إسراف في الأدوية، اضطرابات سلوكية، عمليات شراء جنونية، مرض نفسي، إفراط في التدخين... تندرج هذه الاضطرابات كلّها في خانة {الإدمان}، ما يُترجَم على المستوى السلوكي والنفسي: تعبّر هذه التصرفات عن نوع معين من العلاقات مع الأشياء والأشخاص والجسم، وعن المصاعب في مرحلة المراهقة أو بعد الانفصال عن الزوج أو الحبيب. حين نشعر بالنقص في مكان ما من حياتنا، نحتاج إلى التعويض!الحياة ليست مجرّد أحداث هادئة، بل يصعب على كل شخص فينا أن يرسم طريقه وسط الشكوك التي تساورنا، والنقص الذي نشعر به، وفي ظل الألم والكآبة والعُقد التي تعود إلى مرحلة الطفولة. تدفعنا غالباً، مشاكل الحياة اليومية (وحدة، بطالة، خوف من المستقبل، عقد جسدية...) إلى {التعويض}، أي اعتماد سلوكيات مندفعة غذائياً، أو جنسياً، أو مالياً. يسهل انتقاد الأشخاص الذين يواجهون مشاكلهم من خلال هذه التصرفات. لكن مَن منّا لم يحتج يوماً إلى تناول وعاء كامل من الكريما مع الشوكولا أمام شاشة التلفزيون بعد اختبار تجربة عاطفية سيئة؟ مَن منا لا يذهب لشراء الحلويات بعد التخاصم مع رب العمل؟ من منا لم يغرق يوماً في حالة كآبة بعد ليلة من الوحدة القاتلة؟ تتعدد الأمثلة على ذلك وهي تطاولنا جميعاً.
في علم النفستماماً مثل فرويد، توجّه عالم النفس ألفرد آدلر نحو علم النفس العصبي. حين تعرّف آدلر إلى فرويد، عام 1901، شعر بالحماسة لمتابعة البحث في مجال التحليل النفسي، وتحديداً الهستيريا والعصاب النفسي، بسبب الأبحاث المهمة التي أجراها فرويد في هذا المجال. لكنه لم يكن يوافق على الأهمية القصوى التي كان فرويد يوليها للحياة الجنسية. بالنسبة إلى آدلر، تنشأ جميع {القيم} من الحاجات التي تفرضها علينا الحياة الاجتماعية، ويشكّل تطوير شعور مجتمعي قادر على إقامة تناغم بين الحاجات الفردية ومتطلبات المجتمع، أبرز عامل بالنسبة إليه. كذلك، كان آدلر يعترف بأن الحياة نضال مستمرّ. على المرء أن يفرض نفسه ويسعى إلى السيطرة على محيطه بطريقة معيّنة. يؤدي فشل نزعة التسلّط الطبيعية إلى ما يُعتبَر أساس علم النفس الفردي، أي الشعور بالنقص مقارنةً بالآخرين.لدى الطفل الذي يسعى إلى التفوّق على نفسه بوتيرة متسارعة، تكون نزعة السيطرة هذه قوية. لكن بما أنّ الضغوط التي يمارسها محيطه تجبره على كبت رغباته، لا مفرّ من نشوء صراع داخلي عنيف في السنوات الأولى من حياته. لذا يرى آدلر أنّ الشعور بالنقص أمر طبيعي لدى الطفل الذي يعاني ضعفاً حقيقياً تجاه الراشدين، لكن يُفترض أن يختفي هذ الشعور مع تطوّر شخصيته؛ وهو سيختفي فعلاً إذا أشبع الطفل حاجته إلى إثبات ذاته بطريقة إيجابية خلال عملية التطوّر هذه، أي على المستويين الاجتماعي والثقافي. في حال عدم حصول ذلك، يترسّخ الشعور بالنقص ويتحوّل تدريجاً إلى عقدة نفسية. بالنسبة إلى آدلر، يؤدي كل نقص إلى نتيجة طبيعية تتمثل بالبحث عن التعويض على مستوى الحياة النفسية قبل غيرها. ما هي العقدة النفسية؟هي اعتقاد يولّد شخصية باطنية داخل المرء. على هذا الأخير التحلّي بطاقة كبيرة لتخطّيها. إنها مجموعة من الصراعات النفسية المشحونة بطاقة تتعارض مع الشخصية الواعية. تبقى هذه الطاقة مكبوتة ولا يستفيد منها الوعي مباشرةً بل يحاربها. تترافق هذه الظاهرة النفسية إذاً مع عوامل الكبت والتعب والتوتر والضغط النفسي. قد تظهر الشخصية الباطنية وتؤثر فينا حين تتشابه الأحداث الخارجية أو الداخلية، إلى درجة معينة، مع الأحداث التي أدت إلى ترسّخ هذه الشخصية المكبوتة.