التخصيص يهدف الى إعادة هيكلة الاقتصاد لتنميته وإنعاشه والارتقاء بأدائه، ويتم ذلك من خلال تقليص هيمنة القطاع العام وزيادة مساهمة القطاع الخاص. وتؤكد خطة التنمية، التي وافق عليها مجلس الأمة في مداولته الثانية، أن التخصيص أحد أهدافها الرئيسية، وعليه لا يستقيم أبداً أن يوافق مجلس الأمة على خطة التنمية وفي نفس الوقت يرفض قانون التخصيص.

إن موافقة مجلس الأمة على قانون التخصيص في مداولته الثانية ضروري لإنعاش وتنمية الاقتصاد الكويتي الذي يعاني مشكلات هيكلية كثيرة تناولتها أقلام المحللين الاقتصاديين بالكثير من التفاصيل في الأيام السابقة، وبالتالي لن أتصدى لها، وإنما أود أن أتعرض بإيجاز لبعض المحاور الأساسية.

Ad

المحور الأول هو أن التخصيص أمر حتمي ومصيري لعلاج الاحتقانات الهيكلية، وذلك لأن القطاع الخاص لا العام هو "قاطرة النمو" والمولد الحقيقي للوظائف الجديدة، ووفقا لتقرير مؤسسة توني بلير وصل عدد العمالة الكويتية في عام 2008 إلى 336 ألفا، منها ما يقارب 82 في المئة، أي 276 ألفا، تعمل في القطاع الحكومي، وان 500 الف كويتي سيدخلون سوق العمل حتى عام 2030، ولو فرضنا ان القطاع الخاص باستطاعته استيعاب 20 في المئة، أي 100 الف مواطن لا اكثر، وهذه فرضية متفائلة، فعلى القطاع العام استيعاب 400 الف موظف في الفترة، اي ان عدد موظفي القطاع العام، آخذين في الاعتبار عدد المتقاعدين، في عام 2030 سيكون بحدود 700 ألف تقريبا، وهذا يعادل ضعف ونصف ضعف العاملين في القطاع العام في عام 2008.

وحسب تقرير الشال ليوم الأحد 2 مايو "ستكون هناك حاجة لنحو 20 مليار دينار لتغطية الرواتب والأجور المباشرة وغير المباشرة" لهذا العدد من القوى العاملة في القطاع الحكومي في عام 2030 وهو مبلغ مستحيل توفيره. بالاضافة الى ذلك فإن اضافة عمالة لا داعي لها ولا يحتاج إليها القطاع الحكومي لأداء واجباته، الى قوى عاملة تعاني اصلا البطالة المقنعة سيؤدي الى المزيد من البيروقراطية في مؤسسات الدولة، ويقود الى تدن اكثر في نوعية الخدمات التي تقدمها. فالتخصيص اذاً ليس ترفا وانما ضرورة لاعادة هيكلة الاقتصاد الكويتي لاستيعاب العمالة الكويتية التي ستدخل سوق العمل حتى عام 2030، والتي لا يمكن استيعابها في القطاع الحكومي، وان استوعبت لا يمكن دفع رواتبها بدون اغفال مجمل المصاريف الضرورية الاخرى بما في ذلك المصاريف الرأسمالية.

والمحور الثاني هو ان التخصيص يؤدي الى التحول التدريجي للاقتصاد الكويتي الى اقتصاد منتج، من خلال تحويل القوى العاملة من عمالة لا تعمل الى عمالة منتجة. وهذا التحول في طبيعة عمل المواطن العامل من عاطل او عاطل مقنع الى عامل منتج له تبعات ثقافية واجتماعية وسياسية، حيث يقود الى اتساع مدارك الانسان، ويزيد وعيه ويولد لديه شعورا حقيقيا بأنه اصبح انسانا يساهم فعلا في بناء وتطور نفسه وبالتالي مجتمعه وبلده.

اما المحور الثالث فهو ان التخصيص يقود الى المنافسة بين المؤسسات والشركات، والمنافسة تقود الى الارتقاء بنوع الخدمة والمنتج وبصورة تراكمية، فلو اخذنا مثلا الخدمات التعليمية او الخدمات الصحية نرى ان التخصيص الجزئي لهذه الخدمات، وهو الحاصل حاليا، قد ادى الى ان شركات القطاع الخاص التي توفر هذه الخدمات بدأت تتنافس في ما بينها، وفي نفس الوقت تنافس المؤسسات الحكومية التي توفر نفس الخدمات، وهذا التنافس بدأ يعطي ثماره، فالخدمات الصحية والتعليمية بدأت في التحسن التدريجي، وزيادة المنافسة ستقود حتما الى توفير خدمات تعليمية وصحية بتكاليف اقل في المستقبل.

والمحور الرابع هو انه لا بد ان يواكب عملية التخصيص وضع الضوابط والاجراءات والسياسات التنظيمية، لتنظيم عملية التخصيص وحمايتها من الفساد والاستغلال المالي، وهذا معمول به في الكثير من دول العالم، وان تكون ادارة عملية التخصيص ادارة مؤسساتية مهنية، وهذا يتطلب تعيين الكفاءات المحترفة ليس فقط في مجلس الاشراف والمتابعة وانما في جميع المناصب القيادية.

اما المحور الخامس الأخير فهو اننا نكن التقدير لجميع وجهات النظر المطروحة بالنسبة إلى قانون التخصيص، ولكن يجب التنبيه الى ان اي حماية هي بالنهاية تكلفة بالنسبة إلى المستثمرين، والمبالغة في الحماية تزيد التكلفة وتؤدي الى انخفاض سعر الشراء الذي سيقدمونه، وسترفع في نهاية المطاف تكلفة الخدمة او المنتج التي ستوفر للمواطنين.