تربطنا والأخ علي الراشد علاقة خاصة، فله مكانة عزيزة في نفسي وهو محل تقدير خاص، رغم الاختلافات السياسية والشخصية التي مرّ بها «بوفيصل» مع دوائره السياسية المقربة منه جداً، والقريبة منّا في الوقت نفسه... وبمعزل عن كل هذا فهو محل احترام... وقبل أيام تقدم الأخ علي بمقترح لتعديل الدستور، وهو حق له ولغيره من النواب لا جدال حوله... وليس هذا موضوع النقاش، لكننا سنحاور الأخ بوفيصل في مضمون ما تقدم به:

Ad

أولاً: إننا أمام قضية أساسية هي تعديل وثيقة العقد السياسي للدولة، ومثل هذه الخطوة تقتضي أجواء هادئة بعيداً عن التجاذب والتشتت والمشاحنات، وتقتضي توافقاً سياسياً بين الحكم من جهة والحكومة والمجلس من الجهة الأخرى.

وفي انعدام هذه الأجواء، سوف يتحول مشروع تعديل الدستور وتنقيحه إلى أداة من أدوات المساومة، كما تستعمل الاستجوابات أو محاولات تمرير بعض القوانين والمشاريع، وحين يخضع مشروع التعديل لمثل هذه الأجواء، فإنه يضع المعاني والمبادئ الأساسية للدستور في دائرة الخطر الذي قد لا يكون منظوراً الآن، لكنه سيتجلى عند محاولات إقرار أفكار التعديل وتبنّي مقترحاته.

ثانياً: نوافق الأخ علي الراشد في ما يتعلق بزيادة عدد الأعضاء، فهذا يتوافق مع النمو السكاني الذي شهدته البلاد منذ عام 1962 حتى الآن، لكننا نعتقد أن ربط الزيادة بإضافة دائرة انتخابية جديدة وتحديد مكانها بين الرابعة والخامسة أو بين الثالثة والرابعة، أمر لا يحدده الدستور بل ينظمه قانون الانتخاب وتوزيع الدوائر الانتخابية، إلّا أن زيادة عدد الأعضاء ومن ثم الوزراء... أمر إيجابي، وحبذا لو أخذ حيزاً أكبر من الدراسة العلمية الدقيقة والمتأنية، لكن الفكرة تبقى فكرة مميزة وتستحق البحث.

ثالثاً: نتفق مع الأخ علي الراشد وكثيرين غيره ممّن يرون أن بعض النواب قد بالغ في استخدام أدواته الرقابية، وأصبح هناك مغالاة في توظيف أداة الاستجواب، لكن هذا لا يعني بالضرورة تضييق الحق على النائب في استخدامها، فإساءة استعمال أداة ما لا تعني تقييدها، وقد حفظها المشرع حقاً لأي نائب وحده، حمايةً لحق الأقليات ولتجنيب حق الرقابة والمساءلة سطوة الأكثرية النيابية واستبدادها...

لذا حدد المشرع حق النائب منفرداً في الاستجواب والسؤال والمساءلة، لكنه قيده بضرورة توافر عشرة أعضاء لتقديم طلب طرح الثقة بالوزير أو عدم التعاون مع رئيس الوزراء، وجعل هذا الطلب نافذاً وفاعلاً بضرورة حصوله على نصف عدد الأعضاء زائداً واحداً... هنا نعتقد أن الأخ بوفيصل يدرك أكثر من غيره كيف فصل المشرع بين أمرين هما: إطلاق حق النائب في الاستجواب، وتقييد شروط ومتطلبات تجسيد حقه في طلب طرح الثقة أو عدم التعاون.

وتحت أي تفسير أو شرح، فإن اقتراح الأخ علي الراشد بربط حق الاستجواب بتزكية أربعة نواب له قبل تقديمه، هو تقييد لاستعمال هذه الأداة الرقابية، وهو في نهاية الأمر يتناقض والشرط الذي حدده الدستور لتعديله أو تنقيحه، بأن يكون لمزيد من الحريات لا لتقييد حق ممثل الأمة في استعمال أداة المساءلة والمحاسبة.

رابعاً: أسعدنا أن الأخ بوفيصل قد حدد مقترحاته بتعديل الدستور، فقد نقل النقاش والجدال حول تصريحه بذلك من فكرة إلى بنود محددة، وهي بنود تستحق البحث والنقاش، ولمعارضتها أو موافقتها لابد من تفنيدها وإشباعها بحثاً ودراسة، لكنني وبمعرفتي الشخصية بالأخ علي الراشد، كنت أتمنى أن يشمل اقتراحه مادة تجيز قيام الأحزاب وتقنينها، وتلزم بقانون ينظمها مثل الدول المتقدمة، والأخ بوفيصل يعرف أنها موجودة وبمسببات كتل وجمعيات وتحالفات وغيرها... لأن اقتراحاً مثل هذا أمر مهم وهو بداية الطريق لصهر جميع فئات المجتمع وطوائفه وقبائله وانتماءاته في قوالب من البرامج والمبادئ، ولننأى بالناس عن تعزيز نعرات ونزعات تقوّض دولة القانون وتفرغ الدستور من محتواه... كنت أتمنى من بوفيصل هذه المبادرة الشجاعة، وليس كل الأماني حراماً...

بقي أن نقول إن الأخ علي قد علّق الجرس وأعلن مبادرته، لكن هل هذا هو الوقت الصحيح، وهل ما أعلنه بداية لإصلاح الخلل أم بداية لطريق لا يعلم إلّا الله سبحانه نهايته...؟