جذور المقاومات وقبائلها

Ad

مع بزوغ الاستقلال في روديسيا/زيمبابوي، كان مصدر التكهنات الكثيرة وأهمها ما يتصل بمستقبل البلد وسكانه، أن حركتي المقاومة لن تتوصلا إلى صيغة لتقاسم السلطة، ولا، طبعاً، لتقسيم البلد بينهما. فهاتان الحركتان، أي "زانو" و"زابو"، ليستا متفقتين على مطلق شيء، كما نفهم من كتاب مارتن وجونسون "الصراع من أجل زيمبابوي" وسائر الأعمال التي تناولت تلك المرحلة. ففضلاً عن التنافس الشخصي بين زعيميهما، تستند "زانو" إلى دعم موزمبيق التي اعتنقت الماركسية اللينينية والحزب الواحد منذ استقلالها عن البرتغال في 1975، كما تتركز قوتها في الشرق، بينما تعتمد "زابو" على دعم زامبيا وتمارس عملياتها انطلاقاً من مخيماتها التي تقوم في الشمال والغرب. ولئن درب الصينيون قوات "زانو" منذ نشأتها، فإن "زبيرا"، الجناح العسكري لـ"زابو"، تأثرت في عقيدتها العسكرية وتسلحها بالاتحاد السوفياتي.

أهم من ذلك أن "زابو" تُعد تنظيم قبائل النديبيل الأقلية، وهم أحفاد الزولو المقاتلون، فيما تُحسب "زانو"، الأكثر تسييساً وفي الآن ذاته الأكثر اعتماداً على توسط الأرواح، تنظيم قبائل الشونا الأكثرية. ولكل من هاتين الجماعتين القبليتين لغة تنطق بها، بل إن كلمتي شونا ونديبيل نفسيهما تسميتان للغتيهما.

قيادات عابرة للإثنيات

وحسب إحصاء أجري في 1969، فإن الناطقين بالشونا ينقسمون على النحو التالي: الكالانغا وهم ربع مجموع السكان السود في روديسيا/زيمبابوي، والزيزورو وهم 21 في المئة، والمانييكا وهم 11 في المئة، والنداو وهم 6 في المئة، والكوريكور وهم 5 في المئة. تضاف إليهم جماعات صغيرة أخرى بما يرفع نسبتهم إلى ثلاثة أرباع السكان السود. وتقليدياً عاش هؤلاء طويلاً في تنظيمات اجتماعية متوارثة تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي ويتربع في صدارتها رئيس الجماعة.

أما النديبيل فيشكلون 14 في المئة من السكان السود، إلا أن الكالانغا، وهم أصلاً من الشونا، عزلهم متنُ الشونا العريض فامتص بعضَهم مجتمع النديبيل، مضيفين إليهم 7 في المئة. وقد اتصف رؤساء النديبيل تقليدياً بأنهم الأكثر تفرداً كما تمتعوا بسلطة ونفوذ لم يتمتع بهما نظراؤهم في الشونا، ناهيك عن أن مجتمعهم أشد تراتبية وصرامة في ممارستها.

والحال أن "زابو" و"زانو" تعكسان هذه الفوارق: فجذور "زابو" وثيقة الاتصال بأقلية نديبيل-كالانغا، مع أن زعيمها نكومو، وهو أصلاً من الكالانغا، احتل قيادة عمال السكك الحديد، وأوجد لتنظيمه هيئات قيادية "وطنية" عابرة للإثنيات كانت أكثريتها تتشكل من أبناء الشونا. وهذا ما لا يصح في موغابي الذي خلت قياداته العسكرية والسياسية، منذ أواسط السبعينيات، من كل تمثيل للنديبيل والكالانغا.

توزيع الأراضي والثروات

على العموم فإن مشكلة التخلص من النظام العنصري ورمزه الأول إيان سميث ما لبثت أن تبدت أسهل بكثير من مصالحة الأطراف السوداء المقاومة. وإذا صح أن الإيديولوجيا كانت أقل العوامل أهمية في الوضع الزيمبابوي واصطفافاته، يبقى أن نلاحظ دورها في تأجيج النزاعات. فقد تبنى مؤتمر "زانو"، الذي انعقد في موزمبيق في سبتمبر 1978، "الماركسية اللينينية – فكر ماو تسي تونغ" أيديولوجية رسمية له. وبدوره، دعا موغابي علناً إلى دولة الحزب الواحد بوصفها الموديل "الصائب" لزيمبابوي.

