حاز المؤرخ محمد عفيفي، رئيس قسم التاريخ في جامعة القاهرة، جائزة التفوق في العلوم الاجتماعية، فإنتاجه العلمي يتجاوز نطاق التأريخ التقليدي إلى التأريخ التنويري الحديث.وفي حواره مع «الجريدة» يتحدث عفيفي عن منهجه ورؤيته للمناخ الثقافي العربي وأسباب الصراع والمواءمة داخل البيئات الثقافية المختلفة التي يؤدي فيها الوعي بالتاريخ الدور الأبرز راهناً.
حزت أخيراً جائزة التفوّق في العلوم الاجتماعية، ماذا تمثل لك الجائزة؟الجائزة بالنسبة إلي فرصة كبيرة، خصوصاً أن منافسة 73 مرشحاً كانت أمراً صعباً، وسعدت بها كثيراً لأنني كنت الرقم واحد منذ التصويت الأول.هل تعتقد أن الجامعات غابت عن تحريك المناخ الثقافي، أم أن المناخ الثقافي العربي العام ألقى بظلاله على الجامعات؟ثمة تداخل كبير بين الاثنين، فلا انفصال بين الجامعة والطلاب والمجتمع، لكن العيب يكمن في أن جامعاتنا محافظة جداً ومن الصعب إجراء أي تغيّرات فيها. عموماً، التغيير الإيجابي سينعكس بشدة على المناخ الثقافي العام ويلقي بثماره على الحراك الثقافي في المجتمع كله.في رأيك ما الذي ينقص جامعاتنا العربية؟لا ينقصنا تجميع العلوم والمعرفة، بل الإبداع والابتكار، ما يقلل من فرصنا في التميّز.كيف تنظر إلى قضية التغريب والانسياق وراء النظريات الغربية؟فشلت فكرة التغريب في إطار مشروع النهضة العربية عموماً منذ بداية القرن العشرين، والمطلوب مواءمة الواقع الثقافي العربي مع المتغيرات العالمية، فالتحدي يتمثل في كيفية تقبّل المفاهيم الغربية وإعادة قراءة الواقع والتراث، لأن القطيعة مع الماضي خطأ والانسياق إلى الغرب باعتباره الحاضر والمستقبل خطأ أيضاً، وكلما كانت الأمة العربية قوية لن تواجه هذا القلق كله في مقابلة الحضارات الأخرى المختلفة عنا، بل ستتعامل معها بشكل طبيعي. دول آسيا بمثابة نموذج قوي على التعامل مع الغرب وركوب قاطرة الحداثة، مثلاً حافظت اليابان على هويتها واستوعبت متغيرات العصر وأصبحت دولة عظمى في الوقت نفسه.يدعو البعض إلى القطيعة مع الغرب حرصاً على الهوية؟يرفض التاريخ هذا الرأي ويدحض ذلك الخوف، ففي أيام الحكم العباسي وهو أكثر العصور الإسلامية انفتاحاً على حضارات وبيئات مختلفة ومع ازدهار الترجمات والعلوم المختلفة عن الحضارات الأخرى لم نتهم بالاقتباس عن الغرب لتوافر إبداعنا الذاتي وهذا ما نفتقده الآن.دعوت إلى ما يُعرف بنشر الثقافة التاريخية، ماذا نستفيد من حكايات التاريخ؟التاريخ ليس حكايات، ونحن لا ندرسه لأجل الماضي بل الحاضر ورسم صياغة المستقبل، مثلاً عبر فهم التاريخ نتمكن من فهم أبعاد القضية الفلسطينية، الجماعات الإسلامية، معالجة قضية الانتماء والولاء للوطن... أليس أمراً معيباً أن يعرف الطلاب الأجانب عن تاريخنا أكثر من طلابنا.بعض المثقفين والمؤرخين يرفض تأريخ الغربيين التاريخ العربي، فما رأيك؟