تيارات المد والجزر

Ad

لقد طغى التفاوت على اصطفاف الفرنسيين حيال المقاومة وحيال الاحتلال. ذاك أن قطاعات ثقافية عريضة استفادت منه في مقابل قطاعات دفعت ثمنه. فأصحاب الدكاكين والفلاحون وكبار البيزنس جنوا مكاسب شتى، ولو أنها غير متكافئة. ولئن تمكن صناعيون فرنسيون من أن ينتجوا مواداً للاستهلاك الألماني، فقد وسعهم تبرير ذلك الشكل من التعاون الاقتصادي بتوفير العمالة للعمال الفرنسيين، وبعد 1943 بإنقاذهم من العمل الإكراهي في مصانع الحرب الألمانية. وعلى العموم استحسن الصناعيون الفرنسيون عداء حكومة فيشي للنقابات بعد تجربتهم مع حكومة "الجبهة الشعبية"، بينما انشد الكثيرون من الكاثوليك والفلاحين إلى "الثورة القومية" لفيشي.

وفي المقابل، وعلى ما برهن ريتشارد كوب في كتابه "فرنسيون وألمان، ألمان وفرنسيون"، أصاب الاحتلال بأضراره فئات تصدرها عمال المدن المأجورون، وكان لعمال سكك الحديد وعمال المناجم وأساتذة المدارس واليسار الكاثوليكي حصة ملحوظة جداً في المقاومة.

وتنوعت، في هذه الغضون، السلوكيات التي سلكتها الفئات والشرائح الثقافية حيال المقاومة، وهي سيرورة معقدة انطوت على مسار تراكمي أنتجته ظروف لا صلة لها بأي يقظة أو كرامة وطنيتين قدحهما الاحتكاك بالاحتلال. فكما بات معروفاً، حصل تحول تدريجي من التأييد الضخم لبيتان في صيف 1940 وشتائه وصولاً إلى تعاظم العداء لنظامه الذي شرع يتداعى ربيع 1944. وكانت لحظةً مهمة في تحول الرأي العام عودة لافال إلى الحكم في أبريل 1942، خصوصاً أن انتهاك الحقوق وصل إلى درجة تتعدى كل تخويل من مؤيدي فيشي وبيتان لهما. وفي هذا المناخ بات ترحيل اليهود عبر تسليمهم يوسع إطار النقمة الفردية التي كانت تؤثر السكوت قبلاً، حتى غدت بعض المناطق تعتز بأنها تحمي يهوداً فارين.

فمراحل نمو التذمر، ومن ثم المقاومة، تخالف الرواية الخطية الصاعدة لولبياً والتي بنتيجتها صار المقاومون، في 1944، أكثرية الشعب الفرنسي. ذاك أنه، وعلى عكس السيناريو البسيط، نقع على كثير من المد والجزر قبل ذاك التاريخ. وعلى العموم لم يتنبه الفيشيون إلى نتائج أفعالهم إلا متأخرين، حين شرع كثيرون منهم يتراجعون مذعورين، وبعضهم ينضم إلى المقاومة. وراح الفرنسيون بالتدريج يكتشفون هتلر ومعنى وجود جيشه في بلادهم، فينفضون عن حكومة فيشي وينصتون للحلفاء والديغوليين والشيوعيين معلنين توقهم إلى "الحرية". وكان كلما ضعفت قبضة بيتان على الوضع الداخلي وزادت شراسة الألمان، تبدى لهم هزال فيشي وهزال القوة التي زعمتها لنفسها في تحالفها مع هتلر.

تطهير المدارس والنقابات  

سياسة بيتان ولافال الخارجية لم تنم فقط عن سوء تقدير لحصيلة الحرب، بل عجزت عن أن تضمن للفرنسيين أوضاعاً اقتصادية افضل من تلك القائمة في سائر بلدان أوروبا الغربية المحتلة التي لجأت حكوماتها إلى لندن. ذاك أن معدل التضخم ومستوى المعيشة في فرنسا الفيشية كانا في رداءة بقية أوروبا الغربية إن لم يكنا أردأ. والحال أن الآثار الاقتصادية للاحتلال كانت مخيبة لآمال الذين رحبوا بانهيار الجمهورية. وفي 1943 بات يُرسَل إلى المانيا، بهمة لافال أساساً، عمال من فرنسا أكثر مما بات يُرسَل اليها من بولندا.

