بين المطربة السورية الراحلة أسمهان (إميلي الأطرش) والنجمة اللبنانية صباح (جانيت فغالي) تقاطعات ومحاكاة. كانت أسمهان تسير حيناً وتندفع أحياناً، لكن بحكم العاطفة دائماً! كانت هوائية، كثيرة النزوات، سريعة التقلّب. لكن كل هوى وكل نزوة كان مصدرهما دائماً عاطفة ما، أما المادة فلم تكن لها لدى أسمهان أي تقدير أو حساب.وصباح المعروفة بشعرها الأشقر وفساتينها وأكسسواراتها الباهظة الثمن، من صفاتها أيضا كرمها الزائد وحبّها للناس، ما جعل الشغف بها واسعاً، فهي تملك من اللطافة ما يجعلها محبوبة من الجميع، ومن اللياقة ما يجعلها قادرة على استيعاب أشدّ المحن، ومن الجرأة إلى حدّ تقبًل السؤال عن علاقاتها الجنسية.
بين صباح وأسمهان تقاطعات مشوّقة، خصوصاً في خضمّ الحديث عن مسلسلات تتناول سيرتهما، فهما باتتا جزءاً من عملية {الصراع على المشاهير} في الوسط الفني. الكل يعلم الضجة التي أحدثها مسلسل {أسمهان} وكيف أصبح مثل {أغنية الشيطان}، بين المنتج وعائلة الراحلة وأمّتها وجمهورها وكتّاب سيرتها، والآن قد نستعرض المحنة نفسها في مسلسل {صباح} الذي يُقال إنها فرضت خطوطاً حمراً على سيرتها الذاتيّة التي ستُصوّر في إطار مسلسل درامي، على رغم أنها أعلنت معظم أسرارها مراراً في حوارات تلفزيونية، أو من خلال سيرتها التي روتها على شاشة {المستقبل}. لكن عندما دقّت ساعة تصوير حياتها في مسلسل، فاجأت صباح كاتب السيناريو أيمن سلامة والمنتج شركة {صبّاح إخوان} بفرض سلسلة من الخطوط الحمر ترفض تجاوزها، تتعلق بعلاقة والديها ببعضهما وزيجاتها وعلاقتها بابنتها. الأرجح أن صباح تعي حجم السجال الذي سيحدثه مسلسل عن حياتها الصاخبة التي تضجّ بالأسرار. إذا تأملنا قليلاً في حياة الأسطورة سنلاحظ صخبها الذي يزيده بقاؤها على قيد الحياة. سبق لصباح أن أحدثت ضجة عندما أعلنت أن شقيقها قتل والدتها بسبب علاقتها بأحد عشاقها، كذلك صدمت الجمهور لمجرد أنها صرّحت عن خيانتها لأزواجها، فكيف ستكون الحال عندما يتطرق مسلسل درامي إلى هذا الأمر في شهر رمضان تحديداً؟ ستهبّ {عاصفة} إذا عرف المخرج كيف يدير اللعبة مع المشاهدين، فليست صباح مجرد فنانة بل مرآة لزمن بأكمله تماماً كأم كلثوم التي كانت مرآة لزمن جمال عبد الناصر. الأرجح أن صباح هي وجه الزمن الناصري الآخر بضحاياه وسياساته.زيجاتحياة صباح بحاجة إلى أكثر من مسلسل، كيف لا وهي تزوجت ما يقارب {الذزينة} من الرجال، وعمرها الفني أكثر من ستة عقود، واشتهرت بالإفلاس والسكن في الفنادق. كرهت السياسة لكنها أحبّت السياسيين، من الرئيس الراحل كميل شمعون إلى الرئيس المصري أنور السادات، حتى أن ابنتها هويدا تحتاج مسلسلاً خاصاً عن حياتها، وقد أنجبتها صباح من عازف الكمان المصري المشهور أنور منسي، وكانت أشهر طفلة في الوسط الفني وغنّت لها صباح {حبيبة أمها}، {أمورتي الحلوة}، {أكلك منين يا بطة}، وخاضت معارك طاحنة مع زوجها لاستعادتها منه. على رغم ذلك تعتبر صباح أنها كانت سبباً في تدهور أحوال ابنتها وانحدارها إلى عالم المخدّرات والإدمان.إذا كانت عائلة أسمهان اعترضت على تمثيل سيرة ابنتها، فصباح تعترض على ذلك أيضاً، وهذا الأبرز في الاختلاف، بين الأميرة الدرزية التي لم تخرج من طائفتها وبين المطربة اللبنانية التي عاشت حياتها على هواها، لم تكن ناطقة باسم أمّة ولا فاوضت الجنرالات والسياسيين ولم تهتمّ كثيراً لانتمائها الديني، إذ تزوجت من المسلمين والمسيحيين، وعاشت الفن بتداعياته كافة. تجردت قبل كل شيء من علاقة القربى ومن انتمائها إليها على عكس أسمهان التي، وإن ابتعدت عن طائفتها قليلاً، إلا أنها لم تفترق لحظة عن أسرتها، ربما لقارئ سيرتها معرفة مغزى ما نقول.