أما إبداء زعيم "زانو" رغباته في الحفاظ على المهارات البيضاء في الدولة الجديدة، فلم يحل دون المخاوف الواسعة، لدى عموم البيض، من إصراره الراديكالي والشوفيني على إعادة توزيع الأراضي والثروة وعلى تدمير المؤسسات القائمة. وفي المقابل، فإن نكومو الذي حظي بدعم سوفياتي، بدا أكثر طمأنة للبيض، كما بدت الأفكار التي عبر عنها تنظيمه نوعاً من الخليط "الوطني" الذي عُرف به الكثير من حركات التحرر الوطني. ثم إن نكومو، بوصفه أحد آباء الوطنية الإفريقية، حظي باحترام الدول الكبرى والدول الإفريقية غير الراديكالية، كما بدا، في ماضيه السياسي، أكثر مرونة من منافسه، جامعاً على الدوام بين الكفاح المسلح والاستعداد للتفاوض. وكان تناقض التنظيمين أن تعاظم ابتداءً بأواسط السبعينيات، في موازاة توسع عمليات تطويع المقاتلين في المنظمتين ومن ثم تظهير الهويات الإثنية للمقاومتين. فمقاتلو نكومو ومخيمات لاجئيه معظمها في زامبيا، فضلاً عن 3000 عنصر كانوا يتدربون في أنغولا. وقد تطوع في قوات "زابو" أكثر من عشرين ألف شاب مقاتل هم في أغلبيتهم الساحقة من الغرب، حيث تقيم النديبيل والكالانغا. في المقابل، فإن ما لا يقل عن 95 في المئة من الـ 25000 شاب المقيمين في مخيمات موغابي في موزمبيق وتنزانيا من الناطقين بالشونا الذين عبروا من المناطق الحدودية المتاخمة لذينك البلدين.  

الفشل الذريع

وقد لقيت المحاولات لإنشاء قيادة موحدة بين المقاومتين فشلاً ذريعاً، وأحياناً عنفياً حفت به مصادمات موضعية النطاق. فأنصار موغابي درجوا على اتهام نكومو بالتواطؤ مع العنصريين وقد جعلوا من "يسقط نكومو" أحد ثوابت شعاراتهم في المهرجانات والمناسبات العامة. وقبيل سقوط النظام العنصري، راح كل من التنظيمين يدفع مواقعه أقرب فأقرب إلى المواقع التقليدية للتنظيم الآخر، ومن ثم الإثنية الأخرى، عله يحسن شروطه التفاوضية لحظة الاستقلال.

وقد حصل الانفجار الكبير بعد عامين على الاستقلال، فأرسل موغابي جيشه في حملة على ماتابيليلاند حيث قُتل حوإلى ثلاثة آلاف من النديبيل في محاولة لاجتثاث "زابو" وإنشاء دولة حزب واحد، فيما فر نكومو إلى الخارج.

وفي 1987 رضخ نكومو لتذويب "زابو" في "زانو"، فنشأت عملياً دولة الحزب الواحد تلك، وأعطي نكومو، مرة أخرى، منصباً وزارياً عديم الفاعلية، وهو ما فسره لاحقاً، حسب كتابه بالاشتراك مع نيكولاس هارمن "نكومو: قصة حياتي"، بحرصه على الحد من عملية استئصال النديبيليين وسياسيي "زابو".

وفي 1990 وجد موغابي من ينافسه على الرئاسة في أحد تاريخيي "زانو" إدغار تكر، فكان نصيبه الإبعاد والعزلة، لاسيما أن تكر مضى بعيداً في انتقاد الفساد وحكم الحزب الواحد. وقطع تهميش القادة التاريخيين للحركة الوطنية شوطاً أبعد: فموزوريوا نافس موغابي في الانتخابات الرئاسية للعام 1995 وحصد هزيمة مرة. وإذ أصر على اتهامه سياسات "زانو" وزعيمها بالإضرار بالزراعة وبالصناعات التقنية لزيمبابوي، اعتقلته السلطات بتهمة التآمر لمصلحة جنوب إفريقيا، وبعد يومين حذر موغابي كلا من نكومو وسيثولي من مغبة "التآمر". وبدوره، انتقل سيثولي إلى منفى طوعي في 1983 لم يعد منه إلى زيمبابوي إلا في 1992، لكنْ في 1997 حُكم بتهمة التآمر لاغتيال موغابي وصودرت مزرعته.

