يتمادى الشعر العراقي الحديث في غموضه كما يتمادى في الوفاء للمآسي والجروح، وربّما الغموض، عند أهله، يليق بالفجيعة أكثر ويحفظ حرمة الألم، وقد يكون الوضوح مخشيا لأنّه لا يستطيع الاحتفاظ بقدسيّة الموت، وتحديدا الموت العراقي المتواصل والذي يبدو لكثافته أكثر من موت وإبحارا في سفينة سوداء نحو موانىء أطفأ غراب الليل منائرها بمنقاده الطويل.

«يوم كهذا اليوم» جديد الشاعر العراقي عدنان الزيادي المقيم في الدنمارك منذ العام 1991، وفيه ثلاث عشرة قصيدة متوّجة بالألم والغرابة. ولعلّ القصيدة التي أعطت عنوانها للديوان تحاول اختصار فجيعة الشاعر. في هذه القصيدة يقف صاحب النصّ في ظلّ ضمير الغائب، فالـ»أنا» تفضح وتباشر وتقول سريعًا، بينما الـ «هو» تتّسع لوقت أكثر هو ضروريّ للبوح ومُعْطٍ الكلمة وقتها لتلتقط أنفاسها:

Ad

كعادته

لم يتكلّم

صمتُه مذبحة يشوبها الغموض.

هذا الرجل مستقيل من اللغة، قفز عن شرفة الكلام إلى بحيرة الصمت ووصل أشلاء غامضة، وهو محاط بالجثث، بعدما هجرَتْه ملامحه:

والذي يبقى هما سطران على قلبه

من يتلوهما.

يحاول الشاعر المعنى ولا يستطيعه، فالمعنى الذي يريده لا يزال مخطوطًا على لحم قلبه بدم حزين، ولم يستطع الوصول إلى الصوت أو الاستراحة في حضن ورقة بيضاء. وبعد التستّر بضمير الغائب يختفي صاحب النصّ ويتوارى خلف ضمير المخاطَب:

وأنتَ قدّرتَ حياتك

منذ ماض صاخب لا تدري أين

ومن سوّاه.

فالزيادي يعلن مجيئه من زمن مجهول، لا يُعرَف من نسج أيّامه وجعله أسير عقارب الساعة. هو زمن غامض مثل رمزيّة النصّ، ومؤلم لأنّه لم يحتوه مكان واضح أيضا. الومان والمكان مفقودان، وكلاهما يصادر جرح الشاعر. وسرعان ما يظهر ارتباط الشاعر بالجماعة:

«قدر أعمى يقودك

طرق أخذت الكثير وانفقدوا، وتعلّلت مثلهم

قبيل صعودهم إلى ذراهم

والانهماك من هناك بترقيع ما فاتهم من حياتهم كشقوق ثوب...

يتلاءم حضور ضمير الغائب للجمع المذكّر مع التخفّي المتّبع من بداية القصيدة، فالـ»هم» مكمن وجع الزيادي، وهي تعود إلى ناس بينه وبينهم خبز الفجيعة وملحها، ونهار الجرح وليله. هم الذين افترسهم القدر الأعمى، وقادتهم الطرق إلى تسلّق ترابهم نحو ذرى هي أيضا مجهولة، غير أنّها ذرى تسمح لهم بالنظر من فوق بعيدا من الرماح في صدورهم والخناجر في ظهورهم، وهم حيث هم يرقّعون حياة لم تكن أكثر من ثوب ممزّق تجتاز ثقوبه العيون والصقيع والحرمان. والزيادي محارب:

لم يأتِ من التاريخ

بل من فجر الحوادث

والدّهس بالكتابة.

هكذا يكشف النصّ الزمن العراقي المتكرّر برتابة الجريمة والزمن الشخصي المصاب بجرثومة الضجر، فنشاطات النهارات والليالي متشابهة وتتعاقب في إناء قدر أسود وإن تغيّرت فإلى مزيد من الإسراف في التشابه. وإذا كان الشاعر قد جاوز الخمسين من عمره:

فالأعمار بيد الصفويين اليوم

عش نصف نهار

ربْعَه

وأنت تدير مفاتيحك في قفل ظلّ عنيدا...

ينسحب الشاعر من العمر، يجمعه في يوم، في نصف يوم، في ربع يوم، ويتخلّص من وطأته، وفجيعته، معزّيا نفسه بمفاتيح يغمدها في قفل الظلّ، حيث لا باب ولا دار ولا أهل. إنّها المحاولة العبثيّة، والمعاندة التي تكتفي بلذّة المكابرة. والوصول في قصيدة «يوم كهذا اليوم» هو إلى: «مقبرة مفتوحة» حيث: «الكلّ يرحّب بالكلّ».

على امتداد قصائد عدنان الزيادي قطيع غيم رماديّ يرخي بظلال الكآبة على كلّ كلمة يمتشقها الشاعر من اللغة ويشحنها بوجعه إلى أن تكاد تتشظّى:

لخفّتي وأنا أجوب مساكني في الريح

أصابني ما يشبه الريش في الطيران

وآلمني الهواء.