ترتبط العقدة النفسية دائماً باعتقاد معين: حين نشعر بالانزعاج أو الخوف، نعجز عن التكيّف مع الحدث الذي نصادفه أو لا نتجاوب مع موقف معيّن بطريقة مناسبة، فنشعر بأن شيئاً أقوى من إرادتنا يمنعنا من التصرّف بشكل صحيح. حين لا يدرك المرء أنه يعاني من عقدة نفسية، يلاحظ الآخرون ردة الفعل الغريبة التي يبديها هذا الشخص الذي يحاول تبرير موقفه: إنها آلية الدفاع عن النفس.ثمة نوعان من العقد النفسية:· العقدة التي يمكن التعويض عنها: تكون آلية الدفاع عن النفس ناشطة، ما يولّد بُعداً متكاملاً بين الشخصية الخارجية والشخصية الداخلية. في هذه الحالة، لا وجود لأي معاناة.العقدة التي لا يمكن التعويض عنها: تظهر ردود الفعل الاندفاعية تلقائياً على رغم الإرادة الواعية. في هذه الحالة، يعاني المرء كثيراً وعليه أن يطلب المساعدة من أهل الاختصاص أو أحد المقرّبين إليه.باختصار، تولّد عقدة النقص حاجة إلى التعويض، وتولّد عملية التعويض شكلاً من الإدمان. نتيجةً لذلك، قد تتطور العقدة النفسية لتصبح مجموعة سلوكيات اندفاعية، وبالتالي مرضيّة، في حال عدم معالجة الحالة. التعويض بالطعامحين نفقد السيطرة على نظامنا الغذائي، قد نواجه نقصاً غذائياً موقتاً يدفعنا إلى التعويض. ثمة احتمالان لما قد يحصل في هذا المجال:• تنجح عملية التعويض: هكذا تنصبّ الدوافع الداخلية على الحلويات والمأكولات الدسمة (حين نشعر بالجوع، لا نفكر أبداً بتناول السلطة! فنبدأ باكتساب الوزن ونعاني نقصاً غذائياً).• يكون التعويض غير كافٍ: في هذه الحالة، يجد المرء نفسه في حالة من الاكتئاب، والإدمان، أو حتى في حالة من العجز المالي. تؤدي هذه العوامل إلى نواقص مهمة وتعب شديد، فضلاً عن مجموعة أمراض مرافقة.صحيح أنّ المشاكل الغذائية تطال غالبية الناس، لكنها تتحوّل في حالة المرض النفسي إلى ضعف له عواقب سريعة، أبرزها ارتفاع خطر الإصابة بالاكتئاب. تبرز الحاجة هنا إلى مقاربة عامة واكتساب المعارف المتعلّقة بهذه الحالة النفسية.السلوك الغذائي تصرّف معقّد يشمل عوامل نفسية واجتماعية كثيرة، فضلاً عن عوامل فردية (عصبية بيولوجية، مرضية شخصية)، وجماعية (عائلية وثقافية). يمثّل الطعام في هذه الحالة أكثر من مجرد غذاء. تتيح دراسة السلوك الغذائي واضطراباته معرفة المحيط الذي تتداخل فيه الحقول العصبية الفيزيولوجية، النفسية الحسية، الاجتماعية الثقافية، والعاطفية.يحثّ تزايد حدة اضطرابات السلوك الغذائي في مجتمعاتنا المعاصرة على تكثيف التحليلات الخاصة بالسلوك الغذائي الذي لا يُختصَر بحالتي الشره المرضي أو فقدان الشهية التقليديّتين.يمكن وصف السلوك العادي المرتبط بالجهاز العصبي المركزي والذي يشغّل أجهزة الهرمونات المعقدة، بسلسلة من الوقائع: يُترجم الجوع بحالة من التوتر الداخلي، ولا تتراجع هذه الحالة إلا بإشباع الجوع عبر استهلاك الطعام، ويترافق ذلك مع شعور بالراحة والسعادة يكبح عملية تناول الطعام ويعطي شعوراً بالشبع والاكتفاء.