وربما صح القول إن حكومة فيشي نفسها كانت العنصر الأقوى وراء المقاومة: فهي وافقت عملياً على ضم الإلزاس واللورين إلى ألمانيا واعتقلت أو دانت، حتى قبل انعقاد المحاكم، قادة كليون بلوم ودالادييه، وطهرت المدارس من أساتذتها والنقابات من ناشطيها واضطهدت الماسونيين الفرنسيين، فضلاً عن اليهود. هكذا أثار بيتان غضب ومعارضة الاشتراكيين والراديكاليين ونقابيي اتحادات العمل اليسارية والكاثوليكية واللاجئين من المناطق الشمالية والشرقية التي احتلها الألمان وبعض رجال الدين البروتستانت والكاثوليك الذين أرعبهم تمادي ما نزل باليهود.

بيد أن فاعلية المقاومة تعرضت، في هذه الغضون، للتضخيم والمبالغة أيضاً. فقد أثار مؤرخ عسكري ألماني، شاب يومها، إسمه هانس أومبرايت، ضجة وتوتراً شهيرين في مؤتمر دولي حول تحرير فرنسا عُقد في باريس في 1974، حين رصد ردة الفعل الألمانية على المقاومة تبعاً للأرشيفات العسكرية للجيش النازي. هكذا وجد أن الجيش والبوليس لم يلحظا للمقاومة وجوداً جدياً يُذكر حتى أواخر 1941، وأنهما، حتى أواخر 1943، كانا يتركان معظم أمرها للشرطة الفرنسية. بعد ذاك، وحتى في 1944، ظل تركيزهم منشداً على قوات الحلفاء. لكنْ فقط إبان التقهقر في يوليو 1944، بدأ يُحسب للمقاومة حساب فعلي في العمليات العسكرية الألمانية.

«شرف فرنسا» والإقصاء الثقافي

وبدوره، يستخلص هنري مايكل، في عمله عن المقاومات الأوروبية للفاشية والغزو، المعنون "حرب الظل: المقاومة الأوروبية 1939-1945"، أنه ما من مكان سجلت العصابات نجاحاً حاسماً إبان الحرب العالمية الثانية، وانه في كل الحالات، فإن البلدان التي عاشت حروب عصابات، دفعت أثماناً باهظةً كان يصعب على السكان تحملها، وكانت لا تلبث، بالتالي، أن تفاقم الطابع الخلافي لتلك الحروب.

فالفيشية، إذن، لم تكن نبتة غريبة عن "فرنسا المقاوِمة"، لا سياسياً ولا ثقافياً. يشهد على هذا أن أحد أبرز روائييها في القرن العشرين، لوي فرنان سيلين، هو من كتب، بين 1937 و1941، عدداً من المناشير اللاسامية قبل أن يهرب، في 1944، إلى ألمانيا، وبعد سقوط النازية، في العام التالي، إلى الدنمارك. ولئن صُنف سيلين "متعاوناً"، وحُكم غيابياً بالسجن كما طاله نوع من الإقصاء الثقافي، فقد ارتكز دفاعه عن نفسه على "ضرورة" تحذيره الشعب الفرنسي من حرب أخرى بعد ويلات الحرب العالمية الأولى.

وليس مصادفة أن الفيشية خلفت، بعد سقوطها، بعض قادة فرنسا المحررة ممن بدوا قادرين على مواكبة الحاجات الفرنسية لزمن جديد، أي الخبراء التكنوقراط ورجال البيزنس والبيروقراطيين الذين استمروا في مواقع سلطوية ونافذة. فهم لتلوثهم بفيشي، ولكنْ لعدم القدرة على الاستغناء عنهم في إدارة الأمور العامة والاقتصادية، تُرك لهم أن يخدموا القادة الجدد، وأغلبهم غير مجرب جاء من صفوف المقاومة وجيش فرنسا الحرة. أما الضحايا الرئيسيون للتحرير فكانوا الفيشيين القدامى ممن تجاوزتهم سوية التقدم الفرنسي، خصوصاً منهم المثقفين والدعائيين ممن قل نفعهم بعد الثلاثينات الأوروبية.

كان عدد ضخم من رموز فيشي السياسيين قد ابتدأ حياته العامة إبان الجمهورية الثالثة، وفي متنها العريض، بمن فيهم لافال نفسه. وبالمعنى ذاته، فإن الشبه بين رمزي التعاون والمقاومة، أي بيتان وديغول، لم يكن عادياً. فالثاني خدم تحت إمرة الأول، وتشَّرب الإيديولوجيا العسكرية-القومية إياها، كما كنّ له إعجاباً كبيراً بوصفه بطل فردان وحامي "شرف فرنسا" في الحرب العالمية الأولى. وكان ديغول مثله، على ما يروي بإسهاب جان ريمون تورنو في "أبناء فرنسا: بيتان وديغول"، متأثراً بكتابات بعض فاشيي الثقافة الفرنسية كبارس وبيغوي وسائر الذين كتبوا وبشروا قبل 1914، لكنه في 1940 نصب نفسه رمزاً بيتانياً مضاداً لبيتان، حتى إذا انتهت الحرب سعى ديغوليون أقلقتهم قوة اليسار، أو صعود الولايات المتحدة، إلى استعادة دعم بعض المحافظين البيتانيين، مغازلين "وطنيةَ" بيتان ومصالحينها. وفي المعنى هذا دان ديغول فيشي بوصفها حكومة غير شرعية غير أنه، منذ 1944، قبل التعاون مع رسميين فيشيين بدوا له ممن لا غنى عنهم لتسيير أمور الدولة من جهة، وللحد من نفوذ الشيوعيين كما الأميركيين من جهة أخرى.

