عندما يشبّ حريق مرتين خلال ثلاثة أعوام في أحد أهم أستوديوهات السينما في مصر والعالم العربي، فبالتأكيد ثمة خلل ما في الإدارة، ولو تبين لنا أن الحريقين التهما ديكوراً للمنتج والمخرج ومهندس الديكور نفسه، فبالتأكيد سيتسرب الشك إلى أنفسنا حتى وإن أكد الجميع أن السبب ليس أكثر من سوء حظ و{ماس» كهربائي لعين.

فتح الحريق ملف الحديث عن هذا الأستوديو بكل تاريخه وتراثه، والأهم كيف كان يدار وكيف أصبح؟ بتعبير أدق كيف كان وما آلت إليه الأمور؟

Ad

أفتتح أستوديو مصر رسمياً في 12 أكتوبر (تشرين الأول) في العام 1935، وكان الحدث تطوراً مهماً في رحلة السينما، وانتهاءً لمرحلة السينما البدائية، وانطلاقة لمرحلة الإنتاج والتصنيع على أرقى المستويات العالمية.

فطن الاقتصادي المصري طلعت حرب لضرورة دعم الثقافة والفنون ضمن مشروعه النهضوي، فقرر أن يضم النشاط السينمائي إلى الأنشطة المختلفة التي كان يقوم بها بنك مصر وشركاته، فتأسست شركة «مصر للتمثيل والسينما» التي صدر مرسوم ملكي بإنشائها باسم «شركة مصر للتياترات والسينما» في 25 يوليو (تموز) عام 1925، ووضع حجر الأساس قرب أهرامات الجيزة في 17 مارس (آذار) عام 1934 على مساحة قدرها 80 ألف متر مربع وتم تجهيز الأستوديو بأحدث الأجهزة السينمائية.

كذلك حرصت إدارة الأستوديو آنذاك على إرسال البعثات التدريبية إلى الخارج لتأهيل العاملين في الأستوديو، وفي مقدمهم المخرج الكبير أحمد بدرخان الذي درس الإخراج في باريس، كذلك أرسلت الشركة بعثات لدراسة التصوير والإضاءة ومختلف المجالات..

ذاكرة السينما

بدأ أستوديو مصر إنتاجه الفني بعد افتتاحه بعام، وكان باكورة إنتاجه فيلم «وداد» الذي أدّت بطولته أم كلثوم، وبين عامي 1936 و1956 قدّم الأستوديو 57 فيلماً تقريباً مثل «العزيمة»، «لاشين»، «سي عمر»، و{غرام وانتقام»...

أسست «شركة مصر للسينما» مدرسة للإخراج داخل الأستوديو في بداياته تخرّج فيها صلاح أبو سيف وكمال الشيخ في قسم المونتاج، ونصري عبد النور في قسم الصوت ومصطفى كامل القاطوري في قسم الماكياج، ومجموعة أخرى من أهم صنّاع السينما.

كذلك حرصت إدارته آنذاك على إصدار جريدة سينمائية ناطقة سجلت أهم الأحداث السياسية والاجتماعية التي مرت في مصر، وفي الستينات من القرن الماضي أُمم الأستوديو بوصفه إحدى الشركات التابعة لبنك مصر ليتحول من ملكية خاصة إلى ملكية عامة، وفي عام 1980 انتقلت تبعيته إلى «المجلس الأعلى للثقافة»، وعام 1994 إلى «الشركة القابضة للسينما»، ومنذ حواليى ستة أعوام استأجر المنتج والمخرج كريم جمال الدين حق انتفاع من الأستوديو مدة 20 عاماً، ومنذ ذلك الحين لم ينتج الأستوديو سوى فيلم «إحنا اتقابلنا قبل كده»، لتكتفي الإدارة الجديدة بتأجير شوارعه وحاراته لصالح آخرين.

بعيداً عن مبنى المونتاج الذي بني في وسط الحارة، لم يشهد الأستوديو أي تطورات إلى درجة أن الحياة برمتها تتوقف تماماً فيه إذا انقطع التيار الكهربائي، إذ لا يتوافر مولد للكهرباء، الأمر الذي يعطل الأعمال الفنية التي يتم تصويرها داخله.

يؤكد كريم جمال الدين، المؤجر الحالي للأستوديو، أن الأخير كان وما زال يحظى بالأهمية نفسها منذ تأسيسه، فهو أحد أهم أستوديوهات السينما في العالم العربي، ويكتسب أهميته من تاريخه الطويل والعريق، وما زال قادراً على المنافسة. أما عن الإهمال الذي يشوبه، فينفي جمال الدين هذا الأمر، مشيراً إلى أن الأستوديو مؤمّن على أعلى المستويات.

الناقد طارق الشناوي يختلف مع ما طرحه كريم، إذ يرى أن الأستوديو فقد الكثير من أهميته بعد تبعيته للدولة فلم يتم تطويره ولم يعد قادراً على المنافسة، خصوصاً بعد أن تم تأسيس أستوديوهات أخرى منافسة مثل «النحاس» و»الأهرام»، فالدولة للأسف لم تمنحه التقدير الذي يستحقه على رغم مكانته العريضة.

الآراء نفسها تطرحها الناقدة ماجدة خير الله، موضحة أن «أستوديو مصر كان مشروعاً عظيماً عندما أسسه طلعت حرب، لكنه أصبح بلا قيمة بعد تبعيته للدولة، فعلى رغم توافر أستوديوهات منافسة له عند تأسيسه إلا أنه نجح في أداء دور مؤثر وحيوي في صناعة السينما، وكان وبلا شك مشروعاً متكاملاً تخرج فيه كبار المخرجين وذهبوا في بعثات إلى دول أجنبية مثل فرنسا وألمانيا».