مزاوجة الديمقراطية والاستبداد
بعدما توفي الرئيس الأنغولي أوغستينو نِتو في 1979 وحل محله في رئاسة الدولة جوزيه إدوادو دوس سانتوس، عادت الحرب الأهلية إلى احتدامها أواخر الثمانينيات، فتدخلت زائير وجنوب إفريقيا لدعم «يونيتا»، وتجدد التدخل الكوبي دعماً للحكومة بحيث بلغ عدد الكوبيين، في 1988، 50 ألفاً.وفي هذه الغضون كانت «يونيتا» تمضي في تمويل حربها عبر تهريب الماس الذي سطت عليه في مناطق سيطرتها الغنية به. لكنْ في 1989 أمكن التوصل إلى اتفاق لوقف النار بين دوس سانتوس وسافيمبي إلا أنه لم يصمد. وقد تبين يومها، كما لاحقاً، أن تذليل الأحقاد الأهلية غدا يستعصي على تحولات الأوضاع الدولية. ففي 1991، وكان «المعسكر الاشتراكي» قد تداعى، تخلت «الحركة» عن الماركسية- اللينية لتتبنى الاشتراكية الديمقراطية وتنضم إلى الأممية الاشتراكية والرطانة الديمقراطية. وبالفعل تطور اتفاق وقف النار ليمسي اتفاق سلام وقعه، في العام ذاته، دوس سانتوس وسافيمبي، على أن يمهد لدستور تعددي، ثم أجريت في العام التالي، 1992، انتخابات رفض سافيمبي الإقرار بنتائجها وعادت جبهته إلى القتال.وفي 1993 اعترفت الولايات المتحدة بنظام «الحركة الشعبية»، وتجددت المصالحة بين رئيس الدولة وقائد «الحركة» وبين زعيم «يونيتا». وعلى مدى 1994- 1996 عبر العالم عن تفاؤله بالمصالحة وباتفاق طرفيها على تشكيل حكومة وحدة وطنية، لكن الأمور عادت فانهارت مجدداً في 1997. ولم تحل بداية نهاية الحرب الأهلية إلا مع مقتل سافيمبي في 2002، خلال المواجهات العسكرية مع الحكومة. وبالفعل، ما لبثت «يونيتا»، مغلوبة على أمرها، أن أعادت تدوير نفسها حزباً سياسياً ينخرط، بوصفه هذا، في الحياة السياسية. وفي 2006 وُقع اتفاق سلام مع «الحركة الشعبية لتحرير كابيندا» عزز الوجهة نفسها. لكن الانتخابات العامة التي أجريت في 2008 أعطت «الحركة» 82 في المئة من الأصوات و18 في المئة لجميع الآخرين، نالت منها «يونيتا» 10 في المئة فحسب. ومنذ 1979 لايزال دوس سانتوس رئيساً يتربع في سدة نظام تتزاوج واجهته الديمقراطية واستبداد حزبه الواحد.رياح التغيير تهب على إفريقياوغير بعيد عن أنغولا، عرفت روديسيا (قبل أن يؤفرَق إسمها فيغدو زيمبابوي) تجربة في المقاومة أغنى. فذاك البلد الذي نشأ في تسعينيات القرن التاسع عشر، مشمولاً بالتاج البريطاني، إنما سُمي تيمناً بسيسيل رودوس، السياسي الإنكليزي المغامر ورجل الأعمال والصناعي المؤمن بالإمبريالية ودورها «التمديني». وهو من أسس شركة «دي بيرز» للماس قبل أن يؤسس روديسيا بالمنطق نفسه لمعنى التأسيس.وغني عن القول إن ما صنعه سيسيل رودوس كان الذروة الأعلى للفعل العنصري، بدليل أن 4 في المئة فحسب من سكانه كانوا بيضاً احتكروا الحقوق السياسية والمدنية وامتلاك الأراضي الأشد خصوبة.وفي 1923 منح البريطانيون أولئك المستوطنين، وكان عددهم 20 ألفاً، «حكماً ذاتياً» من داخل كونهم مستعمرة بريطانية. وعلى هذا النحو استمر الحال حتى 1960، سنة انفجار الاستقلالات في القارة السوداء، حين تحدث رئيس الحكومة البريطانية هارولد مكميلان عن «رياحالتغيير التي تهب على إفريقيا».مذاك راحت تتنافس وجهتان في التعامل مع العنصرية الروديسية: واحدة مفادها الضغط السياسي السلمي، وأخرى مؤداها العمل المقاوم والمسلح. والحال أن الأخير لم يبرهن، أولاً بأول، عن فعالية عسكرية ملحوظة. فالجيش الروديسي، على رغم العقوبات الشديدة التي كانت بريطانيا رائدتها منذ 1965، حافظ على قوته وقوة فرقه النخبوية كـ»كشافة سيلوس». ذاك أن أسلحته كانت تؤمنها له جنوب إفريقيا والمصانع التي أقيمت في روديسيا نفسها، كما لم ينقطع التعاون العسكري بين نظامه والبرتغال التي ظلت، حتى 1975، تستعمر أنغولا وموزمبيق. كذلك تركزت عمليات المقاومة في الريف أساساً فاتجهت شفرتها إلى المزارعين البيض بينما ظلت نادرة في المدن حيث المراكز الاقتصادية والاتصالية المؤثرة. وحتى الاستقلال في 1980، لم تحقق حركات المقاومة من الانتصارات ما يتعدى الإمساك بمناطق السكن الأسود، فيما كان الفشل نصيب مواجهاتها مع الجيش.