مع ثورة الاكتشافات الطبية والدوائية، لا يسعنا إلا ملاحظة الازدياد في إقبال الناس يومًا تلو آخر، وفي أكثر الدول تطورًا، على العودة إلى الطبيعة، والاستفادة من كل ما منّت به علينا من علاجاتٍ وأدويةٍ متوافرة في كل ما يحيط بنا من ماءٍ وغذاءٍ ونبات. قد تبدو هذه العلاجات للوهلة الأولى بسيطة ومتواضعة، إلا أن تجارب الإنسان على مرّ العصور ولغاية اليوم، أثبتت بما لا يقبل الشكّ فوائد بعض الأطعمة والنباتات. {قوة الشفاء في الفاكهة} الصادر عن {دار الفراشة} في بيروت يقدّم لنا نصائح وإرشادات حول كيفيّة الاستفادة من الفاكهة.تأتي الفاكهة في مقدمة الأغذية الشافية والواقية في آن، فقد حثّ الطب الحديث على تناول خمس حصص منها يوميًا، للوقاية من أمراض القلب وتصلّب الشرايين وضغط الدم المرتفع، إضافة إلى ارتفاع الدهون ومعدل الكولسترول في الدم.
أثبتت الدراسات أن الاعتماد على نظام غذائي يحتوي على كميات كافية من الفاكهة يحمينا من الإصابة بأمراض خطيرة أبرزها السرطان، مرض العصر الذي حيّر الأطباء وصنّاع الأدوية، ولم يكتشف له دواء حتى الآن. انتشرت المصحّات العلاجية التي تعتمد على التداوي بالفاكهة في عددٍ من الدول الأوروبية، وبات لها شهرة كبيرة في معالجة الأمراض المستعصية، خصوصاً السرطان ومضاعفاته. وليس هذا مبالغًا فيه بتاتًا فالعنب مثلاً يحتوي على مركبين كيماويين أثبتت الدراسات قدرتهما على محاربة الخلايا السرطانية وتدميرها، وهما البروانثوسياندين المستخرج من بذور العنب والريسفيراترول الموجود في قشوره.كذلك يستخرج الخبراء من قشور البرتقال مادة الليمون التي تبّينت فاعليتها في القضاء على الخلايا السرطانية في الثدي لدى الحيوانات المخبرية. كذلك أظهرت الدراسات أن البرتقال خفف من خطر الإصابة بسرطان الثدي. وثمة مركبات أخرى كثيرة مستخرجة من الفاكهة تقضي على الخلايا السرطانية وتمنع انتشارها. مع تطور الطب وصناعة الأدوية، اكتشف الخبراء مواد طبية فاعلة في عدد من النباتات، فاستخرجوا المورفين من الخشخاش، والأتروبين من نبتة البيلادونا والأسبرين من لحاء (قشرة) شجرة الصفصاف، والديغوكسين الدواء الأهم في علاج أمراض القلب، من النبتة المسمّاة القمعية الأرجوانية.كان للفاكهة النصيب الأكبر من اهتمام الأطباء وصنّاع الأدوية، بعد اكتشاف الفيتامينات وما أعقبه من آثار باهرة في علاج أمراض كثيرة والوقاية منها، والأملاح المعدنية الرئيسة والألياف المفيدة للجسم، وهذه جميعها متوافرة في الفاكهة، إلا إن هذه العناصر الغذائية ليست وحدها ما يجعل من الفاكهة دواءً شافيًا بما في الكلمة من معنى!! ففي السنوات الأخيرة أُكتشفت مواد كيماوية ميكروسكوبية شافية، تعالج أمراضاً كثيرة، وسمّاها العلماء العناصر النباتية الكيماوية.قلب هذا الاكتشاف اعتقادًا كان سائدًا عن الغذاء، لا سيما النباتات، ومن بينها الفاكهة، فالتفاحة مثلاً، توصف بأنها إحدى أكثر الفواكه فائدةً للإنسان لما تحتويه من فيتامينات ومعادن وألياف، إلا أن اكتشاف مادة الكيرسيتين فيها قلب المعايير كلها، فهذه المادة وحدها تمتاز بقوة خارقة على مكافحة خطر الإصابة بأمراض القلب، وبيّنت إحدى الدراسات أن من يتناول مقدار ربع تفاحة يومياً ينخفض لديه خطر الإصابة بأمراض القلب إلى النصف.