أرتيست وأميرة بوهيميةبين صباح {الأرتيست} وأسمهان {الأميرة البوهيمية} في عرف جماعتها، تقاطعات كثيرة، هذا ما تقوله السيرة أو السير والروايات. لطالما شكّلت سيرة اسمهان لغزاً حقيقياً بالنسبة إلى ملايين العرب الذين فتنهم صوتها العذب والاستثنائي قبل عقود وما زال يملك التأثير والفتنة نفسيهما لغاية اليوم. إذ يذهب القوم (قومها) وعشيرتها إلى إضفاء القدسية على شخصيتها وتحويلها إلى بطلة قومية بالنسبة إلى جبل الدروز، والبطل في المعنى الاجتماعي كناية عن الأمة، فيما يذهب الناس في المقلب الآخر إلى تصنيفها في خانة {البوهيمية} التي تعيش نزواتها بين الصعلكة والعشق والشراب، بحيث نراها بين الوهم والواقع. الوهم ترسمه الجماعة في حكاياتها عن المطربة الراحلة وعن الواقع الذي عاشته لأنها كانت إنسانة قبل كل شيء. ظلت أسمهان في حياتها وبعد موتها الغامض، امرأة فاتنة ومثيرة، بصوتها وصورتها وحكايتها وغرامياتها. لا ينفصل جمال صوتها وسحره عن الظروف الغريبة والغامضة التي أحاطت بصاحبته. سيقدّر لها أن تصنع، بيديها المجردتين وجمالها المتمرد وصوتها الذي وصفه أحد النقاد بأنه قادم من الفردوس، أسطورتها الخاصة التي أسهم موتها المبكر في تأجيجها ومنعها من الذبول والاندثار. ترافقت ولادة أسمهان عام 1917 مع تفاقم الحرب العالمية الأولى وانهيار السلطنة العثمانية على يد الحلفاء، وتزامن رحيلها المأساوي عام 1944 مع بداية انهيار دول المحور في الحرب العالمية الثانية، وعلى يد الحلفاء أنفسهم تقريباً. والمفارقة أن انطلاقة صباح الفنية أتت في خضمّ موت أسمهان بطريقة غامضة مثل غموض موت النجوم الذين فارقوا الحياة في عمر مبكر.على مدى العقود الماضية، كانت حياة صباح حاضرة في وسائل الإعلام أكثر من أغانيها، خصوصاً في البرامج الفنية. لا يعني ذلك أننا نقلل من قيمة أغنياتها، لكن ثمة سحراً يجعل الجمهور يتلقف سماع ما تدلي به صباح في كل مرة، مع الأخذ في الاعتبار محاولة مغنيات جديدات كثيرات تقليدها في الأغنيات وفشلهن إلى حدّ ما، فيما بقيت صباح متربعة على عرش الأغنية الجبلية، وعجزت أي فنانة عن انتزاع منها {أوفها} الشهيرة، إلا أن الطامة الكبرى حين تصبح سيرة أزواجها وورطة ابنتها في المخدرات أكثر حضوراً من أفلامها ومسرحها وأغنياتها، بل الطامة الأكبر حين تغدو فساتينها أهم من سيرتها بالنسبة إلى بعضهم، فهي المرأة الحرة المجردة من أوهام التقاليد الشرقية وإن كانت أكثر من يتحدّث عنها.لا يختلف الأمر مع أسمهان، فقد اهتم الجمهور والنقّاد والكتّاب بسيرتها وموتها أكثر من أغنياتها، فهي نموذج للحب الملتبس والسياسة الملتبسة والموت الملتبس. إنها الالتباس في الالتباس، والتباسها أحد أركان أسطورتها وحضورها في ذاكرتنا. تحمل الكتب الصادرة عنها تأويلات وتخمينات كثيرة، من كتاب {أسمهان تروي قصتها} للصحافي محمد التابعي الذي قيل إنه يتضمن أضاليل كثيرة، إلى {أسمهان ضحية الاستخبارات} لسعيد الجزائري الذي لم يضف جديداًً في هذا المجال. تلفت الباحثة شريفة زهور إلى أن أسلوب كتابة الصحافيين الذين {غطّوا} أخبار أسمهان يتصف بالرومنسية والعادية والاستسهال، وثمة كتابات مصريّة قائمة على {التفضيح} والحديث عن جسدها بأسلوب ساخن. يسعى الكتّاب {الصفر} من خلال ذلك الى {حرق} حضورها في النسيج العام، أو جذب القراء. نلفت هنا، أننا لم نجد في المكتبات أو المعارض أي كتاب جديد عن صباح، ما عدا كتب {فاستفودية} عن حياتها وأغنياتها لا تتناسب مع قيمة هذه الفنانة وسيرتها ومشوارها الزاخر بالمعاني.