هو يسكن اللامكان، ويعدّ أيّامه على أصابعه خارج أسوار الزمان، فالريح أرضه، ولعلّها تعني التشرّد الجسدي والروحي في آن واحد والسفر إلى هذا التشرّد. بيوته أمست لا تُرى، ولا تُسكَن، ولا خبز فيها، ولا إنسان؛ إنّها أمكنة وهميّة، يطير إليها صاحبها بما يشبه الريش، وليس بالريش، لأنّ العصافير لا يؤلمها الهواء، في حين أنّ الشاعر تعبره النسمة سكّينًا وهو يسعى للوصول إلى شبه مكان بعدما خذلته جغرافيا الأرض وألبسته الحياة عباءة الفجيعة.

حتّى إلى الحبّ يذهب الزيادي بغموض الرمز والدم:

آخذها من بين الجميع إلى البريّة

وهناك أسند السلاح إلى شجرة

وبدل الذئاب أكون العويل

سأميتها إذا أرادت، وبعد الموت أبوح ما يبوحه العذريّ من غزله

يا من جعلتِ حياتي محتملة

ما أحلاني في رحمك.

أنثاه مبهمة، لكنّها حاضرة عميقا فيه، ويأخذها بعيدًا من الناس، وربّما بعيدًا من الحقيقة، إلى البريّة التي تحمل دلالات البكارة، حيث لا قدم تطأ التراب، وهناك يتحوّل الشاعر عويلاً. يعصف فيه الذئب والغابة تجتاحه، وإذا طلبت الموت فلها ذلك، والبوح العاشق يأتي بعد الموت بقليل. ماذا يعني موت الأنثى على يد من جعلت حياته محتملة؟ بكلّ بساطة، لا مكان يتّسع للحبّ تحت الشمس، وبتعبير أدقّ: تحت سماء العراق وسموات المنافي البعيدة.

إذا، إنّ الهروب من أسر الزمان والمكان والفجيعة لا يتمّ إلاّ بالفجيعة والجريمة. وأنثى الزيادي هي حبيبة وأمّ في الوقت نفسه، ويقصد رحمها ليولَد منه، بعدما أوصلته ولادته الأولى إلى الخيبة: «ما أحلاني في رحمك».

في قصيدة «سروج مبعثرة» وجع وجوديّ وتجلّ للتشرّد واللاحضور إلى حدّ طلب الشاعر من الهواء أن يسمّيه ليلتزم باسمه:

سمّني يا هواء

ستراني أخذت على عاتقي

وتعوّدت كالعاشق أن أبحر في كلّ قارب مصحوبًا بوداع...

من التشرّد إلى التشرّد يمضي الزيادي، وقاربه مثقوب والغرق وحده يتحكّم بأشرعته، والوداع قدرٌ لا حالة من حالات مختلفة إيجابًا وسلبًا. وبعد كلّ إبحار، أو كلّ غرق، إذا جاز الكلام، يعود الشاعر بمرثيّة.

زمنه زمن المراثي بامتياز، والقطن الذي تُحشى به الجروح أصبح يقيم بين الكلمات:

«وبعثرت القطن بين الكلمات

في ضماد يطول كالتاريخ

ولا أراك يا شعبي.

عبثًا يحاول الشاعر التبرّؤ من مجتمعه، فشعبه يقيم في عروق القلم وفي ورق الكتابة:

يا حمّال الجنّة

كسرت ظهرك أوصاف الغيب

إنّه الشعب الحامل السماء على أكتافه، يسقط ولا تسقط، ويغتاله الغيب والمجهول وقهره «لا شفيع له»... وفي قصيدة الديوان ما قبل الأخيرة «صائد الأضواء» يعاود الزيادي البحث عن هويّة واسم ووجود:

لا ماهيّة إلاّ في هاويتي

أهوى وتتهاوى هويّات أخرى

هل أعثر في المرآة على ما يعطيني هويّة

ويسمّيني باسمي.

لافت بحث الشاعر عن الاسم والهويّة، كأنّه ينشد كلّ شيء. ينشد إنسانًا جديدًا بديلا منه، وينشد زمانًا ومكانًا آخرين، وينشد مساحة، ولو متواضعة، ليلتقي ذاته عليها ويتصالح مع وجوده. موجوع كثيرًا عدنان الزيادي. يوجعه العالم. يوجعه وطنه. يوجعه ما فيه وما خارجه. ويتخيّل نفسه موسيقيًّا: «ألحّن حزن العالم»، ويحتاج يومًا إلى الغابة كي يصبح غيفارا، وإلى كهف كي يعلن كرهه العالم...

ويصل الشاعر إلى خاتمة ديوانه مع قصيدة «موعد» ممتلئًا أملاً ورجاءً، ومضيئًا شمعة في آخر النفق الطويل:

«ويرنّ في معصميّ ذهب

أعلى من بنادقهم...

زهرة مباغتة

سنهرع نحوها يا ألله

صلاتنا منذ الآن أغنية

ودموعنا شذى.

قصيدة «موعد» قمر ينسج فضّته في سماء العراق البعيدة، ولا بدّ من أن يصل يومًا إلى أن يضيّف العراقيّين فضّته.

«يوم كهذا اليوم» صندوق وجع عراقي كبير، ملأه عدنان الزيادي بكلّ كلمة سرّحت شعرها الطويل على بساط الروح، لائذًا بغموض بعضه يخدم قدرة القصيدة على الإيحاء، وبعضه الآخر يحاصر المعنى ويأسر جناحيه.