هكذا اكتشف العلماء مواد كيماوية شافية كثيرة موجودة أصلاً في النباتات والفواكهة، فالكيرسيتين والليكوبين والفلافونيدات والألفا كاروتين والبيتاكاروتين... وغيرها أمثلة على هذه الأدوية المذهلة والفاعلة!امتلأت رفوف الصيدليات بأدوية ومستحضرات مستخرجة من الفاكهة، وتوصف كعلاج وواق من أمراض عدة، وهذه الأدوية متوافرة حاليًا في الصيدليات في أكثر الدول تطورًا كأميركا وكندا وغالبية الدول الأوروبية، وتلقى إقبالاً لافتًا من الأطباء والمرضى على حدّ سواء! يُذكر أن هذه الأدوية بدأت تغزو بلادنا العربية وهي متوافرة في الصيدليات والمخازن الكبرى، وهذا إن دلّ على شيء فعلى ثقة غالبية الناس بهذه الأدوية والمستحضرات، وعزوفها عن الأدوية الحالية التي أفادت عضوًا وأضرّت أعضاء، فما من دواءٍ إلا وله آثاره الجانبية على الكلى والكبد والمعدة والمفاصل والجلد. هنا يجب التنبه إلى أن الأقراص المركبة من خلاصة هذه المواد، لا تحلّ مكان الفاكهة الطبيعية حتى ولو كانت الطبيعة مصدرها. الثمرة الكاملة لا يضاهيها أي دواءٍ مصنّع في فائدتها وعدم سمّيتها، ففيها الفيتامينات والمعادن والأليلاف القابلة للذوبان وتلك التي لا تذوب، كذلك المواد الكيماوية الشافية المسمّاة بالعناصر النباتية الكيماوية. الدواء المعجزة قلما تنظر إلى فاكهة ما إلا ويلفتك أولاً لونها الجميل الأخّاذ وقد لا يعني هذا شيئًا إلا اللون الظاهر، لكن العلم الحديث أكّد أهمية هذه الألوان غذائيًا وطبيًا. فقد اكتشف الجزئيات الميكروسكوبية المسؤولة عن إضفاء الألوان على الفاكهة وأهمهما مجموعة أشباه الكاروتين وتنقسم هذه المجموعة إلى اثنتين:الأولى: تضم الألفاكاروتين، البيتاكاروتين والبيتاكريبتوكزانتين وهذه المواد تتحوّل في الجسم إلى الفيتامين A.الثانية: تشمل بقية الألوان التي لا تتحول إلى الفيتامين A، كاللوتين والزيكزانتين والليكوبين، والأخير مسؤول عن لون بعض الثمار والفاكهة الأحمر كالطماطم والبطيخ والبابايا والغوافا الزهرية اللون والكريب فروت، وله دور رئيس في الوقاية والعلاج من بعض أنواع السرطان كسرطان البروستات، الرئة والمعدة.أما اللوتين والزيكزانتين فهما ملوّن بعض الفاكهة والثمار الصفراء. والكيوي أحد أغنى الفاكهة بهاتين المادتين الملوّنتين. نعرف الآن أن النقطة الصفراء الموجودة في مركز الشبكية، المنطقة التي تستقبل الضوء الداخل الى العين لتحوّله إلى صورة دماغية، هي المنطقة الأغنى بمادة الزيكزانتين، وأن هذا اللون يخفّ تدريجًا من الداخل إلى الخارج، على عكس اللوتين، الملوّن، الأصفر الآخر، الذي يتمركز في محيط الشبكية ويخفّ تدريجًا حتى يصل إلى أقل نسبةٍ له في النقطة الصفراء. خلاصة القول إن هذين اللونين موجودان بشكل طبيعي في النقطة المركزية من شبكية