الطريقة الماويةبدورها ابتدأت المقاومة العسكرية، صيف 1964، مع اغتيال «زانلا»، الذراع العسكرية لـ«زانو»، بيتروس أوبرهولتزر، أحد رسميي «الجبهة الروديسية»، الحزب الأبيض الحاكم حينذاك. وكان أن السلطات التي حظرت «زانو« منذ ولادتها، اعتقلت سيثولي وموغابي والقادة الآخرين من «زانو« و«زابو»، فأبقتهم في السجن عشر سنوات، وتُرك لشيتيبو الذي نجا من الاعتقال أن يمثل «زانو« في الخارج ويمضي في بناء تنظيمها العسكري.وفي 11 نوفمبر 1965 أعلن إيان سميث الاستقلال من طرف واحد، فعدته بريطانيا متمرداً وردت بفرض العقوبات على دولته التي لم تعترف بها إلا جنوب إفريقيا العنصرية. وهذا ما أجج المقاومة وخلق مناخاً من التسامح الدولي معها.لكنْ في المقابل، فباستخدامها سائر أسلحة الضغط، توصلت بريطانيا، في 1971، إلى اتفاق مع إيان سميث يقضي بالتهيئة للانتقال إلى حكم الأغلبية مقابل إنهاء العقوبات. وقد شكل إيبل موزوريوا، وهو مطران الكنيسة الميثودية – البروتستانتية، حزب «المجلس الوطني الإفريقي الموحد» الداعي إلى حكم الأكثرية، وتحول أحد أبرز القادة الوطنيين، حتى أن «زانو« بقيادة سيثولي و«زابو« بقيادة نكومو موضعا نفسيهما تحت مظلة «المجلس الوطني» وموزوريوا. ولأن «زانو« و«زابو« كانا ممنوعين لممارستهما الكفاح المسلح منذ 1964، صار «المجلس الوطني»، القائل بحكم الأكثرية عبر اللاعنف، الطرف الأسود الوحيد الذي يحظى بالشرعية الرسمية.بيد أن عام 1974 شهد حلول موغابي، الماركسي على الطريقة الماوية، محل سيثولي في قيادة «زانو»، فاتجه الأخير إلى تأسيس حزب صغير لاعنفي، أسماه «زانو – ندونغا»، والكلمة الاخيرة تختصر عبارة «التحالف الوطني للحاكمية الصالحة».خطوط إثنيةوكرّت السبحة فكان الحدث الأبرز في الحياة الداخلية لـ«زانو« اغتيال رئيس الهيئة الوطنية للحزب وحليف سيثولي، هيربرت شيتيبو، في مارس 1975 في لوساكا. وتبعاً للتحقيق الذي أجراه الزامبيون، فإن من رتب عملية الاغتيال كان الرئيس اللاحق لأركان «زانو»، جوريش تونغوغارا. يومها اعتقلت الحكومة الزامبية تونغوغارا وقرابة ستين كادراً قيادياً في «زانو». وقد قُتل مائتا عنصر من «زانو« على الأقل في الوقت الذي اغتيل فيه شيتيبو، وهو عدد يزيد عن مجموع الجنود البيض الذين قتلهم المقاومون منذ ابتداء نشاطهم. وعلى أي حال، أدى الحدث المذكور إلى انشقاق في «زانو« على خطوط إثنية: ذاك أن تونغوغارا يتفرع عن الكلانغا التي عُرفت بسيطرتها على القيادة العسكرية للتنظيم، فيما يتفرع موغابي عن الزيزورو. وبدوره كان شيتيبو من المانييكا، فتأدى عن مقتله تسريح الكثيرين من عسكريي المانييكا ممن انضم عديدهم إلى الأب موزوريوا الذي ينتسب أيضاً إلى المانييكا. وأعقب هذا صدامات دموية في مخيمات «زانو»، وفي يناير 1977 اعتقلت قيادة التنظيم قرابة مئة كادر في موزمبيق، ثم بعد عام اعتُقل أيضاً ما يقرب من مئة كادر آخر في عدادهم وزيرا خارجية وإعلام التنظيم وبعض قادة الجهاز العسكري.بيد أن مصرع شيتيبو جعل موغابي القائد الأوحد لـ«زانو»، وقد ترافقت واحديته القيادية مع بلوغ التنظيم درجة أعلى من الصفاء الإثني، ما سهل له هذه المهمة. وبدورها، لم تتلكأ «زابو»، هي الأخرى، عن سلوك طريق التصفيات التنظيمية، فاغتيل، في مطالع 1977، الرجل الثاني فيها، جايسون زيد مويو، ما اعتُبر، على نطاق واسع، «شأناً داخلياً» ذا طبيعة حزبية.