قدّم الفنان سلمان زيمان ورقة بحثيّة عن الأغنية الفسطينية، تاريخها، وأبعادها الاجتماعية والإنسانية، ضمن فاعليات «أسرة الأدباء والكتاب» في البحرين بمناسبة اختيار «القدس عاصمة الثقافة العربية».

أكد زيمان أهمية الأغنية باعتبارها إحدى وسائل المقاومة والصمود، لما تمثله من أهمية لحفظ التراث والهوية، مستهلاً حديثه بتقديم لمحة عن الأغنية الفلسطينية، وقال: «كان تطور المجتمع الفلسطيني المدني والحضاري رائداً قبل تقسيم فلسطين عام 1948، حيث كان الفن الغنائي والموسيقى في مستوى متقدم ومتفاعل مع ما يبدعه الفنانون في المجتمعات الأخرى في فنون الغناء والموسيقى في مصر ولبنان وسورية وغيرها. ومن أهم رواد الغناء الفلسطيني آنذاك: عبد السلام الأقرع، حسين النشاشيبي، إلياس شهلا، جوليا السلطي، رياض البندك، روحي خماش، أمينة المعماري، متري الزائر، وحنا فاشة... كذلك أبدع فنانون آخرون في غناء التراث الشعبي أمثال: أبو جاسر أمريني، أبو حسين العبليني، أبو الحكم البرقيني، أبو سعود الأسديو... ومن أهم مراكز الغناء والموسيقى التي كانت نشطة حينها، مدرسة تراسنطة، وجمعية الشبان المسيحية (القدس) والإذاعة الفلسطينية (القدس)، وإذاعة الشرق الأدنى (جنين).

Ad

أشار زيمان إلى أن الأغنية الفلسطينية مرت بمراحل عدة مهمة ومؤثرة، وكانت منعطفاتها متلازمة وشكّلت انعكاساً للأحوال السياسية التي تعرضت لها فلسطين كأرض وشعب خلال القرن الماضي. إذ فرضت التطور الأول الظروف التي برزت بعد صدور «وعد بلفور» المشؤوم في عام 1917 ثم تبعتها محطة ثانية عام 1936 مع ثورة الشعب الفلسطيني الأولى ضد الاستعمار البريطاني وضد العصابات الصهيونية التي بدأت تسيطر على الأراضي وتتمدد وتبني المستوطنات وتقيم لها «ميليشيات» تحميها.

آنذاك برز فنانون مقاومون كثيرون حمّلوا المواويل والأغاني الشعبية المتداولة في المناسبات المختلفة كالأعياد الدينية والميلاد وأفراح الزواج والختان وأثناء العمل والحصاد وحتى في المآتم والتعازي وغيرها من المناسبات، ما أمكن من عبارات التحدي والنضال ضد المستعمر ومغتصبي الأرض الصهاينة، مستخدمين القوالب الغنائية كافة في تراثهم الشعبي مثل: الدلعونا، الجفرا، زريف الطول، الميجانا والعتابا، المثمن، الطلعة، الحدادي، الكـرادي، المحوربة، القصيد، السامر، الهجيني، والشروقي، وهنا مثال للتوضيح:

وَعْد بِلفور هالمشْؤوم جائِـــرْ

على الإسْلام والرْهبان جائِــرْ

تناسى العَدل واضحى الظُلُم جائِرْ

مْلوك الغَرب ما فيها رَجَـــا

تابع زيمان قراءته التاريخية للأحداث متوقفاً عند هزيمة 1967، وقال: «بعد احتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية كافة، إضافة الى أجزاء مهمة من الأراضي المصرية والسورية والأردنية، تلاحقت الأحداث في المنطقة العربية وظهرت أغنيات من خارج فلسطين تدعم الصمود وتشد الأزر وتدعو الى المقاومة ضد الاحتلال والى تحرير الأرض حتى وصلت الأغنية الى مرحلة أخرى متطورة. ودخل حلبة الصراع الثقافي – الفني فنانون كثيرون من بينهم النجوم أمثال أم كلثوم وعبد الحليم وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب وفيروز وفهد بلان وغيرهم، الى جانب صف طويل من صناع الأغنية العرب والفلسطينيين مع قدر كبير من الأغنيات والأناشيد ذات الأداء الجماعي. من هنا بدأت الأغنية التي تتناول القضية الفلسطينية في التطور الجذري من جميع النواحي الإبداعية ودخل ساحتها صناع الأغنية والموسيقى المحترفون، إضافة الى الهواة والمجتهدين في خدمة هذه القضية، وأصبحت ساحة للمنافسة الحامية بين الفصائل والتنظيمات والأحزاب السياسية الفلسطينية خصوصاً والعربية عموماً».

نستنتج هنا أنه كلما كبرت المأساة والفجيعة كبر بالنتيجة دور الأغنية التي توثق الحالة برمتها من انعكاسات حسية - إنسانية كالشعور بالإحباط والألم نتيجة التعرض للظلم والهزيمة، والدعوة إلى ترميم الكرامة وما تهدم في النفس من مشاعر العزة والإباء، وشد الهمم وتحفيز القدرة الكامنة في الإنسان للتحمل وعبور المصائب، ثم الوقوف مجدداً وشحذ الهمم وتجميع الصفوف لمقاومة أسباب الهزيمة وإعادة الأمور الى نصابها واسترجاع ما اغتصب من أرض وحقوق.

