حتى الآن لا يبدو أن «بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009» في مستوى الحدث المطروح أو الطموح أو المراد، كأنها لم تضف شيئاً الى مسار المدينة الثقافي، فمشاريع كثيرة تبدو عابرة أو روتينية، نتابع مثلها في السنوات العادية سواء أكانت بيروت عاصمة عالمية أم لم تكن.

هل بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009 حقاً؟ يبدو أننا أمام عنوان عريض فحسب، عنوان طالما أغوى المدن، لكن قلما كانت العناوين صانعة لها لأن لكل شيء زمانه ومكانه وناسه، وبيروت نتاج الزمان والمكان وليست ابنة العناوين، ولا الفلكلور هو صانع المدينة؟ كتب الشاعر عباس بيضون عن نشاطات بيروت عاصمة عالمية للكتاب في إحدى الصحف اللبنانية، واصفاً الإطار العام لهذه الفكرة التي تأخذ ضجة كبيرة، لكن حتى الآن لا ثمار لها، من المقال «البيضوني» نعرف مناخ هذا الحدث الفلكلوري العام، وندرك مكنونات الثقافة اللبنانية القائمة على لعبة النفوذ والقرابة والزواريب وصولاً الى الطوائف بل والمتاهة الانعزالية. الثقافة اللبنانية أشبه بالسياسات اللبنانية الضيقة، فتارة نلحظ مشروعاً يهتم بمؤرخ «ضيعاوي» أكثر من شاعر لبناني كبيرـ وتارة أخرى نكتشف أن هذا الفنان حظي بثلاثة تكريمات بينما بقي غيره في خبر كان.

Ad

الملاحظ في بيروت عاصمة عالمية للكتاب أن المنسقة ليلى بركات تتحدث إلى وسائل الإعلام دائماً، لكن تبدو كأنها خائفة ولا تستطيع قول شيء إذ توضح في حديث صحافي أنها تعمل مع فريق عمل مستور لا يبوح الواحد فيه باسمه خوفاً من التعرض لضغوطات. قال بيضون: «هذا الكلام أدعى إلى إثارة الابتسام، اذ لا نستطيع أن ننسبه إلا إلى الخيال الروائي. لا نعرف مثيلاً لهذه اللجنة السرية في إدارتنا وحياتنا، ولا نستطيع أن نتخيلها إلا في الشرطة الجنائية والتنظيمات الانقلابية. ما حاجتنا إليها في مشروع بهذه العلانية وأين؟ في بلد كلبنان بلا أسرار وفي مجال كالثقافة لا نعرف أن له خطـورة، وليس بؤرة انتخابية. ولماذا وخوفاً من الضغوطات. مع من تعمل هذه اللجنة إذا كان أعضاؤها سريين والمفروض أن يتصلوا بآلاف الناس وعشرات بل مئات المؤسسات؟».

من النشاطات نعرف أن ثقافة «الزجل» هي المسيطرة على مثل هذا المناسبات، تكريمات من هنا ونياشين من هناك ونفوذ لهذا الشاعر أو لذاك المقاول الثقافي. ليس ثمة منهجية لبيروت عاصمة عالمية للكتاب، خصوصاً أن «وجهاء» الثقافة اللبنانية لا يتورعون عن البقاء في الهامش أو الأبواب الخلفية، والمقاولون يتهافتون إلى وزارة الثقافة في مثل هذه المناسة.

المكتبة الوطنية

يمكن التعويل في «بيروت عاصمة عالمية للكتاب» على افتتاح المكتبة الوطنية في منطقة الصنائع في بيروت، فهذا هو الحدث الأبرز أما بقية المشاريع فتأتي عابرة ولا تضيف شيئاً إلى الحراك الثقافي في بيروت، خصوصاً أن الناشطين في المجال الثقافي لا يتورعون عن إقامة النشاطات الثقافية دائماً، وثمة مراكز ثقافية كثيرة وجميعها تقدم أنشطة ثقافية أكثر حضوراً من فلكلور بيروت عاصمة عالمية للكتاب. المهم القول إن المكتبة الوطنية في مبنى الصنائع تحديداً، تشكل أحد معالم بيروت المفتوحة على الثقافات والأحلام وتعتبرها الروائية رشا الأمير الحدث الأهم من حيث المكان والفكرة، وأن يكون لبيروت مكتبتها ففي ذلك انبعاث لماضي المدينة المستعاد، خصوصاً أن المكتبة أُقيمت بعد عام على نشوء «دولة لبنان الكبير» عام 1920، وتحمل بين أوراقها ذاكرة هذا البلد الصغير.