عين الإنسان، حتى أنهما يسميّان أحيانًا بالأصفر الماكّولي، أما في عدسة العين فيقومان بعمل الفلترة للضوء الداخل إلى العين، فيتخلصان من الآثار المخرّبة للأشعة الزرقاء وما فوق البنفسجية الواردة إلى العين. من هنا يقومان بعمل ملاك العين الحارس من الأشعة الضارّة والمخرّبة وأثبتت الدراسات الكثيرة دور اللوتين والزيكزانتين في حماية العين من الأمراض التي تصيبها مع تقدّم العمر مثل الماء الزرقاء ومرض التآكل الماكولي. ويجب ألا ننسى البيتاكاروتين، الأشهر بين هذه المواد الملوّنة الطبيعية، وهو متوافر في أغلب الفواكه البرتقالية اللون كالمشمش والدراق والمانغا التي كلما كانت أغمق لونًا كانت أغنى بالبيتاكاروتين. لقد أثبت الطب الحديث فوائد البيتاكاروتين العظيمة كمضاد للتأكسد ومقوّ للمناعة في مواجهة الأمراض المختلفة.أهم من الفيتامينات والأملاحمن منا لا يعرف أهمية الفيتامينات المختلفة في التغذية الصحيحة والحماية من الأمراض والعلل؟!منذ اكتشاف الفيتامين C وتبيان دوره في الوقاية من مرض الإسقربوط الذي كان يصيب البحارة أثناء الحرب العالمية الثانية ويقتل الكثير منهم، توالت الاكتشافات من الفيتامين A حتى الفيتامين E وأيضًا الأملاح المعدنية الأساسية كالبوتاسيوم والكالسيوم والزنك وغيرها، ومنذ قول هيبوقراط الشهير: {ليكن الطعام هو الدواء} وحتى يومنا هذا، ما زال العلماء يبحثون عن الرابط الأساس بين الغذاء والدواء. ويومياً تظهر دراسات جديدة تبيّن أكثر فأكثر دور الغذاء كدواء وليس كوقاية من الأمراض الخطيرة فحسب!! عناصر جديدةفي السنوات الأخيرة اكتشف العلماء عناصر جديدة أطلقوا عليها تسمية عناصر نباتية كيماوية أو عناصر نباتية غذائية. وهي بحسب هؤلاء طريقة الطبيعة الأم في الدفاع عن النباتات!! فالأخيرة تولّد مواد دفاعية في وجه كل ما قد يؤذيها من حشرات أو ميكروبات أو فيروسات... أو أي عوامل أخرى ضارة. فمثلاً المركبات الكبريتية الموجودة في الثوم والبصل تعمل كالمحارب الذي يدفع عن النبتة خطر الحشرات الضارة. ومواد كيماوية كثيرة أخرى تدافع عن النباتات في وجه الميكروبات والفيروسات المهاجمة!!عندما نأكل هذه النباتات التي تحتوي هذه الكيماويات المدافعة، نستفيد منها ليس في مواجهة الحشرات المهاجمة بل في مقابل الأخطار المحدقة بنا نتيجة التلوث البيئي والسموم التي نتناولها يوميًا، من بين هذه الأخطار ارتفاع معدل الكولسترول في الدم وتصلب الشرايين وأمراض القلب والشرايين، إضافة إلى بعض أنواع مرض السرطان والأمراض المتأتية نتيجة التقدم في السن.عمل هذه العناصر1 - تبطل عمل الجذور الحرّة :تعمل هذه العناصر كمضاد للأكسدة وهذا أحد أقوى أسلحتها فتكًا في وجه العلل والأمراض المختلفة فهي ببساطة قد تنقذنا من براثن الجذور الحرّة الفتّاكة التي تهاجم خلايا الجسم السليمة فتخربها.