الانشقاق يصنع هالة المقاومة وديغول

وإذا كانت مقاومة النازية قيمة عظمى بذاتها، فهذا لا يقيم، بالضرورة، قطيعة قيمية مبرمة بين المتعاونين والمقاومين. فلا الأولين يندرجون في نظام يؤرجحهم بين القومية والعنصرية، ولا الأخيرين يندرجون في نظام نقيض تمتد رقعته من الوطنية إلى القيم الانسانية الجامعة. ذاك أن بول أوساريز، مثلاً، الذي كان من كبار ضباط ديغول في الحرب العالمية الثانية تحول، أواسط الخمسينيات، إلى أحد أبرز جلادي الجزائر.

وتدلنا سيرة سياسي كجورج بيدو إلى مساحة عريضة من قيم مشتركة، أو إلى مآلات بالغة التطرف والتناقض قد تنجر عن المقاومة، وكيفية فهمها، مما يصعب التكهن سلفاً به.

فبيدو، أستاذ التاريخ والصحافي المسيحي الديموقراطي قبل الحرب العالمية الثانية، وذو السجل الناصع في معارضة الفاشية، ما لبث أن أصبح أحد قادة المقاومة الفرنسية. فقد انتُخب لخلافة جان مولان، أول رئيس للمجلس الوطني للمقاومة، إثر موته التراجيدي. وبقي بيدو، كذلك، أبرز سياسيي المقاومة طوال سنة طويلة ومرعبة دامت من صيف 1943 حتى التحرير. وقد تعاون مع الشيوعيين الذين قبلوه، وكذلك مع ديغول في الجزائر والذي، بعد عودته المظفرة إلى باريس، سماه وزيراً للخارجية. وبدوره، أسس بيدو أول حزب مسيحي ديموقراطي في فرنسا عُرف بـ"الحركة الجمهورية الشعبية" (MRP)، وتولى رئاسة الحكومة مرتين في 1946 و1949، كما ظل، بصورة متواصلة حتى معركة "ديان بيان فو" في فيتنام عام 1954، التي أزالت النفوذ الفرنسي من الشرق الأقصى، يتقلب بين وزارة الخارجية ونيابة رئاسة الحكومة. وهو اشتهر بمعارضته أي تنازل يُقدم للحركات القومية والوطنية التي تضعف وتهدم الامبراطورية الفرنسية، لاسيما الوطنية الجزائرية. ومن موقعه هذا دعا ديغول إلى العودة إلى السلطة حينما تمرد، في مايو 1958، المستوطنون والجنود في الجزائر ضد الجمهورية الرابعة. والمعروف أن الديغوليين، منذ 1946 حتى ظفرهم في 1958، ظلوا يعارضون حكومات الجمهورية الرابعة الضعيفة والتي كانت المسألة الجزائرية تفاقم ضعفها وضعف الإجماعات التي تنهض عليها. وحتى الاشتراكيون شاركوا في الدعوة إلى عودة ديغول إلى الحكم لتجنب حرب أهلية، ما يسمح بالقول إن الانشقاق الفرنسي ما صنع هالة ديغول بقدر ما صنع هالة المقاومة.

لكن بيدو ما لبث أن اكتشف أن السياسة الجديدة للجنرال حيال المستعمرات نقيض ما كان يأمله منه. هكذا غدا واحداً من معارضيه الألداء، فدعم الجنرالات والكولونيلات الذين حاولوا الإطباق على الجمهورية الخامسة مثلما أُطبق على الرابعة. وذهب بيدو أبعد، فكاد يشكل مجلس مقاومة جديداً مانحاً بركته  لمنظمة الجيش السري (OAS) الإرهابية التي باشرت عملها التخريبي في الجزائر وفرنسا إبان 1961-1962. لكنْ مع انهيار الجنرالات ربيع 1962، غادر فرنسا، وفي صيف ذاك العام نُزعت حصانته البرلمانية فاستقر به المطاف في البرازيل، بعد محاولات فاشلة للعثور على منفى في أوروبا. هناك وضع قائد المقاومة السابق كتاباً هو مجرد دفاع عن الماضي الكولونيالي، بأفق قومي بالغ الضيق والتحجر لا يسعه مطلقاً تخيل الحركات الاستقلالية للشعوب الأخرى. فهو لا يقر أي أمة ما عدا تلك الأمم ذات الماضي الاستقلالي المديد. وقد سبق له، لهذا الغرض، أن أيد الحرب الفرنسية في الهند الصينية فحين صار الوضع ميؤوساً منه، طلب التدخل العسكري الأميركي.

