في الأيام الماضية، ومع اقتراب موعد الامتحان حيث يُكرَّم الفيلم (وصاحبه) أو يُهان، سوِّقت الأفلام الشرق أوسطية كما لو كانت رُتّبت لتظهر معاً أو لا تظهر إطلاقاً.في اليوم الأول عُرض فيلمان واحد إسرائيلي والآخر إيراني، وفي اليوم التالي عُرض فيلمان مصريان. بذلك أُحيط بثلاث دول تقف على خطوط تماسٍ مختلفة في ما بينها حيث تلتقي في فتح ملفّات المنطقة وتختلف في وجهات النظر من حولها.
الفيلم الإيراني، ليس إيرانياً بالمعني الحرفي للكلمة، فالمخرجة شيرين نزهت تعيش في نيويورك وتموّل أفلامها من شركة ألمانية، لكنه إيراني الموضوع والشخصيات والملف الذي تفتحه لم يتطرق إليه أحد قبلها (إلا ربما خلال الخمسينات وفي إطار السينما الإيرانية ذاتها آنذاك)، وهو موضوع المشاكل السياسية والاجتماعية التي سادت الحياة الإيرانية في العام 1953.ها هي حكومة محمد صادق تواجه تحديات الغرب وها هو الشاه يأمر القوات العسكرية بإخماد ما رآه ثورة شعبية مؤيدة لرئيس الحكومة ضدّه، ثم ها هي مجموعة من النساء، وهنّ صلب الموضوع، عليهنّ التعامل، بشكل مباشر أو غير مباشر، مع الوضع الحاصل. ربما كان الرجال أيضاً يعانون، لكن بطلات المخرجة في فيلمها الروائي الأول {نساء بلا رجال} يعانين فوق ذلك كونهنّ نساء.نساء بلا رجالينقسم {نساء بلا رجال} رغماً عنه الى قسمين، وكلّ قسم يبدو كما لو كان يريد السطو على الحيّز الأساسي من الفيلم. الأول له علاقة بالأحداث السياسية وكيف تجد إحدى بطلات الفيلم نفسها مشدودة للالتحاق بالحزب الشيوعي (ثلاثة أفلام في المسابقة الى الآن عن أحزاب شيوعية أو مواضيع لها علاقة بالشيوعية: إيطالي وتايواني والآن إيراني) والآخر له علاقة بمصير ثلاث نساء لكل منهن قصّة مختلفة تنتهي بها لطلب السلامة من شر البشر والمجتمع في منزل قابع في بستان كبير، مثل جنّة صغيرة يرتحن بها قبل الرحيل الأخير.الفيلم المصري الأول هو {واحد صفر} لكاملة أبو ذكرى، وهو يتحدّث عن مصر اليوم من خلال شخصيات عدة تجسّدها نهاية تجمع بين معظمها. إنها القاهرة خلال يوم سينتهي بانتصار فريق كرة القدم المصري. تقع الأحداث كلها خلال 24 ساعة سابقة ستؤدي الى تلك المباراة ليس لأن للأخيرة بذاتها علاقة مع ما يدور في ملعب الحياة، بل لأن النصر الذي سيحدث يصهر الخلافات ويوحّد الناس في نهاية تعكس حب المصريين لمصر على رغم كل ما يعانونه فيها من آلام وأحياناً بسببها.في تلك الليلة الحاسمة ستلتقي شخصيات الفيلم التي تعاركت طويلاً مع طموحاتها ومع فقر بعضها أو ضياع بعضها الآخر لتجد أن عليها الاستمرار في الحياة ولا حلّ آخر. قد تكون الظروف الاجتماعية والاقتصادية خانقة لكنّ ليلة من فرح الانتصار ستغسل الآلام والجراح والإحباطات لحين. شخصيات تحاول تحقيق الطموحات والانتصار فوق العجز الناتج من قلّة الحيلة وعبء السنين والوضع المعيشي الخانق. لكنّ تلك النهاية التي يرقص فيها المصريون في الشارع تجسيد لحب مصري يمسح، ولو لحين، تلك الآلام كلها التي يعيشها الشعب المصري نتيجة الظروف الاقتصادية والأحلام الكبيرة التي تواجهها جدران من الإحباطات والمشاكل المختلفة وتحول دون تحقيقها.