا تسمح للمسلم بالتهجم على الأديان الأخرى رغم الإيمان بما مسَّ بعض تلك الأديان من تحريف وتغيير، ولعل من أشد نتائج هذه المفارقة إيلاماً ما يتعرض له الإسلام من تشويه إعلامي فظيع بالرغم من أن قنوات الحوار الديني والحضاري بقيت مستمرة منذ نصف قرن من الزمن، وما يحدث اليوم من تربص كثيرين في الشرق والغرب بالإسلام ديناً وأمة يجب أن يكون دافعاً لتصحيح صورة الإسلام في العالم من ناحية، والمضي قدماً في مسيرة الحوار مع الآخر من ناحية أخرى، لأن هناك عقلاء ومنصفين للإسلام كدين ومنهج أخلاقي يحمي البشرية، وهؤلاء موجودون في كل مكان ويجب البحث عنهم والتواصل معهم حتى يمكن بناء جبهة عالمية دينية وروحية قادرة على صنع الاستقرار والسلام الإنساني للبشرية.
توابل
د. حسن عزوزي رئيس مركز الدراسات لتصحيح صورة الإسلام بالمغرب: مقاومة الإسلاموفوبيا مهمة عاجلة تتطلب العمل الجماعي
26-08-2009