أطعمة مضرّةلا ينبغي الامتناع عن أنواع طعام معينة، لكنْ لبعض الأطعمة أثر مضرّ على راحة الجسم، لذا من الأفضل التخلّي عنها. يُذكَر أننا نركّز على تناول هذه المأكولات {الممنوعة} للتعويض عن النقص الداخلي:- السكر المكرر وجميع المنتجات التي تحتوي عليه.- الأحماض الدهنية المشبعة.- القهوة.- الكحول.حالة الشره المرضيالشره المرضي أحد أكثر الاضطرابات الغذائية شيوعاً، ومن الضروري تشخيص المرض قبل الخضوع للعلاج. يبتلع المريض كمية طعام تفوق حاجاته بمراحل ويشعر بأنه فقد السيطرة على سلوكه، ما يدفعه إلى استشارة أطباء النفس، علماً أنه لا يعاني بالضرورة من وزن زائد. في الواقع، يبتلع المصابون بالشره المرضي كميات كبيرة من الطعام خلسةً إلى أن يصابوا بألم في المعدة. يشعر البعض بالخجل والذنب بسبب هوسه بالطعام، فيسيطر على وزنه عن طريق تقيّؤ الطعام من خلال تناول أدوية مليّنة للأمعاء أو الإفراط في النشاطات الجسدية. بالتالي، يكون وزنه شبه عادي. لكن لا ينجح البعض الآخر بالسيطرة على وزنه، فيدخل في مرحلة البدانة. يطال الشره المرضي 2% حول العالم من الناس العاديين و10% من المصابين بالبدانة. من بين هؤلاء، يعاني بين 30 و50% من هذا الاضطراب الغذائي.يطاول هذا الخلل الغذائي النساء أكثر من الرجال. لمعالجة هذا المرض لا بدّ من استشارة الاختصاصيين، وقد يضطرّ المريض إلى تناول علاج بالأدوية. أحياناً، يكون الشره المرضي أحد عوارض الاكتئاب. تساهم العلاجات السلوكية والمعرفية في مساعدة بعض المرضى في المرحلة الأولى. لكن من المفيد أن يخضعوا لعلاج نفسي للتعمّق في أسباب الحالة وضمان الشفاء على المدى الطويل. تتوقّف مدّة هذه العلاجات ونسبة نجاحها على طبيعة الأفراد وحدّة الاضطرابات التي يعانون منها. أما فقدان الشهية الذهني، فهو مرض نفسي يجب معالجته مع أطباء اختصاصيين.في النهاية، إذا لم تكن مستعداً للبدء بعلاج نفسي وإذا كان سلوكك يعود إلى طبيعته عند تناول مكعّب شوكولا في بعض الأمسيات الكئيبة أمام شاشة التلفاز، لا حاجة إلى العلاج النفسي. لكن إذا كان التعويض بالأكل (أو أمور أخرى) حدثاً يومياً، تكلّم أولاً مع طبيبك الخاص لإيجاد أفضل طريقة للتخلّص من هذا الإدمان. ستجد الحلول المناسبة من خلال الاعتناء بالذات والإصغاء إلى الذات وحب الذات.محاربة الإفراط في الأكل؟تقضي أبسط طريقة باحترام {مبادئ الأكل الصحيح} التسعة الخاصة بالنظام الغذائي الصيني.1 - الاعتداليسيء الإفراط في الأكل إلى الصحة، لذا من الضروري عدم تجاوز قدرات الجهاز الهضمي. يكون الطعام غالباً، تعويضاً عاطفياً، وهو سبب عدد كبير من الاضطرابات مثل الوزن الزائد، الثقل، البدانة، الاضطرابات الهضمية، والشعور بالذنب. في الواقع، يجب ترك بعض المساحة الفارعة في المعدة عند الأكل. أكدت دراسات أميركية حديثة أنّ الاعتدال الغذائي (لا سوء التغذية) يساهم في إطالة مدى الحياة. علينا أن نأكل في وقت مبكر، بوتيرة بطيئة لا سريعة، بكمية قليلة لا كثيرة، ويجب أن يكون الطعام فاتراً لا ساخناً، ليناً لا صلباً، وفيه كمية معتدلة من الملح.2 - المضغننصحك بتناول الطعام ببطء وهدوء، عبر مضغه جيداً. إنه أحد مبادئ الأكل الصحيح. يتيح المضغ إخماد نار الجوع في المعدة وتسهيل الهضم. يذهب الطب الهندي التقليدي إلى حدّ التشديد على ضرورة {شرب