يقول نزار قبّاني: «الحبّ في الأرض بعضٌ من تخيّلنا / لو لم نجده عليها لاخترعناهُ». وقد يختلف اثنان، أو اثنتان، على الحبّ موجودًا أو غير موجود، أمّا الفناء فهو حقيقة تشهر أدلّتها وبراهينها بنفسها وتملك القدرة على الإقناع بلا منازع. منذ كانت تفّاحة ورجل وامرأة حضر الحبّ وقطف القلب قبل أن يهمّ بقطف خطيئة حمراء على غصن. والإنسان منذ يعي أنّ الإنسان ذكر وأنثى، يتحرّك في داخله شعور غريب يتبادل وبوصلة العقل التأثّر والتأثير، فتصير الأرض فردوسًا حينًا، وجحيماً حيناً آخر، ويكون شعراء ورسّامون ونحّاتون فينسجون حكايات الحبّ بين نسمة وغصن، ونهر وصخرة، وعصفور وعصفورة... إذ إنّ الحبّ متى استوطن إنسانًا ضرب خيامه في كلّ ما حوله، ومتى غادر إنسانًا أشعره أنّ الدنيا كلّها تغادره...
في كتاب «الحبّ والفناء»، المرأة ـ السّكينة ـ العداوة، يفتح الأديب علي حرب باب الحبّ واسعًا، ويقرأ الإنسان، ولا سيّما المرأة، في مرآة القلب والعقل، معلنًا أنّ الحبّ يحمل في طيّاته النّعيم والجحيم، وأنّ العاشق الخبير يحسن الإبحار الصعب في مراكبه، فيعطيه ما أمكن من الحركة والتجدّد ليتفوَّق نسيم نعيمه العليل على نيران جحيمه.يعتبر حرب الحبّ أصلاً في كينونة الإنسان، وتجربة من تجارب الوجود، لها أن تغيّر حياة صاحبها، و{اختلاسة فردوسيّة عجيبة تختزل كيان العاشق بكلّيّته»... وبالحبّ يُستعبد المحبّ الاستعباد الجميل الذي لا يفقده الشعور بالحرّية كاملة، ويصل الشعور بالسعادة إلى النشوة حين يعرف من يحِب أنه محبوب أيضًا، ولا عجب إن قاس المحبّون أعمارهم بأوقات حبّهم. والحبّ متحوّل بين الأمس واليوم، فبعدما كان وليد الصدّ والمنع والتمنّع، أصبح اليوم ملازمًا للوصل القريب والسّهل، وما كان يُتاق الى رؤيته والتفرّد بمتعة الوصول الصعب إليه، أمسى بمتناول العين واليد، ما يعني أنّ الشّوق طائر لا يفتح جناحيه في خاطر عاشق وفراشة الدهشة لا ترفّ في خاطر معشوق. وبما أنّ الحبّ تطرّف وَلَهيّ، قد يذوّب الإنسان في من يحبّ، فإنّه معرّض للتحوّل كرهًا ورفضًا، وما هو استثنائي لا يدوم، وكأنّ حرب يدعو العشّاق إلى الاقتصاد العاطفي والتجذيف في مراكب العشق بحركة هادئة نسبيًّا، لأنّ التجذيف السريع يرهق البحّار والمركب والبحر. ومكمن الخوف هو في التعوّد، إذ إنّ العادة عدوّة الحبّ الذي من المفترض أن يكون حركة حياة متجدّدة، وذلك لئلا تتحوّل المنازل ساحات حرب وتنقلب المحبَّة عداوة. إذًا، العاشق الناجح هو من أحسن معالجة هواه ونجا من أن يكون فريسة رغباته العادية في صدره خيولاً بلا لجام. ويرى المؤلّف الرغبة متأثّرة بالثقافة والتجارب وعاملة بالمراوغة والمخاتلة، وعلى صاحب الرّغبة أن يوازن بين قدرته ورغبته فلا يترك رغبته