صدر للباحثة باسكال فغالي كتاب «حي الصنائع في بيروت»، وهو العدد الرابع من دفاتر «المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى»، وفيه مزجٌ بين الكلمة والصورة، إذ ترافق النصّ مجموعة ألبومات تعكس حياة الناس في الحيّ البيروتي.

Ad

يقدّم الكتاب رحلة استكشاف للمعالم اللامرئية في حي له مناخه في بيروت، وتبين باسكال عبر اللغة والصورة ممارسات سكان الحي الاجتماعية وطقوسهم وعلاقاتهم وأعيادهم. الكتاب والألبومات المرافقة جزء من أطروحة لنيل شهادة دكتوراه في الأنثروبولوجيا البصرية في جامعة باريس العاشرة.

يأتي كتاب باسكال في خضم الضجة التي أثيرت حول قرار بلدية بيروت تحويل الحديقة إلى مرآب للسيارات واعتراض أهالي المنطقة وبعض الجمعيات على القرار. مشهد حديقة الصنائع فيه الكثير من الأسى، وقرار البلدية كان اعتباطياً وعشوائياً، أي أنه لا يحترم المكان والذاكرة، خصوصاً أن بيروت باتت تتجه نحو أن تكون مدينة صماء خالية من الفسحات الهوائية والمشهدية الخضراء، والأشد فداحة إهمال الحديقة التي تبدو كأنها متروكة للخراب والزمن. الأرجح أن «صمودها» مرتبط بزوارها وهواة لعب الورق وبأشجارها.

مشهد حديقة الصنائع يشير الى أن الزمن العثماني في جانب منه، وفي زمنه كان أكثر حداثة من الزمن الراهن. وفداحة البلدية أنها لا ترى في الحديقة إلا مجرّد عقار تنبغي الاستفادة منه مادياً، ولا تفكر في معنى المكان في الذاكرة والثقافة، وبدل أن تسعى الى جعل الحديقة حديقة فعلية وفاعلة، تريد عن قصد القضاء على ما تبقى منها. على أن بعض المقالات الأيديولوجية على سخافته حاول أن يقارن اعتباطياً بين حدائق الوسط التجاري وحديقة الصنائع في منظور طبقي سخيف وساذج، فيما أدخلت مقالات أخرى الأيديولوجيا في قضية مكان، فدافعت عنه لأن بعض الأهالي نزح إليه خلال حرب يوليو (تموز) 2006 وصار مرآة لمأساة عاشها لبنان بسبب العدوان الإسرائيلي.

رواية

حسناً فعلت باسكال فغالي في إصدارها كتابها الذي يسلط الضوء على المكان وناسه، هذا المكان الذي بات له عالمه، ووقعه في الذاكرة اللبنانية وفي الرواية والشعر. ففي السابع من أبريل (نيسان) عام 1983 شهدت حديقة الصنائع إعدام المدعو إبراهيم طراف لقتله كل من ماتيلد الحلو وولدها مارسيل باحوط بعد أن استأجر غرفة في منزلهما في منطقة الصنائع. في التفاصيل، أنه بعد شجار مع صاحبة المنزل طعنها طرّاف وولدها في الواحد من ديسمبر (كانون الأول) عام 1979 بالسكين وأرداهما صريعين، ثم قطعهما إرباً وجمع أشلاءهما في كيس نايلون ورماها في بؤرة قرب حديقة الصنائع.

يذكر بعض العارفين بالجريمة أن القاتل كان متديّنا يدرس المحاماة وينظم الشعر ويكتب البحوث القانونية، ويؤمن بالجن والعفاريت وتحضير الأرواح. ويبدو أنه كان مصاباً بهوس جنسي أُرغم على إخفائه.

أُعدم طراف، ولما اجتمعت الجريمة مع الحديقة والإعدام، في خضم التحولات السياسية والأمنية في بيروت عقب تصاعد النفوذ الميليشاوي وهجرة الكثير من أبناء المدينة، استحوذ هذا المشهد على اهتمام بعض الروائيين اللبنانيين، والمسرحيين عبر عدد من الأعمال، بينها رواية «جريمة في البيت» ليوسف سلامة الصادرة عن «دار نلسن»، وتتضمن وثائق عن محاكمة طراف، يمزج فيها الروائي الكتابة الوثائقية بالروائية، ما فتح للرواية العربية الحديثة آفاقاً جديدة.

بدوره، كتب الروائي حسن داوود عن حديقة الصنائع في روايته الشهيرة «بناية ماتيلد» حيث تتألق العمارة المذكورة مع تألق البورجوازية اللبنانية الصاعدة في الخمسينات، ثم تؤول مع الزمن الى ذبول محقق يطيح بها وصاحبتها.

جعل داوود العمارة مدار روايته الأولى، فرسم فيها صوراً ومصائر روائية للسكان، ومن بينهم طراف نفسه، قاتل ماتيلد باحوط وابنها. أما وضاح شرارة فجعل الرواية هذه محور كتابه «المدينة الموقوفة»، أي بيروت التي «ينقسم المقيمون بين لاجم رغبته المجنونة، وليدة المدينة، في رواية وبين مسترسل مع رغبته التي تنتهي به الى قتل المدينة وتمزيقها أشلاء». فيما استوحى روجيه عساف من الرواية نفسها مسرحيته الشهيرة «جنينة الصنائع»، التي تصوّر حادثة محورها شاب يدعي خليل‏، متهم بقتل السيدة إيفون صاحبة الشقة التي كان يسكنها عام ‏1979،‏ والتاريخ هنا مهم وأساسي كما في عروض روجيه التي يتعانق فيها الواقعي مع الفانتازيا‏، وتنتهي المسرحية ونحن نستمع إلى رواية عجوز فلسطيني عن مشهد شنق خليل في جنينة الصنايع.

إنها رواية المستفيدين بسبب فقدان الهوية في الوقت الذي كان الناس فيه يقتلون على الهوية‏. في الخاتمة، يقذف أبطال المسرحية بالجثة في مواجهة الجمهور،‏ ليبقي البطل البريء جثة تتأرجح في الجنينة.

تحولت الحديقة منذ عام 1992 إلى فضاء مفتوح لأنشطة كثيرة قامت بها الجمعيات والمحترفات الفنية. فكانت بداية انطلاق جمعية «أشكال ألوان»، ونقطة لبث بعض البرامج التلفزيونية، وبعض الحفلات الشبابية التي لم يقدر أصحابها على دفع تكاليف العرض في المسرح.

الحديقة التي تبرّع بها آل طبارة عام 1908، اكتسبت اسمها من مدرسة مهنية لتعليم الصنائع والفنون أنشأها السلطان عبد الحميد الثاني في منطقة «حي الرمل» التي لم يبق منها رمل ولا صنائع. وحدها الحديقة بقيت بحجارتها الرملية المشابهة لحجارة المدرسة التي تحوّلت مقراً حكومياً.

حافظت الحديقة على معالمها ونمت فيها أشجار الكينا المعمرة التي تجمع تحتها الأولاد والأسر والرجال بحثاً عن بعض السكينة. وهي قرب كلية الحقوق سابقاً التي ينبغي أن تصبح مكتبة وطنية.

فداحة محاولة بلدية بيروت تحويل حديقة الصنائع إلى مرآب للسيارات تقابلها إيجابية في قرارها تحويل منزل طفولة فيروز مركزاً فنياً، وتحويل بناية بركات متحفاً للذاكرة، لكن في انتظار التنفيذ.