خلال زيارته لبريطانيا أهدى الرئيس الأميركي أوباما جهاز «بلاك بيري» إلى الملكة اليزابيث، وهي طبعاً هدية رمزية تعكس تقديراً وإعجاباً بما وصلت إليه التكنولوجيا من تطور وتوفير رفاهية للبشرية.

Ad

لم يفكر أوباما في حجب المواقع الإباحية التي يمكن أن تخدش حياء الملكة أو وضع خدمات «الماسنجر» تحت دائرة الرقابة والتتبع لرصد رسائل الملكة واتصالاتها.

تذكرنا هذه الهدية ونحن نشهد الهجمة الشرسة التي يتعرض لها جهاز «البلاك بيري» من دول وحكومات لأنه مخالف لأنظمتها وقوانينها التي تشترط حق الرصد والضبط والدخول في خصوصيات الناس بحجة تأمين الأمن تارة أو عدم المساس بالعادات والقيم والأخلاق تارة أخرى.

فهل كان الأمن مستتباً قبل ظهور البلاك بيري أو قبل تطور تكنولوجيا المعلومات؟ وهل كانت أخلاقنا وعاداتنا حميدة ثم انحرفت بعد هذه الاختراعات؟ المسألة ببساطة هي جزء من الحملات التي هدفها التحكم في حريات الناس ووضعهم تحت مظلة أجهزة الدولة التي تحدد لهم كيف يفكرون وبماذا يتراسلون، وتحدد لهم المعلومات المتاحة لهم وفقاً لضوابطها. إنها جزء من الحرب على حق المعرفة وحرية التفكير ومن ثم حرية التعبير.

إن للمؤسسات العسكرية بعد الحربين العالميتين الفضل في تطور علوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتطور وسائط النقل براً وبحراً وجواً، فقد صرفت هذه المؤسسة آلاف الملايين للوصول إلى تقنيات متطورة، ولم تحارب بعض الدول هذه الثورة العلمية حينما كانت محصورة في النطاق العسكري أو الأمني، لكن حين تغيرت أغراضها وصارت في الجانب السلمي لخدمة البشرية بدأت الحرب عليها وبدأت الدول تحملها مسؤولية مشاكلها وتحولت إلى عدو خارج عن نطاق السيطرة.

وقبل البلاك بيري تعرضت الشبكة العنكبوتية وأجهزة البحث فيها مثل «غوغل» و»ياهو» لهجمات من دول عدة بغرض التحكم في قواعد معلوماتها أو تقرير كيفية تداول تلك المعلومات، والعامل المشترك الذي يجمع الدول التي حاربت الإنترنت والتي تحارب البلاك بيري أنها دول لها مواقف معادية ومناوئة لحقوق الإنسان وللحريات وخاصة حرية التعبير.

الطريف في الأمر أن هؤلاء الذين يريدون تطويع التكنولوجيا لأغراضهم وكما يشتهون لم يعترضوا على إنتاج أجهزة التعقب والرصد، وأجهزة التنصت التي تخترق حرمة الناس وخصوصيتهم، ويعكس هذا العداء لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات قلقاً كبيراً عند بعض الدول من خطورة تداول المعلومات وخطورة التواصل بين الناس، لأنها دول مازالت تعتقد أن الاستقرار لا يتأتى بدون تطبيق سياسة «القبضة الحديدية» وليس باحترام حقوق الناس.

لم تتعظ هذه الدول بتجارب الماضي، فقد حاربت التلفزيون وحاربت الدش والترانزيستور مثلما حاربت الفاكس وحصرته فقط في أجهزة الحكومة.

إن تاريخ العداء للتطور التكنولوجي والإبداعات العلمية تاريخ طويل نهايته دائماً انتصار العلم على حساب أعداء التطور وخصوم الحرية.