تخفق كيلا تصير كابوسًا ولا يجعلها خارجة عن سيطرته عندما تنجح ليبقى قادرًا على التحكّم بها. وهكذا، نكون أمام إنسان يتقن توجيه مشاعره وضبطها بسلطة المعرفة الآتية من العقل، ما يعني أنّ العواطف التي لا يسوسها صاحبها تكون أوّل قطيع ذئاب يهدّده بالافتراس. فالفكرة والرغبة متلازمتان، وانفصالهما يعني الكارثة، وللرغبات أن تولّد أفكارًا، وللأفكار أيضًا أن تولّد رغبات. وللكاتب نظرته الخاصّة إلى حقوق المرأة التي يخشى عليها من الرجال المطالبين بحقوقها ومن النساء اللواتي هنّ من أصداء الرجال، فالرجل يرى حقوق المرأة من خلفيّته الذكوريّة، بينما الواقع يدعو المرأة حرّة مستقلّة من تأثير الرجولة للمطالبة بالحقوق التي تنسجم مع ماهيّة المرأة وطبيعتها وحاجتها وخصوصيّتها... الخطاب الذكوري ينبئ بحال الذكورة ويفصح عن وجودها، «وموضوع الخطاب يدخل، لا محالة، في سلطة واضع الخطاب»، فالمرأة وحدها تكتب خطابها لتكون في وجودها كما تريد أن تكون، لا كما يريدها الآخرون كائنة. ويرمي حرب إلى مواجهة «التشبيه الذكوري»، أي رَفضْ خَلعْ أوصاف الرجل على المرأة بهدف تحريرها من سيطرته، وفي الوقت نفسه يرفض «التشيبه الأنثوي» الآتي من «توهّم المرأة لقدرتها على تحرير الرّجل». ويسترسل حرب في مديح النساء بأسلوب أدبيّ لافت، ويعلن الدنيا بلا المرأة مقام جدب ووحشة، ويمدّ يده إلى سلال اللغة ويأتي للأنوثة بأجمل الصفات، ويبرّر الموت لأجلها ويجد الجنون بها أعقل الجنون.وعلى رغم الاختلاف بين الرجل والمرأة فإنّهما بالنسبة إلى حرب مِثلان. فالمرأة من الرّجل وهو منها أيضًا، وبانتفاء ذلك تنتفي الألفة والمساكنة. وللشبيه توق وانجذاب إلى شبيهه، وتجلٍّ وتجسُّد به، والإنسان يرى صورته في من يحبّ: «إذ الإنسان إنّما يحبّ نفسه في أصل الحبّ. وإذا كان الإنسان مرآة للآخر في الحبّ فلأنّ الإنسان يعجز عن أن يرى نفسه بنفسه، فيلجأ إلى رؤيتها بغيره».والتماثل إلى حدّ بعيد بين الرّجل والمرأة لا يصادر مساحة الاختلاف بأوجهه المتعدّدة. والاختلاف سبب رئيس للانجذاب، ويجب قبوله ليقيم كلٌّ في اختلافه، وبهذا يبقى للمرأة حضورها الأنثويّ المتميّز، وللرّجل فرادته المحتفظة بالهيبة والسلطان، حتّى وهو عبد لمن يحبّ. وما يخاف ويخشى أن تغيب لعبة التشويق لبعدٍ طويل أو لبذلٍ كثير: «فإنّه إذا ما ملَّ الجسدُ ملَّ القلب، كما قالت العرب». ويحسم حرب القيادة للرّجل ولو في الأمر ظلامة، ومردّ هذه الظلامة إلى طبيعة الاجتماع البشريّ التي تفرض ظالمًا إمّا أن يكون الرجل وإمّا أن يكون المرأة. ويرى حرب في تعدّد الزوجات ظلمًا يقع على المرأة التي تكره التعدّد شأن الرجل الذي يكره ويرفض قطعًا تعدّد الأزواج. ونساء النبيّ الذي شرّع التعدّد ما أطقن التعدّد لأنّه لا يكون إلا مصلحة لطرف على حساب آخر. والاكتفاء بالزوجة الواحدة هو من مروءة الرّجل.