فيلم كاملة أبو ذكرى رائع في قدرته على التعامل مع تلك الخيوط كلها من دون الغرق في أي من التبعات. لا حبكات ملتوية ولا غموض مواقف ولا غلاظة في عرض الأحداث ولا ضياع وثقل كاللذين تعرّض إليهما فيلم {ليلة البايبي دول} حين حاول حشر مواقف الدنيا كلها في موضوعه، فتاه في أزقّة المحاولة من دون تحقيق وجهته المطلوبة. الممثلون جميعاً جيّدون خصوصاً غير المعروفين بالضرورة، مثل نيللي كريم وأحمد الفيشاوي وانتصار، وقد منحت المخرجة ممثليها مواقف عصيبة برهنوا فيها عن عواطفهم كما حسن أدائهم وترجماتهم تلك العواطف. الناحية المكرَّرة الوحيدة التي يجب الوقوف عندها هي حركة الكاميرا ما بين شخصين في المشهد الواحد. ليس التصوير بذاته (فهو رائع بفضل نانسي عبد الفتاح) بل تصميم اللقطة التي حددتها المخرجة كما رأت أنها ضرورية.مسافر الفيلم المصري الآخر {المسافر} لأحمد ماهر هو طينة مختلفة كلّياً. عمل جدير جدّاً بالاهتمام لكنه يطرح في نهاية الأمر التساؤل المشروع حول ما إذا استطاع حقّاً تجسيد ما يريد قوله، والأهم ما هو هذا الأمر الذي يريد قوله؟تبدأ أحداث الفيام عام 1948 لتنطلق بعد ذلك الى أحداث تقع عام 1973 وبعدها الى أحدات تحصل عام 2001 وإذا ما بدت التواريخ محددة بأحداث جسام (ضياع فلسطين، حرب اكتوبر ثم كارثة 11 سبتمبر) فإن المغزى من اختيار تلك السنوات كأطر لأحداث الفيلم المنتقلة من مرحلة الى أخرى، ليس واضحاً والخوف ألا يكون سوى توظيف للأحداث المصرية والعالمية في تلك السنوات من دون دلالات دامغة أو محددة. وإذا كان المخرج يقصد فعلاً مثل هذه الدلالات لمعانٍ يعتقدها موجودة في الفيلم، فإن الأخير بحاجة الى أكثر من مجرد القصد لإنجاز مهمّة الربط بين الحدث المرتسم على الشاشة وبين التاريخ خصوصاً أنه ذكر الحدث الأعم مرّة واحدة في الحوار، وذلك في الفصل المتعلّق بأحداث عام 1973 عندما تذكّر إحدى الشخصيات شخصية أخرى بأن الدنيا تعيش حرباً.ومع الانتقال الى الفصل الثالث (وظهور عمر الشريف فيه للمرّة الأولى) نتابع ما يفترض به أن يكون نهايات ما سبق لولا أن المخرج يفتح صفحات جديدة متّصلة نظرياً بماضي ما شاهدناه وتتضمن أسئلة كثيرة تضاف الى الأسئلة السابقة التي لم يقدَّم الجواب عنها لا مع نهاية كل فصل ولا مع نهاية الفيلم ذاته.ما يغلب على الفيلم إنجاز مشاهد تترجم بصرياً لوحات في البال يريد تحقيقها. وفي هذا الإطار الفيلم مناسب مع تلك الرغبة ويحقّقها، تصميماً وأجواءً وحركة كاميرا وبطء إيقاع.ثمة مشاهد رائعة فعلاً، منها رمي الجياد نفسها من الباخرة (للمرّة الأولى في السينما) لكن ما رمز تلك الجياد في الفيلم، وكذلك الحمام الطائر في داخل البيت لاحقاً؟ الجيادهذا الأمر يحبط المشاهد كثيراً. ففي أفلام أخرى شاهدنا فيها الجياد (في أفلام سيرغي بارادغانوف مثلاً)، الحصان رمز القوّة المنطلقة والحمام الأبيض في معظم أفلام الحرية والسلام، لكن أين مكمن هذا الترميز في {المسافر} وأين المرموز إليه؟ بين العملين المصريين، فيلم كاملة أبو ذكرى أقل استعراضاً للعضلات الفنية من فيلم أحمد ماهر المشغول بعين فنيّة جيّدة، لكن الأول هو الأهم شأناً ولا يقل جهداً وبذلاً أو جودة عن الآخر. بالإضافة الى ذلك يُعرض {واحد صفر} في قسم بعنوان {آفاق} وليس في المسابقة كحال الفيلم الآخر.
توابل - Movies
الفيلم العربي الصحيح في المكان الخطأ واحد صفر لمصلحة فيلم كاملة أبو ذكرى
13-09-2009