العنصرية المضادة

لقد حكم موغابي البلد منذ 1980 كرئيس للحكومة (وإن بلقبين مختلفين)، ثم منذ 1987 كرئيس للجمهورية. ولم يردعه وضع زيمبابوي البالغ السوء، اقتصادياً واجتماعياً، عن الانخراط النشط والمكلف، أواخر التسعينيات، في حرب الكونغو دعماً لرئيسها "الماركسي" لوران كابيلا.

لكنْ منذ أواسط التسعينات شرعت تتقلص قدرة المجتمع على احتمال سلطته، كما ارتفعت قدرات السكان على الجهر والتعبير. فقد صادر موغابي آلاف المزارع المملوكة للبيض من دون توفير القدرة على تشغيلها واستثمارها، وانتهى الكثير من تلك المزارع في عهدة المحيطين به والمقربين إليه. كذلك طبع كميات هائلة من الدولارات الزيمبابوية، ما أطلق تضخماً فلكياً. وقياساً بالعام 1980 حين كان معدل الدخل السنوي للفرد 950 دولاراً أميركياً، انخفض هذا الرقم في 2003 إلى 400 دولار. وبيدٍ من حديد ضرب على المعارضين وسائر المختلفين، من دعاة حقوق الإنسان إلى المثليين، زاجاً الصحافيين في السجون. وكان لحكمه أن أوجد، في ما أوجد، نقصاً فادحاً في المواد الغذائية وهجرات داخلية كثيفة فضلاً عن الهجرة الواسعة إلى الخارج. وإذ اتهم على نطاق واسع بإرساء نظام عنصري مضاد، أي أسود ضد البيض، راح، في موازاة إخفاقاته، يستبد به هذيان بالغرب ومؤامراته المفترضة حتى باتت المثلية الجنسية شكلاً من أشكال الحملة الغربية على بلد لم يعرفها قبل الاستعمار! كذلك منع وطرد من البلد الكثير من المنظمات الدولية فيما كانت تذيع أخبار فساده وفساد أسرته والمحيطين به. وفي زيمبابوي الموغابية انخفض معدل سنوات العمر إلى بعض أدنى النسب في العالم، كما تراجع التعليم وتُركت البنية التحتية الجيدة والمتقدمة تتآكل.

هكذا بدا أن وقت الحساب قد أزف في انتخابات 2002 الرئاسية، فنافسه فيها النقابي الكاريزمي وقائد "حركة التغيير الديموقراطي" مورغان تسفانغيراي. وفي تلك المواجهة التي اتسمت بالعنف والابتزاز والتخويف واستخدام أجهزة الدولة على نحو موسع، نال موغابي 52.2 في المئة من الأصوات ومنافسه 41.9 في المئة. لكن البلدان الغربية فرضت عقوبات مشددة في 2003، فمنعه الاتحاد الأوروبي، هو و94 من مسؤوليه، من السفر إلى بلدانه كما جمد ودائعهم فيها، وغدت زيمبابوي تتعيش على المعونات الإنسانية.

الصديق الكبير

بيد أن إدراك الحقيقة هذه يبقى متعذراً من دون الرجوع إلى تاريخ العمل المناهض للعنصرية في البلد المذكور.

ففي 1912 تأسس "المؤتمر الوطني الإفريقي" (وكان يُسمى المؤتمر الوطني المحلي الجنوب إفريقي)، أقدم حركة تحرر في إفريقيا السوداء. وقد جاء ذلك بعد ثلاث سنوات فحسب على تأسيس "الرابطة الوطنية لتقدم الشعب الملون"، وهي، بدورها، أول حركة حقوق مدنية حديثة في الولايات المتحدة. وهو تزامُن حمل معاني فكرية وسياسية ظلت تواكب "المؤتمر" وتشده، حتى في أشد لحظات تأثره بالعنف والسلوك الراديكالي، إلى العمل المدني والسياسي بالمعنى الذي قصدته "الرابطة" الأميركية.