رصاصة الرحمة

ولئن لم تنجح الجمهورية الرابعة في مواجهة المسائل الثقافية المتفاقمة، فإن عدم استقرار حكوماتها الائتلافية هو ما زاده سوءاً ذاك الدستور الذي عمل عامداً على إضعاف الموقع التنفيذي، وهو ما وشى بقلق جمهوري عريق حيال النزوع الرئاسي الديكتاتوري، يمتد من بونابرت إلى بيتان. فقد أعطى نظام التمثيل النسبي، كما اعتُمد حديثاً، نفوذاً غير متوازن لبضعة أحزاب سياسية مسيطرة من دون أن يتيح لأي منها القدرة على تشكيل حكومة مستقرة بمفرده. وفي هذه الغضون كان صعود حزب شيوعي قوي يقسم البلد بحدة ويهدد، حتى 1948 على الأقل، بنشوب حرب أهلية. هكذا لم يكن مفاجئاً أن تعود، بعد شهر عسل قصير، عداوات ما قبل الحرب إلى الواجهة. فـ"العمل الفرنسي" بقيادة شارل موراس عاد مجدداً باسم جديد، مع أن موراس نفسه كان يتعفن في سجنه، كما عادت بعض التعبيرات الفاقعة في لاساميتها. حتى القيادي والمقاوم الشيوعي جاك دوكلو لم يجد ما يصف به بيار منديس فرانس أفضل من "يهودي صغير مذعور".

مع ذلك فالجمهورية الرابعة لم تكن بلا إنجازات، وبعضها كان كبيراً كمشاركة فرنسا يومذاك، من خلال وزير خارجيتها روبير شومان، مشاركة نشطة في ولادة الجماعة الأوروبية، أو كتحديث الكثير من وسائل إنتاجها وطرقها في التوزيع العائدة إلى القرن التاسع عشر، وهو ما استثار في مواجهته شعبوية بيار بوجاد، زعيم الحِرَفيين وأصحاب الدكاكين الديماغوجي. وفي النهاية، وفي أواسط الخمسينات، راح يتضح أن الحرب الجزائرية تطلق رصاصة الرحمة على الجمهورية المذكورة، وهو ما حصل في 1958. لكن السجال بين نزعة التقدم غير الإمبراطورية، وبين النزعة الإمبراطورية التي احتواها، على نحو محوَّر، تقديس المقاومة، استمر مذاك ويستمر إلى يومنا هذا.  

العوز حالاً والخبز مطلباً

حين غادر بيدو بلده في 1958، كانت تربطه صلات بكثيرين ممن كانوا فاشيين أو فيشيين سابقين التحم بهم ديغوليون سابقون، كجاك سوستيل، حاكم الجزائر العام الذي عُرف بقسوته الفائضة، أو الجنرال موريس شال، قائد القوات الجوية الذي قاد التمرد على سياسة ديغول الجزائرية. وهؤلاء وجدوا في رفض ديغول طاعة رؤسائه عام 1940 مصدر استلهامهم في تمردهم التالي عليه.

لقد وُلد التلفيق الفرنسي لـ"الوحدة" ولـ"المقاومة" ضعيفاً لا يقوى على الصمود. فالبنية التحتية للاقتصاد الفرنسي سريعاً ما بدأت تحصد نتائج إهمال متراكم، وهو ما تبين جلياً بُعيد الحرب مباشرة حين ارتفعت إلى ما يقارب الضعف نسبة الحوادث المميتة في المصانع عما كانته قبل 1939، كما فقدت فرنسا ما يزيد على 20 ألف كيلومتر من سكك الحديد، ودُمر أو شُوه 2.6 مليون مكان للسكن من أصل مخزون إسكاني كان منذ ما قبل اندلاع الحرب متخلفاً عن الطلب. وظهر نقص جدي في المواد الغذائية، فما أزف شتاء 1945 حتى أحس الفرنسيون بجوع لم يعهدوه في أي شتاء سابق خلال الحرب، كما انخفضت أوزان العمال عموماً، وتراجع معدل طول الأولاد عما كانه قبل الحرب، فيما شهدت بعض البلدات الريفية أعمال احتجاج تطالب بالخبز.