ووجد الكاتب في تجربة رابعة العدويّة مثالاً للمرأة الزاهدة التي وصفها برائدة الحبّ الإلهي. فرابعة تركت هوى الدنيا بعدما كانت أسيرته بكلّيّتها، وماتت عن حبّ لتستمرّ فيه من وجه آخر، على سنّة المتصوّفين الذين يفنون من شدّة تعلّقهم بالخلود. ورابعة شهيدة من كبار شهداء الحبّ، لأنّ الحبّ يبقى حبًّا بصرف النظر عن تغيّر هويّة المحبوب ولو من إنسان إلى إله، ولو أنّ المحبوب لا يحبّ، فرابعة مع الحبّ من طرف واحد، وهي أحبَّت الله و»الله لا يعشق في الحقيقة إلا ذاته». وفتح صاحب «الحبّ والفناء» كتب العرب القديمة فوجد فيها مؤونة لافتة عن الحبّ والجنس والعشّاق، ولفَتَه «انتظام خطاب مستقلّ في الحبّ»، مثلاً تناول ابن حزم الحبّ موضوعًا وعالجه بصراحة العارف مستشهدًا بتجاربه الشخصيّة. وخطاب الحبّ لدى العرب يعترف بعجز اللغة عن الإحاطة بحقيقة المحبّة. والصوفيّون اعتبروا المحبّة حالاً: «والحال لا يُدرك بالحدّ والدليل، بل بالذوق، كما رأى ابن عربي». وفي حديثه عن الجمال يربط حرب بينه وبين الكمال، كما هو الأمر: «بحسب النظرة العربيّة الإسلاميّة لموضوع الجمال». والأنصاري أن لا جمال بلا الكمال، والنفس البشريّة تتوق إلى الكمال لأنّه يظهر الجمال. والكمال من حيث المعنى يكون في اجتماع صفات الشيء الإيجابيّة. وتبقى المحبّة ثمرة المعرفة، وسبب حب الإنسان هو معرفته، والإنسان يسعى الى المعرفة من أجل المحبّة ومع اكتمال المعرفة وترسّخ المحبّة تصير كلّ واحدة منها قادرة على إنتاج الأخرى. والحدس هو أساس المعرفة التي تشرحها الفكرة، سواء لدى ابن سينا أو لدى هايدغر. وفي سياق حديثه عن الجمال تطرّق حرب إلى اللذّة باعتبار الحبّ ابتهاجًا وما الابتهاج سوى ضرب من ضروب الالتذاذ. ويخلص المؤلّف إلى أنّ اللذة الحسيّة لا تروي الغليل، ونفوس العاشقين ترغب في الامتزاج على طريقة ابن الروميّ: «فيا لك من نفس ليس يشفي غليلها / سوى أن يرى الروحين تمتزجان» (هكذا ورد البيت حرفيًّا في الكتاب وفيه أكثر من خطأ).أمّا الفناء، فهو بنظر حرب، أداة مفهوميّة خصبة في الخطاب العربي الكلاسيكيّ عن الحبّ، وتحديدًا خطاب أهل التصوّف الذين وجدوا الفناء آخر مقامات المحبّة وغاية العشّاق التي ما بعدها غاية، وقال هيغل: «بالحبّ وحده يتّحد الإنسان بالموضوع»، لتصير الذاتان ذاتًا واحدة.«الحبّ والفناء» كتاب يحرّض على العشق، وفيه ما يشبه الدليل لكلّ عاشق، ولا شكّ في أنّ المفكّر والأديب علي حرب كتبه بما أوتي من عقل عارف وقلب طاعن في الحبّ حتّى الفناء.
توابل
علي حرب في الحبّ والفناء... النعيم والجحيم يقيمان بين الرغبة والفكرة
03-09-2009