كأنه اكتشف فجأة ذلك الشيب في شعره وآثار الزمن الواضحة على قسماته ومجمل تفاصيله، بات ينتمي إلى نوادي الكآبة والاكتئاب، لا يوجد داخله إلا مزيد من نصوص تبحث في ماهية الموت وسيناريوهات الرحيل...

المؤكد أن برودة الطقس ومأساوية الأوضاع من حوله حاصرته داخل تلك المساحة التي دخلها قهراً... اختياراً... لا يهم فلن يتغير من الأمر شيء. كان يحدق في مياه البحر ويتمتم:

Ad

- ما الذي يباعد بين مجرى ومجرى؟

- أين الأصدقاء؟

الحقيقة التي لا تقبل الشك أن البعض منهم غربلته الحياة، والبعض الآخر أخذته إلى الضفة الأخرى التي لا يعود منها أحد، ومن تبقى منهم لا مجال للتواصل الحميم معه كما اعتاد دوماً. المحصلة، لا يوجد الآن من يصغي إلى قصصه، بات وحيداً وغريباً. يشعر بالوحشة، افتقد دهشة الصغار في التعامل مع العالم والأشياء، عانده الوتر واستعصى اللحن، لم تعد هناك إجابات، بل أسئلة والتباسات...

بلدي والنيل قدامي

وحبايبي اللي وحشني

بيزورني فـ عز منامي

غنى حمدي بلسان عفاف راضي أغنيتها الشهيرة «الغربة»، ترجم من خلالها مشاعره وهو هناك غريب وحيد، عاجز عن التعايش، يجثم الصمت على صدره لا شيء غير تلك النظرات الصارمة التي تباغته أحياناً، ثم يعقبها الانصراف والتجاهل.

يمر اليوم بطيئاً موحشاً... النهار كئيب والليل مفزع. لا يوجد ما يملأ القلب بهجة، كان حمدي يختنق يوماً بعد آخر، تتسرب روحه من جسده، تنسل تدريجاً، يجتهد في تجاوز هذا الشعور وتوابعه فلا يفلح، تركض الأيام مسرعة ولا مجال لمساومتها بالتمهل وهي تخطف الأسابيع والأشهر والسنوات.

تنهد حمدي بحرقة وتمتم: «طول عمري بأسمع إن فلان في المنفى، بس عمري ما فهمت يعني إيه منفى إلا لما جربته... شيء بشع».

مجدداً الغربة والاغتراب، مأساة حمدي المدمرة، الألم الذي لم ينجح في تجاوزه، «الوجود» وليس «العيش» الذي لم يفلح في تحقيقه، فليس كل عيش وجوداً. كان يشعر أنه طُرد من الجنة، يعيش محملاً بالأسئلة والهموم، فيما منديله المعقود فارغاً لا يقبض على حكمة قد يستظل بها...

قال شقيقه د. مرسي: «السنوات التي عاشها حمدي بعيداً عن مصر غريباً عن وطنه هي التي عجلت بوفاته وسهلت للمرض أن ينهش جسمه ويفترسه في النهاية».

ما ذكره د. مرسي حقيقة لا تقبل الجدل أو الشك، وهو ما أكده أيضاً الإعلامي وجدي الحكيم، فحمدي عاد من سنوات غربته اللاإرادية شخصاً آخر مدمراً نفسياً وصحياً.

حمدي الذي عاش حراً دائماً، متحرراً من كل ما يعيق فكره وإحساسه لم يتحمل الحرية خارج حدود وطنه، أدرك أنها سجن كبير، والسجن والقيود وجهان لعملة واحدة عنده وهي الموت.

أوضح وجدي الحكيم: «لم يهرب حمدي قبل صدور الحكم عليه بالسجن كما قيل، لكن شأنه شأن أي مواطن متهم في قضية ويريد أن يحمي نفسه قرر أن يسافر، خصوصاً بعدما أثارت الصحافة الرأي العام ضده، ثم كان لا بد من استئناف الحكم وهو في مأمن، فلم يكن ليتحمل أن يغلق عليه باب السجن. حتماً كان سيفارق الحياة في لحظتها لأن الحياة عنده تعني الحرية والقيود تعني الموت».