وما ضاعف حافز التعلم من "الرابطة" أن المقاومات القديمة للسيطرة العنصرية، إثر هزيمة آخر المجتمعات السوداء المستقلة أواخر القرن التاسع عشر، انتهت إلى إخفاق بحت. ذاك أن المقاومة العسكرية للغزو الأبيض جاءت نُتفاً مُجزأة مبعثرة: فالأفارقة السود لم يقاتلوا شعباً واحداً، ومفهوم "الشعب" جديد عليهم أصلاً، بل فعلوا بوصفهم مجموعة متمايزة من المجموعات الإثنية والرؤساء القبليين. ويزخر تاريخ المقاومات تلك بوقوف فئات من السود إلى جانب البيض إما لأنهم تعاطوا مع سلطتهم بوصفها من طبيعة الأشياء، أو لأنهم خصوم تقليديون لقبائل المقاومين.

فالتحدي الذي واجه مناهضة العنصرية كان توحيد السود، إن لم يكن أفارقة جنوب إفريقيا (بمن فيهم الهنود والمختلطو الأعراق "الملونون") بحثاً عن جبهة موحدة ضد السيطرة البيضاء. وصار "المؤتمر الوطني الإفريقي" التجسيد المادي لهذه الرغبة في التوحيد.

وتكامل الإدراك هذا مع حقيقة أن مُنظمي "المؤتمر" ومعظم أعضائه انتموا إلى نخبة صغيرة مزدهرة اقتصادياً ومتعلمة نسبياً. فهم أبناء الطبقة الوسطى المتأثرة بالغرب ونتاج أفضل المدارس المتوافرة، بعضهم رموز إرساليات تبشيرية وتعليمية مسيحية درسوا المحاماة في بريطانيا. وهؤلاء كانوا، لاسيما الرئيس الأول للمؤتمر، المعلم جون إل ديوب، شديدي الإعجاب ببوكر تي واشنطن، الداعية المبكر للحقوق المدنية في الولايات المتحدة. وتأثراً بواشنطن الذي غدا "صديقاً كبيراً" لديوب، أكد دستور المؤتمر على "الولاء لكل السلطات القائمة"، مُلزماً أعضاءه العمل لـ"رفع مستوى السكان المحليين لجنوب إفريقيا تعليمياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً".

الجوع الداخلي

في عام 2007 استأنف موغابي مواجهته مع المجتمع غير هياب. وقد اعتُقل تسفانغيراي وتعرض للتعذيب وسط استنكارات عالمية لم يُعرها أدنى اكتراث. إلا أن المعركة الانتخابية في 2008 جاءت بنتائج صار يصعب الالتفاف عليها بالطرق السابقة. فموغابي استخدم وسائله المعهودة في الترهيب، ورغم هذا خسر حزبه الحاكم الجولة الأولى. وحرصاً منه على سلامة مؤيديه ووقف التنكيل بهم، انسحب تسفانغيراي من الدورة الثانية فكُتبت رئاسة الجمهورية للمرة السادسة لموغابي المولود في 1925. وكان من سجلات سلطته السوداء أن رجالها أقدموا، في سياق انتخابات 2008، على إحراق امرأة حية هي زوجة السياسي المعارض باتسون شيبيرو.

لكنْ، كإيان سميث من قبله، اضطر موغابي، تحت وطأة المقاطعة الخارجية والجوع الداخلي، أن يساوم. وفي سبتمبر 2008 وافق، بعد المماطلة، وبرعاية رئيس جنوب إفريقيا ثابو مبيكي، على تقاسم السلطة مع تسفانغيراي. بيد أن التقاسم تغلغل إلى جميع مراتب تلك السلطة ومفاصلها، فأمسك موغابي، كرئيس للجمهورية، بالسيطرة على الجيش، أقوى أعمدة حكمه، فيما تُرك لرئيس الحكومة الجديد، تسفانغيراي، الإمساك بالشرطة. وإذ تتحدث وسائل الإعلام عن صراع ضار بين من تبقوا من أقطاب "زانو" على وراثة الحاكم الفرد، تبدو زيمبابوي في مهب المجاهيل الكبرى والغامضة.

من ناحية أخرى، وبالقياس إلى الحركات التحررية والمقاوِمة التي شهدها القرن العشرون، يفهم المرء خصوصية الرمز الذي عبر عن كسر النظام العنصري في جنوب إفريقيا، نيلسون مانديلا. والحال أن وصف الخصوصية تلك بالفرادة، في ما خص التعامل مع موضوعات السياسة والعنف والتعدد، لا ينطوي على أي مبالغة.