كانت صباح وما زالت مادة دسمة للصحافيين، فيما شكّلت أسمهان مادة قيّمة للمؤلفين، لاحظت شريفة زهور أن الباحثين يتناولون القرابة والنسب والوضع الاجتماعي، ليصفوا بيئة الشخصية التاريخية الاجتماعية، يستخدمونها كوسيلة لتأكيد وزن الأواصر العائلية. هذه البؤرة المفتاحية في مواد السير العربية تخلو دائماًمن تفاعلات العائلة النفسية، كما هو الأمر، في أكثر الاحوال، في المواد الغربية. على أن أفراد عائلة اسمهان، هيمنوا على حياتها وذاكرتها هيمنة محكمة أكثر مما يمكن أن يفترضه أحد، وتدخلوا في حياتها مالياً وسياسياً وفنياً وعاطفياً، فقد أحبوها واعتقدوا أن تدخلهم وإدانتهم لنمط حياتها، أملتهما الضرورة والتفكير السليم. بين الأسطورة والواقعالأساطير العامة عن النساء {السيئات} في المجتمع العربي الإسلامي أفضت إلى صورة أسمهان الشائعة بين الناس. على أن الذين رووا قصة حياتها هم في الواقع رجال، وتفسيراتهم لأعمالها رشحت من خلال تحيزاتهم الاجتماعية وتصوراتهم عن أسمهان، المطربة، الشقيقة، {الجاسوسة} أو {العميلة} (نتذكر هنا أن صباح قوطعت من الجمهور في العالم العربي بتهمة التطبيع لأنها قدمت حفلة مع فنان يهودي قيل الكثير بشأنه). تتضح هذه التحّيزات في المادة المكتوبة وتظهر في مناقشات شفوية، وذكريات معاد تشكليها للذين عرفوا اعمالها سواء معرفة جيدة أو قليلة. في المقابل، تبدو عائلة صباح مصابة بشيء من التفكك والشتات، بدءاً من مقتل شقيقتها في ظروف غامضة في بلدتها، الى قتل والدتها لأسباب معروفة، مروراً بهجرة شقيقها إلى البرازيل وهجرة ابنها إلى أميركا، وإدمان ابنتها على المخدرات، وخلافها مع شقيقتها، وصولاً إلى علاقاتها الزوجية التي اتسمت بالدراما والخيانة...على أن الذين كتبوا سيرة أسمهان من العرب أصروا على محو إنجازها الأول من سردهم لحوادث حياتها، أي براعتها الصوتية وإنتاجها الغنائي. فحين كتب فوبيل لبيب روايته عن حياة أسمهان، أسقط تواريخ أغانيها وتسجيلاتها كافة. فهي في كتابه {قصة أسمهان} لا تغنّي إلا ثلاث مرات، الأولى عندما {اكتشفت} صوتها، والثانية عند ظهورها الأول على المسرح في دار الأوبرا، والثالثة أثناء هربها على {طريق الموت} من الفرنسيين في سورية. ربما افترض أن أغاني أسمهان كانت مألوفة لدى القراء، بحيث كان تفسيرها وتحليلها غير لازمين، أما عبقريتها الخاصة وأسلوبها وأداؤها، فكان التركيز عليها أقلّ. هذا السهو هو، بحسب شريفة زهور، جزء من مأزق المطربات والمؤديات في المجتمعات الأبوية. فجمهور الغناء العام ساوى بين أسمهان و{المؤثرات الغربية}، واختلطت لديه حياتها ومظهرها الحديث، أحياناً، بإنتاجها الفني المذهل. الحقيقة أن غالبية أغانيها لم تخرج على التراث القديم، بل جعلت أسمهان تحرز منزلة رفيعة بأدائها الواضح المرهف للمعاني إضافة إلى طريقتها في الغناء. اللافت، أنه لم يقيّض لأسمهان امرأة، قبل شريفة زهور، تسجل سيرة حياتها نموذجاً للتحرر، باستثناء فاطمة المرنيسي التي خصصت فصلاً كاملاً في كتابها {أحلام النساء الحريم} عنوانه {أسمهان الأميرة المطربة}. (يتبع غداً)
توابل - EXTRA
صباح وأسمهان... السيرة المحرّمة (1 - 2)
08-02-2010