صرح وزير الإعلام الشيخ أحمد العبدالله، كما ورد في (القبس الأربعاء 7 يوليو)، «أن الوزارة ستقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه ضرب الوحدة الوطنية وإثارة الفتنة»، وأعتقد أن الوزارة ها هنا ترمي إلى «رصدنا» نحن المواطنين أصحاب النفوس «المسولة»، ولكنني أقول للشيخ أحمد «الأقربون أولى بالرصد» يا سيدي، فجيرانك على طاولة الاجتماعات الوزارية لكل مساهماته في «ضرب الوحدة وإثارة الفتنة» على حد قولك، فمن بين مشاكلنا، وللشيخ الوزير أن يقسمها على الوزارات حسب اختصاصاتها:

Ad

أن لدينا تقسيما مناطقيا حضريا، وقبليا، وطائفيا، يجعل الناس يعيشون في «غيتوهات» صغيرة تظهر لك واضحة حتى من الخدمات البسيطة التي تحيط بالسكن، ولدينا مناهج تربية إسلامية مبنية على المذهب السلفي المتشدد الذي يصيب الوحدة الوطنية في مقتل، فتجد أطفالنا الصغار يقسمون أنفسهم شيعة وسنة من عمر صغيرة في دلالات بالغة الخطورة، ولدينا وزارات مرصودة لطوائف معينة أو للحضر دون القبائل أو للقبائل دون الحضر، حتى أن أبناءنا باتوا يعرفون فرصهم في القبول الوظائفي حسب نوعية الوزارة و»طبيعتها»، ولدينا الكثير الكثير، ولكن أخطر ما لدينا هو قبول فاحش للتشريع الديني في دولتنا المدنية بني عليه تصويت انتخابي طائفي عميق في خرابه، متسرطن في انتشاره، مستتب في انغرازه المريض في النفوس. والحق أقول لا لوم ولا تثريب على الناخبين الذين يعدهم وزير الإعلام ضمن من يعد «بالمرصاد».

عندما يستقر في نفوسنا نحن الناخبين أن التشريع في دولتنا سيأخذ منحى دينيا، فإننا وبكل تأكيد سنسعى ونصر على التصويت لمن يمثلنا دينياً ومذهبياً، وسنقدم هذا الممثل الديني على الممثل السياسي والتشريعي الأفضل. ليس من شأن هذا أن يعزز الطائفية البغيضة فقط، بل إنه يحرمنا فرصة التصويت لمن نؤمن بفكرهم ومنهجياتهم القيادية والتشريعية اتقاءً لتطاول توجهاتهم الدينية والعقائدية على تشريعهم المدني، وهذه المنهجية الفكرية لا يمتد خطرها على مستقبل البلد السياسي وتكوين العقلية المواطنية فقط، بل على نفسيات الناس، وعلى تشكيل منهجياتهم الأخلاقية في مواجهتهم لخيارات لا تعبر عنهم حقيقة، ولكن ترتكز على المبادئ المائعة لخيارات أقل الأضرار واتقاء أسوأ الشرور.

شخصياً، يحرمني المنحى السياسي والتشريعي للدولة من التصويت للنائب الأكثر إقناعاً لي اتقاءً لمخاطر توجهاته الشخصية التي تبيح له الدولة فرضها على المواطنين ككل، فأنا أجد في عادل الصرعاوي مثلاً شخصية سياسية متزنة ومتوازنة، تعجبني اختياراته وتفكيره السياسي وتوجهاته التشريعية، وأحترم فيه جداً عدم إثارته للتافه والهامشي من الأمور أو الأخلاقي الشخصي منها على غرار ما يفعل زملاؤه من النواب المعنونين «إسلاميين»، إلا أنني لا «أمتلك» الحرية للتصويت له في الانتخابات لعلمي أن الدولة تبيح للمشرع التدخل في أخص خصوصيات المواطنين وتشكيل أدق تفاصيل حياتهم، ولإدراكي أن النائب الفاضل سيتوجه بالتصويت، أحياناً مرغماً، بطريقة ينزع فيها لتوجهه الديني الشخصي عن التوجه الدستوري المدني الذي من المفترض أن تلزم الدولة كل سياسييها به.

وعليه أجد نفسي مرغمة على التصويت لمن أهم أقل إقناعاً سياسياً من النائب الفاضل لضماني أن تصويتاتهم على القوانين ستكون مدنية أكثر منها دينية. تقلصت خياراتي ها هنا كمواطنة، وأجبرت على اختيار أفضل الأسوأ بسبب تخلي الدولة عن دورها في إرساء مبدأ المساواة بين كل مواطنيها عن طريق حمايتهم من توجهات الساسة الشخصية والدينية والأخلاقية وضبط تشريع هؤلاء الساسة في الإطار المدني فقط.

فلأن الدين يتداخل وسياستنا، ولأن الأخلاقيات الخاصة تفرض على قوانيننا، ولأن الحريات تركت مقعدها الدستوري للتقييد الديني اللادستوري، سنبقى نصوت طائفياً، وستبقى مقاعدنا النيابية محسوبة مذهبياً، وستبقى مناطقنا مقسمة وأصواتنا متناقلة ومرشحونا متاجرين بمذاهبهم وتوجهاتهم الدينية الخاصة التي فقدت خصوصيتها لتصبح... مجرد مادة في الدعاية الانتخابية... سنبقى هكذا إلى أن ينتهي التشريع الديني وتصبح دولتنا مدنية بحتة، إنها حسبة بسيطة... جداً.