البيادر

توقف زيمان عند مسألة ذات دلالة فنية، تتمثل في اختيار فرق فلسطينية عدة متباعدة جغرافياً وأيديولوجياً «البيادر» كتسمية لها يتبعها تعريف لحقل احترافها، مثل «فرقة البيادر» من دون إضافات، فرقة «البيادر الفنية»، فرقة «البيادر للفن الإسلامي»، فرقة «البيادر للزجل الفلسطيني» (وليس اللبناني كما هو معروف) 1975 في لبنان، فرقة «البيادر لإحياء التراث الفلسطيني» في الإمارات، فرقة «البيادر الشعبية» من دير حنا، فرقة «البيادر الفلسطينية»، فرقة «البيادر للفن الشعبي»، فرقة «الطاحونة» (كان اسمها «البيادر» سابقاً)، فرقة «البيادر للرقص الشعبي»، فرقة «البيادر المسرحية»، فرقة «البيادر» في الدانمارك والسويد.

كذلك توقف زيمان مطولاً عند محور «فلسطين في الأغاني العربية»، مشيراً إلى جمهورية مصر العربية حيث قدم الموسيقار محمد عبد الوهاب رائعته «أخي جاوز الظالمون المدى» وهي قصيدة اسمها «فلسطين» كتبها علي محمود طه يحكي فيها مأساة 1948. وقدمت أم كلثوم من أشعار نزار قباني وألحان محمد عبد الوهاب «أصبح عندي الآن بندقية»، ومن تأليف صلاح جاهين وألحان رياض السنباطي {راجعين بقوة السلاح» و{إنا فدائيون» من تأليف عبد الفتاح مصطفى وألحان بليغ حمدي، ومن ألحان كمال الطويل وتأليف صلاح جاهين غنت «والله زمان يا سلاحي». أما كارم محمود فغنى من قصائد توفيق زياد «هنا باقون»، وأبدع الشيخ إمام أغنيات عدة لفلسطين أربعة منها أو أكثر قصائد معروفة لتوفيق زياد: «قبل أن يجيئوا، مليون شمس في دمي، الذي أملك، وأناديكم» قبل أن يعيد غناء الأخيرة الفنان أحمد قعبور بلحن آخر. كذلك غنى سيد مكاوي «الأرض بتتكلم عربي».

لبنان

أعطى فنانو لبنان الكثير لفلسطين، إذ سطر الرحابنة وفيروز سلسلة من روائعهم الإبداعية التي نُقشت في وجدان الشعوب العربية كلها: «زهرة المدائن، القدس العتيقة، ردني إلى بلادي، سنرجع يوماً، بيسان، غاب نهارٌ آخر»... ملاحم فنية لا مثيل لها. ولحن سلفادور عرنيطة وقدم «سجل أنا عربي» لمحمود درويش في ثوب أوبرالي مع الأوركسترا . كذلك لحن الفنان بول مطر بعض قصائد درويش وغناها في مهرجان الشباب في كندا عام 1974. ثم وبحماسة ثورية شديدة قدم الفنان أحمد قعبور مجموعة من الأغنيات زاوجت بين الهم اللبناني والفلسطيني: «أناديكم، إسمع، منفياً، إرحل، عودة، البيارق، منسيين، نحن الناس، نبض الضفة، الغربة، عشاق الأرض، يا رايح صوب بلادي، أحن الى خبز أمي» القصيدة نفسها التي غناها مارسيل خليفة بألحانه لاحقاً... أعمال فنية تنبض بجراح الناس وتنزف دماً يحترق.

أما الفنان العراقي جعفر حسن فله إبداعات مبكرة ومتميزة بدأها في أوائل السبعينات وما زال يضمن حفلاته المختلفة أغنيات الحب والتضامن مع فلسطين، و{حسب ما أملك من ذاكرة «فلسطينية شبابتي» باكورة أعماله في هذا الحقل ثم تلتها أغنيات عدة من بينها: «عازف الغيثار، تحد (شدو وثاقي) لمحمود درويش، ما دامت لي من أرضي أشعار، فوق متاريس الشهداء، يا فلسطيني هات البشاير، دمٌ في الشوارع في فلسطين، الصمت عار والخوف عار» للشاعر اليمني عبد العزيز المقالح».

من المغرب قدم الفنان سعيد المغربي إبداعات موسيقية وغنائية، وغنى قصائد لمحمود درويش ومعين بسيسو وصخر الفلسطيني. كذلك تضامنت فرقة «جيل جلالة» مع الفلسطينيين يإطلاق أغنيات عدة من بينها: مزين امديحك، يا صاح، غير حدوني».

البحرين

أشار زيمان إلى تفاعل الفنون في البحرين مع القضية الفلسطينية منذ النكبة، والأحداث المتتالية والمتعاقبة هناك، عبر إنتاج مجموعة من الأغنيات تضمنتها ألبومات موجهة إلى عامة الجمهور، أو عبر تقديم حفلات ومهرجانات تضامنية. ففي سنة 1981 أنتجت «أجراس» ألبومها الأول بعنوان «أمنيات أطفال» الذي احتوى على أغنيات للأطفال مثل: «السلحفاة، السمكة، النحلة} من نصوص الشاعر خيري عبد ربه وألحان الفنان إبراهيم علي، إضافة إلى أغنيات «أعشق السلام، بالحب السامي، أنا طفل فلسطيني، قبلتني أمي»، التي كتب زيمان نصوصها الأربعة وتوزع تلحينها بينه (الأولى والثانية)، وبين وعلي الديري (الثالثة)، وإبراهيم علي (الأخيرة).

وغنى الفنان خالد الشيخ من ألحان زيمان مجموعة من ست قصائد لفلسطين، خمس منها لمحمود درويش، هي: غريب في مدينة بعيدة، أغنية حب على الصليب (مدينة كل الجروح الصغيرة)، أبيات غزل، رحلة الغجر، موال (بمشاركة هدى عبد الله في الغناء)، زنابق لمزهرية فيروز (بمشاركة الفنانة المغربية رجاء بالمليح في الغناء).