نفترض أن البارون بريسكوت كان سيصف هذه المسألة بقمة الهراء، فإذا كنت لا تصدق الملفات الملفقة عن العراق، فلمَ تتحمس إذن بشأن الأخبار التي تربط الاستخبارات العسكرية الباكستانية بإرهاب طالبان؟ ورد هذا الخبر في الوثائق التي سربها موقع ويكيليكس، ولم يتجرأ أحد على ترديده بثقة كاملة، فمن هذه المصادر غير المباشرة التي تسرب ادعاءات غريبة صادرة عن حلف شمال الأطلسي؟ لعلها مصادر أخبار مستقلة أو ربما مسؤولون من الاستخبارات الأفغانية بحد ذاتها، أو لعلهم عملاء صينيون أو إيرانيون أو هنود. أهلاً بكم في بؤرة من الشك والحسابات.لمَ تحدث ديفيد كاميرون عن هذه المسألة، وهو على الأراضي الهندية؟ تخيل أن باراك أوباما يدلي بخطاب عن سيطرة بريطانيا على جزر فوكلاند خلال زيارة لبوينس آيرس، فللمكان، أهمية كبرى، وينطبق الأمر عينه على التعاطي مباشرة وبصراحة مع هذه القضية، إذ تعود ادعاءات ويكيليكس إلى سنوات عدة، فهي مجموعة عشوائية من وثائق حلف شمال الأطلسي كانت واشنطن ولندن كلتاهما مطلعتين عليها، ولم يطرأ في الأسبوع الماضي أي جديد قد يبدل الوضع أو يستلزم رداً فورياً.
ولكن يحق لرؤساء الوزارات الحديثي العهد، الذين يواجهون معضلات جديدة، أن يتعثروا ويخفقوا في إدراك أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في كابول أو جبال الهندوكوش، فلا تشكل أفغانستان إلا لاعباً ثانوياً، لكن باكستان- دولة نووية يبلغ عدد سكانها سبعة أضعاف سكان جارتها المضطربة- تشكّل محور الاهتمام.أين جُنّد أعضاء طالبان ودُربوا بادئ الأمر (بمساعدة من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية)؟ أين العقول المدبرة لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر مختبئة ومازالت حتى الآن؟ وأين تلقّى مخططو كل تفجيرات السنوات التسع الماضية تدريباتهم الأساسية؟ وأي بلد مازال يخوض حرباً يائسة لضبط الأصوليين فيه؟ وأي بلد ضحى بأكبر عدد من الجنود في "الحرب ضد الإرهاب"، باستثناء حلف شمال الأطلسي؟ وأي بلد يرى أبناءه يموتون في تفجيرات مهولة؟ وأي بلد سيشكل الكارثة الأكبر في حال تحوّل إلى دولة فاشلة؟ لكل هذه الأسئلة جواب واحد: باكستان.من غير الحكمة التشديد على التفاصيل الدقيقة السيئة، ولكن لنتأمل أولاً في غياهب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ووكالة الاستخبارات البريطانية، ثم نطرح على أنفسنا السؤال: في المعمعة التي تعم باكستان، لمَ نفترض أن الاستخبارات الباكستانية، التي تشبه في بعض أوجهها جيمس بوند، تتحكم بكل القوى؟ لا شك أن هذا مبرر ملائم للفشل، لا سبب حقيقي.لا تشكّل الاستخبارات الباكستانية سوى جزء من الأزمة الباكستانية، فلا يقصد قادة باكستان لندن، ومع أن زعيمها الدستوري المنتخب ديمقراطياً، الرئيس زرداري، يعمل بدأب، غير أنه يعجز عن فرض رأيه على الجيش، لكن ذلك لا يعني أن الجنرالات، الذين يخسرون الرجال في حروب شرسة على الحدود، يعرفون ما عليهم فعله. ويحتاج الرأي العام إلى مَن يتحمل اللوم، فضلاً عن ذلك، يحاول النفوذ الغربي في باكستان اختبار قدراته، وهو يشكّل عاملاً يساهم في زيادة اعتداءات الإرهابيين وعدم الكفاءة والفساد.لا تخدم الخطابات التي تعلو من البيت الأبيض ومقر الحكومة البريطانية أي هدف، وينطبق الأمر عينه على الافتراض أن "من الممكن فعل أمر ما"، في حين أن الوضع على الأرض يؤكد العكس، ولكن مع تفاقم حرب الكلمات هذه، فقد تتضح الرؤية أمامنا على الأقل.لا يهم اليوم إن فزنا بمدينة أو قرية في هلموند، ولا يهم دعمنا لكرزاي في كابول خلال السنوات الثلاث أو الأربع القادمة، فإذا أردنا الحد من التدريب الإرهابي لنبقي "مدننا آمنة"، فإن علينا صب كل اهتمامنا ونشاطاتنا على باكستان.لكن هذه النشاطات يجب ألا تكون عسكرية، إذ لا طائل فيها، ويمكن مساعدة باكستان بالنشاطات الدبلوماسية، التي تُعتبر الأهم في هذه الحالة، ومن الضروري أن يبدأ العمل الدبلوماسي من خانة الصفر.كشمير؟ تُعتبر سبب بقاء الجيش الباكستاني قوياً إلى هذا الحد وتمتعه بتمويل كبير وتصميمه على مضاهاة كل خطوة تقوم بها الهند. وهي أيضاً سبب بقاء الديمقراطية الباكستانية ضعيفة وتلاعب إسلام آباد بالتحالفات الباكستانية الدائمة التبدل، لذلك، لنبدأ وساطة هدفها التوصل إلى سلام نهائية بين الهند وباكستان، ولنحاول فرض الاستقرار على العلاقات في قلب شبه القارة هذا، وعندما ننجح في هذه الأهداف، تُحلّ كل المشاكل تدريجياً.لا شك أن هذه الأهداف ليست سهلة ولن تتحقق بالتفوه ببعض الكلام المعسول خلال زيارة إلى دلهي، لكن إذا كنا لا نعرف من أين نبدأ، فلن ننتهي أبداً.
مقالات - Oped
غيوم العاصفة تتلبد في سماء إسلام آباد
04-08-2010
لا يهم اليوم إن فزنا بمدينة أو قرية في هلموند، ولا يهم دعمنا لكرزاي في كابول خلال السنوات الثلاث أو الأربع القادمة، فإذا أردنا الحد من التدريب الإرهابي لنبقي "مدننا آمنة"، فإن علينا صب كل اهتمامنا ونشاطاتنا على باكستان.