مثلاً، الكولسترول مادة أساسية لجسم الإنسان تدخل في تركيب غشاء الخلايا، لذا فهي مفيدة بل وأساسية للحياة. أما حين تعترض هذه الجذور الحرّة، تسلب منها إحدى الإلكترونات وتؤدي بالتالي إلى خرابها. عندها يصبح الكولسترول ضارًا فيلتصق بجدار الشرايين مسبّبًا تصلّبها وانسدادها ما يؤدي إلى أمراض القلب والشرايين الشائعة أهمها وأكثرها خطرًا السكتة القلبية والدماغية. وهنا يأتي دور العناصر النباتية الكيماوية المضاد للتأكسد الذي يقف سدًا بين الجذور الحرّة وخلايا الجسم السليمة. وللتعريف أكثر فإن هذه الجذور هي ذرّات الأوكسيجين التي فقدت إحدى الإلكترونات لديها نتيجة التلوث البيئي وأشعة الشمس وغيرها من مشاكل العصر، وهذا ما يجعلها غير مستقرة ومخرّبة. لذا ففي أثناء سعيها إلى الاستقرار، تسرق أي الكترون من خلايا الجسم التي تعترض طريقها وحيثما تستطيع التخريب والتدمير. وبمرور الوقت تؤدي إلى تخريب خلايا الجسم وبالتالي نشوء الأمراض المختلفة. 2 - تتخلّص من المواد المسرطنة:بينت الدراسات أن لهذه العناصر دورًا مهمًا في دفع مضارّ المواد المسرطنة، ذلك عن طريق تفعيل الأنزيمات التي تتعرف إلى هذه المواد وتتخلص منها. 3 - تنظّم هرمونات الجسم:يحارب بعض هذه العناصر الأمراض عن طريق حفظ هرمونات الجسم، خصوصًا هرمون الإستروجين ضمن حدود الطبيعة. لهذا الهرمون أهمية كبرى في حفظ سلامة الجسم في جميع المراحل العمرية ليس أقلها انتظام الدورة الشهرية لدى الفتيات وسلامة الحمل والولادة الطبيعية لاحقًا، كذلك يحمي المراة من الإصابة بأمراض القلب والشرايين وترقق العظام والسكتة الدماغية. من هنا نلاحظ أن هذه الأمراض يزداد خطر الإصابة بها بنسبة ملحوظة بعد سن اليأس لدى المرأة، ولهذا عرف الإستروجين بالهرمون الحامي للمرأة، ويوصف بعد سن اليأس وانقطاع الدورة الشهرية لحماية المرأة من أمراض خطيرة ومميتة كثيرة! إلا أن أطبّاء كثراً يخشون آثار المعالجة بالهرمون البديل السلبية وأهمها إصابة المرأة بسرطان الثدي والمبيض. لذلك يفضل بعضهم عدم المخاطرة ويصف الهرمونات البديلة، بل يركّز على أخذ هذا الهرمون من مصادره الغذائية حيث لا خطر إطلاقًا. الإيزوفلافزنات هي مجموعة من هذه العناصر النباتية الغذائية وهي مشابهة للإستروجين الطبيعي بنسبة كبيرة، فعندما نأكل الأطعمة الحاوية للإيزوفلافونات في الجسم مستهلّة بذلك التخلّص من الإستروجين الطبيعي من الجسم والحفاظ عليه ضمن حدود الطبيعة وبهذا تخّف نسبة الإصابة بسرطان الثدي والمبيض. عموماً، هذه العناصر الكيماوية تفيد في رفع نسبة الإستروجين المفيد للجسم، وفي المقابل تساعد في خفض مستوى الإستروجين الضار أي الإستروجين المسمّى 16 ألفا هيدروكسي سيترون وهو الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بسرطان الثدي.ذكرنا بعض فوائد هذه العناصر النباتية الكيماوية وطرق عملها، إلى أن عددها يفوق المئة، وكلّ منها يتميز عن الآخر بخصائص عرف القليل منها وما زال الكثير يطويه الغموض! ولا يستغرب أبدًا إذا كان يتوجب علينا في المستقبل القريب أن نأكل دواءنا بدل أن نبتلعه على شكل أقراص وسوائل!!
توابل - Fitness
الفاكهة... دواؤك الأكثر فاعليَّة
16-03-2010