لكن الغربة أيضاً كانت موتاً من نوع آخر لم يتحمله حمدي، صانع النجوم والألحان المتميزة، اختلط عليه الأمر فلم يفهم هل ما يراه جزءاً من سيناريو حياته فعلاً، أم فيلماً سينمائياً سخيفاً ومزعجاً وشديد المأساوية.

ذكر حمدي: «كنت بقعد أقرأ الجرايد والمجلات عشان أعرف بيكتبوا إيه عن القضية. كنت ساعات بضرب دماغي في الترابيزة. مش ممكن اللي كانوا بيكتبوه ده... كنت حاسس إني بقرأ عن قضية تخص واحد تاني».

عن تلك السنوات حكى محمد رشدي صديق عمره قائلاً: «كنت في لندن عندما تلقيت خبر الحادث المشؤوم، فسقطت من طولي لأني أدركت أن حمدي لن يتحمل عواقب ما حدث، وفعلاً قابلته بعدها وكان حزيناً بشدة لما كتب عنه ولأنه أيضاً لا يستطيع دخول مصر، أغلى مكان في نفسه. كان يحبها بجنون وتسقط الدموع من عيونه إذا ما ذكرت أمامه»...

حبيابنا عاملين إيه

في الغربة وأخباركم إيه

مرتاحين ولا تعبانين

فرحانين ولا زعلانين

مشتاقين ليكم مشتاقين

من عيونكم محرومين

وابعتولنا...

مع الطير اللي راجع... سلام

مؤكد كان لحمدي في مصر أصدقاء ينتظرونه ويجتهدون في التخفيف عنه قدر استطاعتهم. كان رهانهم يقينهم أنه عائد مهما غرّبته الحياة، سيعود مثابراً، صلباً وقوياً، وستخط أنامله ما تلتقطه أحاسيسنا بفرحة فيسكن وجداننا بسلام... لكنه عاد شخصا آخر «كلته الغربة» بحسب شقيقه د. مرسي، حتى بعدما استعاد كرامته وحصل على البراءة لم يستطع التواؤم مع الحياة مجدداً.

قال الأبنودي: «بعد رجوع حمدي من الغربة كان شخصاً مختلفاً، قفل عليه بابه، كما لم يطرق بابه أحد لمدة عامين، لا شباب ولا عواجيز باستثناء أصدقائه القدامى، خصوصاً أنا ورشدي، حتى المطربين الذين صنعهم حمدي وعمل لهم قيمة مثل سميرة سعيد ولطيفة تهربوا منه... لم يذهبوا له خشية الشبهة الأخلاقية».

وفي آخر كلام قاله حمدي لهيثم ابن شقيقه وهو على فراش مرضه الأخير: «أصحابي أغلبهم تخلوا عني، باعوني، لم يقفوا جنبي، ولو رجعت بي الحياة سأعيش بطريقة نفسها بس ح اختار أصحاب تانيين».

اتهام قاس وجهه حمدي إلى الأصدقاء الذين اقتسموا معه رحلة الحياة، كان على عتبات النهاية حيث الرؤية أكثر وضوحاً وشفافية، فالغربة حتماً أدخلته إلى مساحات أخرى من المعرفة غيرت أحاسيسه ومشاعره وحساباته أيضاً، تيقن أنه منح أولئك «عابري السبيل» بحياته مفاتيح مدينة لم يحاربوا لأجلها ولا يستحقون شرف الانتماء إليها...

وعايزنا نرجع زي زمان

قول للزمان ارجع يا زمان

وهاتلي قلب لا داب ولا حب

ولا انجرح ولا شاف حرمان

تعتب عليا ليه أنا بإيديه إيه

فات المعاد فات... فات المعاد

في العودة إلى أزمنة الحنين يتوقف الزمن على الصور القديمة والمشاعر الحلوة... يظل الخيال عالقاً بها، نجترها بحسرة حيناً وبشوق أحياناً. نحب بعضها ونكره البعض الآخر، غير أننا في رحلتنا لن نلغي الحقيقة القائمة: ذهبت تلك الأيام بكل ما تحمله من شخصيات وتفاصيل إلى حيث صندوقنا الأسود القابض وحده على الصدق...