الطعام ومضغ الشراب}. يجب مضغ الطعام جيداً، إذ لا يجب أن تُبلَع الأطعمة النيئة مباشرةً.3 - الشعور بالجوععلينا أن نأكل حين نشعر بالجوع وبعد هضم الوجبة السابقة. يعني الجوع الحقيقي في الطب الصيني أن يكون الجهاز الهضمي جاهزاً لتلقّي أطعمة جديدة في المعدة. لا يكون الجوع الذي نعرفه جوعاً حقيقياً في معظم الحالات، بل تكون الرغبة في الأكل العشوائي بين الوجبات ذات طبيعة نفسية. يأكل الكثيرون من دون الشعور بالجوع فعلياً. يؤدي ذلك إلى ركود الطعام أو الشعور بحرارة في المعدة، ما يسبّب عدداً من الأمراض.4 - الانتظامإذا كانت وجباتك الغذائية منتظمة، يكون جهازك الهضمي مستعداً لتلقّي الكمية الغذائية في ظروف جيدة. يساهم ذلك في تحسين عملية الهضم، وبالتالي تحسين الصحة. في الواقع، تريح العادات الغذائية الجسم، في حين يؤدي التكيّف مع ظروف متغيّرة إلى إرهاقه. ترتكز حياة الإنسان على الإيقاع. مع تنظيم إيقاعات الجسم، يعمل هذا الأخير بسهولة أكبر. يساهم تناول الطعام في ساعات محددة من اليوم في حماية الجسم من الألم والمعاناة.5 - التركيز والوعيعند زيادة التركيز على وجبات الطعام ورائحته وطعمه، تصبح عملية الهضم أسهل. يعود ذلك إلى عمل الجهاز الهضمي بشكل سليم بسبب تشغيل هذه الحواس المختلفة. يمكن اعتبار وجبة الطعام عاملاً لتحفيز الشهية وعملية الهضم. حين ندرك ما نفعله، يعمل الجسم بشكل أفضل ويكتسب النشاط والطاقة.6 - الجوّ العاميحتلّ الجوّ الذي يحيط بالمرء أثناء تناول الطعام أهمية كبرى. يجب ابتلاع الأطعمة في جوّ من الاسترخاء، لا الغضب ولا حتى الضحك الجنوني. لكن لا يعني ذلك تجنّب المناسبات بين الاصدقاء أو الأجواء المرحة. نقصد هنا الوجبات اليومية العائلية التي علينا التنعم بها في أجواء سعيدة وهادئة. يؤدي الضغط النفسي والضجيج والعواطف القوية إلى الإساءة لعمليّة الهضم، ما قد يسبب مشاكل صحية كثيرة. علينا ألا نتناول الطعام مباشرةً بعد نوبة غضب أو أي ردة فعل عنيفة كالخوف مثلاً.7 - التدليكننصح بتدليك البطن بعد تناول وجبة الطعام لتسهيل عملية الهضم،لا سيما إذا كان العشاء دسماً. يمكنك في هذه الحالة الخضوع لتدليك ناعم، بحركات دائرية، في منطقة المعدة، من 20 إلى 40 مرة، باتجاه عقارب الساعة، و20 مرة في الاتجاه المعاكس. تساهم هذه الطريقة في تجنّب التعب الذي يلي تناول الغداء وتسهيل الخلود إلى النوم مساءً، وبالتالي تسهيل الهضم في الحالتين.8 - المشيلا ننصح بمعاودة النشاطات الجسدية بعد إنهاء الطعام مباشرةً. يُفضَّل أخذ استراحة هضمية، من خلال التنزّه مثلاً، ما ينشّط طاقة الجسم. تماماً مثل التدليك، يسهّل المشي عملية الهضم.9 - المتعةلا يمكن الاستفادة من الحمية الغذائية من دون عامل المتعة. تُعتبر الحمية غالباً، كمجموعة من الممنوعات والعقوبات والحرمان المستمرّ. لا علاقة لهذا الجو السلبي بالحمية الصينية التي ترتكز على مصالحة المرء مع عالم الطعام، واكتشاف أهمية المأكولات والتلذّذ بطعمها والاهتمام بشكل الأطباق أيضاً. الهدف من الحمية هو المتعة. حين تشعر حواس الجسم بالرضى التام، تتحوّل كل وجبة طعام إلى لحظة راحة حقيقية، بالإضافة إلى تسهيل عملية الهضم.
توابل - Fitness
اضطراباتنا... هل يعالجها التعويض الغذائيّ؟
30-03-2010