على أن المكتبة الوطنية كانت أشبه بالحلم، وفي كل مرة تُعاد إلى الذاكرة مع المواسم الثقافية، فبعيد إعلان بيروت عاصمة ثقافية في عام 1999، تهافت بعض المثقفين العرب للتعرف الى المكتبة الوطنية، تلك «الذاكرة» العريقة التي تعود الى عام 1921 وتحوي مئات الآلاف الكتب والمجلدات وأعداد الصحف العربية الأولى وغيرها. جاء تبرير الدولة اللبنانية آنذاك بأن المكتبة تخضع لإعادة ترميم وتنظيف وتبويب، فيما أنها في الحقيقة كانت مدفونة داخل صناديق موضبة على عجل، فيها تراث وثقافة.

النافل أن المكتبة الوطنية تأسست عام 1921 حين وهبها المؤرخ الفيكونت فيليب دو طرزي مجموعته المؤلفة مما يزيد على مائتي ألف مؤلف وثلاثة آلاف مخطوطة قيِّمة، إضافة إلى الأعداد الأولى من دوريات منشورة في المنطقة، وتعتبر وثائق بالغة الأهمية بالنسبة إلى تاريخ الصحافة العربية والشرق أوسطية، فشكلت هبته نواة ما سماه «مكتبة بيروت الكبرى». عام 1924، صدر قانون الإيداع التجاري الذي يفرض على جميع الناشرين إيداع نسختين من كل ما ينشر أو يعاد نشره، ما وفر للمكتبة مصدر إثراء لتعزيز مكانتها فتحولت تدريجاً إلى مركز مهم يجتذب الباحثين والأكاديميين والطلاب. ومع صدور مرسوم عام 1935، تحولت المكتبة دائرة تابعة لوزارة التربية. وعرفت ذروة تألقها بين عامي 1940 و1975، فقد أضحت محطة التقاء مثقفي لبنان والمنطقة. لكن ذاك العصر الذهبي انطفأ مع قسوة عام 1975 حين اندلعت الحرب اللبنانية التي استمرت 15 عاماً، فعشية ذاك التاريخ كانت المكتبة تحتوي على أكثر من 200 ألف وثيقة مطبوعة أو مخطوطة ومجموعة قيمة من الوثائق التاريخية خلفها الأتراك، ومستندات أخرى تركتها بعثة هوفلان وتشكل قوام سنوات الانتداب الفرنسي الأولى، فتعرضت للضياع والنهب.

أما مبنى الصنائع الذي سيصبح مقراً للمكتبة الوطنية فقد بناه السلطان عبد الحميد الثاني وهو «مدرسة عليا لتعليم التجارة والفنون والمهن»، وافتتحت مع حديقة الصنائع عام 1908، بقرار رسمي صادر عن وزارة المعارف العثمانية.

وإذ تنجز المكتبة الوطنية خلال بيروت عاصمة عالمية للكتاب فهي من دون شك تنقذنا من رتابة الثقافة الفلكلورية.

{بيروت 39}

المتابع للتظاهرة يدرك أن ثمة مسابقة اسمها «بيروت 39» ينظمها مهرجان «هاي فيستيفال» بالتعاون مع مجلّة «بانيبال»، في إطار «بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009»، ولجنتها مؤلفة من الناقد جابر عصفور والروائية علوية صبح والشاعرين سيف الرحبي وعبده وزان. هذا الحدث قائم على البلبلة والمعمعة، بدءاً من لجنة التحكيم التي تبدلت مراراً وصولاً الى طريقة اختيار الأسماء المنتظر الإعلان عنها خلال الشهر الجاري. مثل هذه المسابقة في حاجة إلى جهد جبار لمعرفة الصالح من الطالح، لكن يبدو أن الأمور تذهب في غير اتجاه، فقبل معرفة الأسماء الفائزة في المسابقة بدأت الأخبار تتوارد عن الطريقة السيئة في اختيارها سواء من خلال العلاقات الشخصية أو توصية من أحد الأدباء.

ومثل هذه المسابقة تضع الثقافة في مشكلة جديدة - قديمة وهي سخافة الأعمار والأجيال في الانتاج الثقافي، فلا يمكن وضع الروائي ربيع جابر الذي أصدر نحو 16 رواية مع كاتب مغمور من هنا وشاعرة مغمورة وجميلة من هناك، حتى أن جابر الذي لا يتجاوز السادسة والثلاثين أكثر إبداعاً من لجنة الحكم. كان الأجدى بـ{بيروت 39» الاعتماد على الكتب وليس على الأشخاص لإلقاء الضوء على بعض الابداعات الجديدة. نشير في هذا المجال إلى أن جائزة يوسف الخال للشعر التي اعتمدت على اكتشاف المواهب قبل سنوات كانت إحدى أهم الجوائز.