الرؤية الغربية مهمة لفتح الحوار، وإلا سنكتب تاريخنا من خلال نظرة شيفونية بعيداً عن رؤية الآخر، والغربيون يعللون رفضهم كتاباتنا بأنها تُكتب من وجهة نظر واحدة، تاريخ مصر مثلاً تاريخ عالمي مرتبط بالعثمانيين والإسلام عموماً وبالحضارات القديمة والمعاصرة... التاريخ رؤية تكاملية.كيف يؤثر التاريخ على تماسك المجتمعات ويؤهل لتجاوز المحن التي تواجه الأمة؟كي نفهم كيف يؤثر التاريخ على تماسك المجتمع قد نستدل بالكتابات التاريخية حول قضايا مجتمعية حساسة كعلاقة المسلمين بالأقباط، فعندما أصدرت «الثقافة الجماهيرية}: كتاباً عن المعلم يعقوب انقلبت الدنيا ورأى الأقباط أن في الكتاب نوعاً من التجني عليهم، وأقول من هذا المنطلق لو كان لدينا ثقافة تاريخية واسعة كنا سنختار مثلاً القمص سريوس والبابا كرلوس السادس اللذين ساهما في ثورة 19 وكان لهما دور إيجابي بارز في تاريخنا، فلماذا نقدم نماذج سيئة تعقّد الخلاف الطائفي وتؤججه.ألا ترى أن التاريخ يتأزم عند الزج به في لعبة السياسة؟اللعب بالتاريخ لعب بالنار، والزج بالأساطير التاريخية لدعم القرار السياسي والأطماع السياسية سينسف المجتمع ويمنع السلام عن العالم لفترات لا يعلمها إلا الله، مثلاً تنطلق إسرائيل في سياساتها من أنها شعب الله المختار ومصر تفتخر بأنها الفرعونية أم الدنيا، مثل هاذين الشعارين فيهما من الانغلاق والشيفونية ما يمنعنا عن مواءمة الواقع وقبول الحقيقة ومسايرة العصر برؤى أكثر انفتاحاً وحرية.أقر الإمام محمد عبده مصطلح المستبد العادل، لماذا تطرقت إلى الفكرة أخيراً؟المستبد العادل كان محاولة لدراسة فشل الديمقراطية العربية في القرن العشرين، دراسة في الزعامة العربية وغياب المشروع الليبرالي - الديمقراطي عن أولوياتها وضعف الشعوب العربية وحاجتها إلى زعماء أقوياء.أعتقد أن وجود دولة نظم ومؤسسات تبعدنا عن الحاجة إلى زعماء، فالشعوب العربية والنخبة تقتل الزعيم بتحميله أكثر من طاقته، ومن هذا المنطلق رأيت أن الأمة العربية الآن ليست بحاجة إلى زعامات جديدة، بل إلى دولة مؤسسات.هل تخاف على التاريخ العربي من العولمة؟بالنسبة إلى إشكالية العولمة والتاريخ، يكمن الحل في أننا كلما عرفنا تاريخنا أكثر وتحققنا من هويتنا عرفنا كيف نتعامل مع العولمة واختفى الخوف.نبذة• أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ورئيس قسم التاريخ في جامعة القاهرة.• أبرز مؤلفاته: «عرب وعثمانيون، المستبد العادل، الأقباط في مصر في العصر العثماني، الدين والسياسة في مصر المعاصرة، ديوان الحملة الفرنسية، مصر والبحر المتوسط، الأوقاف في العصر العثماني، تاريخ الكنيسة المصرية».• حاز جوائز عدة، من بينها جائزة الدولة التشجيعية (2004)، جائزة التفوق (2009)، جائزة أحسن رسالة ماجستير (1986) من الجمعية التاريخية في القاهرة، درع كلية الآداب للتفوق (2005).
توابل
بعد حصوله على جائزة التفوّق المؤرخ محمد عفيفي: إقحام التاريخ في السياسة لعب بالنار
13-07-2009