هل كان حمدي بحاجة إلى «تفعيل الحنين»، أم كان يستعرض شريط الحياة بروافده الواقعية والافتراضية، ويشكو بحسرة ومرارة؟ أم لعلها حكمة مريرة تتصاعد ببطء ومع آخر نفس؟

المؤكد أن السؤال سيبقى معلقاً... هل تخلى عنه الأصدقاء في محنته؟

أوضح الإعلامي كامل البيطار أحد الذين ربطتهم الصداقة بحمدي لأكثر من 30 عاماً في الشهادة التي ضمنها أيمن الحكيم كتابه عن سيرة حمدي: «على رغم أن الحادث المشؤوم وتوابعه أثرا على مستقبلي المهني بوصفي أحد ضيوف الحفلة المأساة، إلا أنني لم أتخل عنه وصممت أن أسافر إلى لندن بعد أن أقام فيها في أول سنوات الغربة. صممت أن أسافر كي أحتفل معه بعيد ميلاده وليعلم الله كيف تدبرت مصاريف السفر، وكم أرهقني ذلك مالياً ولفترات بعدها. صممت أن أسافر كي يشعر أن أصدقاءه ما زالوا إلى جانبه، وأخفف عنه آلامه النفسية الرهيبة التي كان يعانيها، فمصر بالنسبة إليه كانت كل شيء والبعد عنها، خصوصاً عندما يكون مرغماً عليه بمثابة حكم بالإعدام».

هكذا لم يشعر البيطار بأي ندم على وجوده في حفلة في منزل صديق انتهت بمأساة، ظل يمد معه حبل الوصل. يحكي قائلاً: «في الأسبوع الذي سبق عودته إلى مصر كي يمثل أمام القضاء العادل الذي أنصفه وأعاد إليه الثقة في نفسه وبرأ ساحته أمام الجميع كان يتصل بي يومياً ويبث لي خوفه وقلقه:

- تفتكر يا كامل حاخد براءة فعلاً؟

- أكيد يا حمدي... قول يارب.

واصل البيطار: «يوم رجوعه وقبل مغادرتي بيته قال أمام الجميع «كامل هو اللي هييجي يا خدني من البيت ويوديني للمحكمة بكرة»...

ده عيش وملح وعمر تاني بحالوا

بس الزمان... عمره ما هناني

ردوا السلام وما تطلعوش في العالي.. يا سلام

تنفي الفنانة عفاف راضي تخليها عن مكتشفها وصانع نجوميتها قائلة: «ليس صحيحاً ما ذكره الشاعر عبد الرحمن الأبنودي من أن المطربات اللاتي وقف حمدي إلى جوارهن وكانت ألحانه سبباً في شهرتهن تخلين عنه بعد عودته، فالصحيح أن حمدي هو الذي ابتعد، فهو إنسان حساس جداً وعنده كبرياء مفرط ولم يكن من السهل عليه أن يلحظ في عيون صديق يعرفه نظرات الشفقة عليه بعد أن داهمه المرض اللعين، لم يكن من السهل على فنان مثله مرهف الحس أن يرى الناس آلامه بعد أن رأوه في عز مجده وتألقه وهو الذي عاش الطفل المدلل في الوسط الفني لسنوات»...

مجدداً، أكّدت عفاف: «لم أتخل عنه، ولم أستغن عن ألحانه أيضاً فقد كنت دوماً على اتصال به، وهو كذلك لم يتردد في الاتصال بي عندما يجد أغنية مناسبة تصلح لصوتي. لم أنقطع عن ألحانه حتى في أيام غربته، فمثلاً من باريس أرسل لي أغنية «وعدي ع الغربة» مسجلة على شريط كاسيت وسجلته فعلاً كما أراد تحديداً».

تابعت: «تحضيراً لإحدى حفلات أكتوبر التي كان سيحضرها الرئيس مبارك اتصلت بحمدي في باريس وسألته إن كان لديه لحن يصلح لتلك المناسبة، وفعلاً أسمعني أغنيته الرائعة «رغم البعد عنك» وهي من كلماته وتلحينه ويقول مطلعها:

رغم البعد عنك... عمري ما ح أنسى إنك

أمي وإني ابنك

وكلي حتة منك

أنا زهرة من ولادك...

أنا منك من ترابك

أنا شوق تايه في الغربة... بيغني في انتظارك

عنوة فيها بقولك

وحشتيني يا مصر...

وغنت عفاف الأغنية، تحملت المخاطرة بالغناء لملحن في نظر القانون «هارب من العدالة»، كانت مهمومة كما أكدت بأن «توصل الرسالة» إلى مستحقيها، فقد شعرت بما تضمنته الأغنية من شوق ولهفة واحتياج، ومن تقدير ومحبة، والأهم من وصف لحالة حمدي ومشاعره بدقة في سنوات الغربة، لذا كانت حريصة على تقديمها في الحفلة وكأنها لسان حاله.

المؤكد أن الجميع شعر أيضاً بمضمون الرسالة حتى أن الملحن حلمي بكر قال حينها لعفاف: «أنا بكيت لما سمعت الأغنية لأن حمدي عاملها بدمه»...

وحشتوني وحشتوني وحشتوا عيوني

وفكرتوني باللي كان

ورجعتولي يا حبايبي

لأيام فات عليها زمان

وحشتوني وحشتوني ولسه حتوحشوني

كمان

كانت المذيعة في مطار القاهرة الدولي تعلن عن وصول الطائرة القادمة من باريس، فيما حركة غريبة غير معتادة أمكن تلمسها بوضوح في الصالة المخصصة لاستقبال الركاب... وجوه مألوفة، نجوم ومشاهير لا تخطئها عين، لكن لا أحد يعرف على وجه الدقة السر وراء هذا الجمع.

المؤكد أن الدقائق مرت كالساعات قبل أن يظهر حمدي بصحبة شقيقه د. مرسي الذي حضر معه من باريس، يرافقهما الإعلامي كامل البيطار الذي أصر أن يكون في استقبالهما على سلم الطائرة...

اجتاز حمدي البوابة الحديدية يدفع أمامه العربة المحملة بالحقائب، اقترب من ضابط الجوازات والجميع كان يراقب ما يحدث ويحبس أنفاسه في صمت. بدا الأمر أقرب إلى مشهد سينمائي مثير حيث الموسيقى تتصاعد تدريجاً، متوافقة مع خطوات حمدي قادماً نحو الضابط وتتداخل مع أنفاس الجميع.

هل سيتم القبض على حمدي في المطار، ثم ترحيله إلى السجن فوراً، أم سيفرج عنه مرحلياً على أن يمثل أمام القضاء في صباح اليوم التالي، موعد المحاكمة؟

المؤكد أن حمدي نفسه كان مهيأ للاحتمالات كافة، في ما عدا أمر واحد أسقطه من حساباته عمداً لا سهواً، إذ لم يدر في خياله حتى أن يستقبل بهذه الحفاوة كلها من الضباط أو العاملين. اختلطت الدموع بختم الوصول الذي ذيل به الضابط جواز سفره وهو يبتسم ويرحب بعودة حمدي سالماً إلى أرض الوطن...

والنبي وحشتنا وحشتنا وحشتنا

في غيابك عننا وحشتنا وحشتنا

دا احنا من غيرك ولا حاجة

ونقصنا كام مليون حاجـة

من يوم ما فارقتنا والدموع على خدنا

يا غالي عندنا فين رحت مننا

وحياة سهر الليالي ما تبعد عننا

• في الحلقة المقبلة نواصل معا الإبحار في أوراق «الموعود بالعذاب»... «أعز الناس».