من ناحية ثانية، عطل البرلمان الروديسي الأبيض، في مارس، بعض القوانين العنصرية في ما خص الملكية الخاصة والحق في استخدام الخدمات العامة كالمدارس ووسائل النقل، وبعد عام واحد وقع موزوريوا وسيثولي وقادة معتدلون آخرون اتفاقية في العاصمة سالزبوري (لاحقاً هراري) عبدت الطريق إلى حكومة انتقالية، كما شُكل مجلس تنفيذي ضم موزوريوا وسيثولي وجيرميا شيراو، وهو أحد رؤساء القبائل، ورئيس الحكومة البيضاء إيان سميث. وقد ترتب على ذلك وضع دستور جديد لا يحتفظ للأقلية البيضاء إلا بعشرة مقاعد في مجلس الشيوخ و28 في مجلس النواب وبربع المقاعد الحكومية. وعبر استفتاء أجري مطالع 1979، حظي الدستور بتأييد 85 في المئة من السكان البيض. كذلك أجريت انتخابات عامة هي أول انتخابات حرة في البلد، ففاز «المجلس الوطني» بالأكثرية، وسمي رجل الدين والمعلم التسووي المقبول من معظم الأطراف، جوسيا كوميد رئيساً للجمهورية، وهو منصب احتفالي، فيما غدا موزوريوا رئيساً للحكومة، كما غُير إسم البلد إلى زيمبابوي روديسيا.تسوية تاريخيةأما قائدا المقاومة، نكومو وموغابي، فدانا الاتفاق وأهاجا الرأي العام ضده مستمرين في نشاطهما المسلح، فيما حال القادة الأفارقة، لا سيما راديكالييهم، دون الاعتراف الدولي بتلك التسوية. وهذا ما حرم حكومة موزوريوا تأييداً شعبياً كانت في أمس الحاجة إليه في مواجهة سميث.وكان الرد الأسوأ على اتفاق أبريل 1978 ما فعله مقاتلو «زابو« إذ أسقطوا، في سبتمبر من العام ذاته ثم في فبراير 1979، طائرتين مدنيتين بصواريخ أرض – جو سوفياتية: وقد تأدى عن سقوط الأولى مقتل 38 من 56 راكباً، ثم قتل عشرة من الناجين في عدادهم أطفال، بينما قُتل الـ59 راكباً جميعهم في الجريمة الثانية.وتنبهت بريطانيا إلى غياب المقاتلين الذي أضعف تلك التسوية، فدعت جميع الفرقاء إلى لندن للتفاوض وإنجاز تسوية تاريخية صارت تُعرف، نسبة إلى مكان المؤتمر، بـ»اتفاقية لانكستر هاوس». وفي الظل مورست ضغوط أميركية وغربية على سميث، فيما كانت السلطة البيضاء تعيد البلد إلى الحكم البريطاني، على ما كانت الحال قبل 1965، وتختبىء وراءه مخولةً إياه التعامل مع الأوضاع الناشئة. حينذاك حضر نكومو وموغابي في وفد موحد تحت يافطة «الجبهة الوطنية» التي ابتُكرت لتلك المناسبة. وقد دام المؤتمر من سبتمبر حتى ديسمبر 1979 اتفق فيه على إجراء انتخابات في مطالع 1980.وهذا ما حصل فعلاً، لكن موغابي أحاط الانتخابات بجو من العنف والتخويف مهدداً باستئناف الحرب الأهلية في حال خسارته، بحيث اتهمت «زانو« بالإخلال بـ»لانكستر هاوس» وظهرت اقتراحات بمنعها من المشاركة. وإذ جاءت النتائج بأكثرية من 64 في المئة من الأصوات لزعيم «زانو»، لم يحصد موزوريوا وحزبه سوى ثلاثة مقاعد من أصل ثمانين، فيما لم يحصل سيثولي على أي مقعد. كذلك غُير إسم البلد، وقد استقل، إلى زيمبابوي. وقد عُرض على نكومو منصب رئاسة الجمهورية الفخري، لكنه اعتذر عن قبوله، وبعد وساطات محلية وإفريقية، شارك زعيم «زابو« في الحكم من غير أن يُخص بموقع مؤثر فيه. ولم يتأخر وقت الحساب، ففي 1982 اتهم بالتآمر للانقلاب على موغابي ودولة الاستقلال، وفي خطاب علني سماه الأخير «أفعى»، ومضى شارحاً: «والطريقة الوحيدة للتعامل الجدي مع الأفعى قطع رأسها».المدرس موغابيعموماً لم تتمكن المقاومة من إسقاط النظام والاستيلاء على السلطة، بل حصل ذلك، كما سنرى لاحقاً، عبر عمل سلمي وانتخابات مَرعية دولياً. وفي هذا اقتصرت أعمالها على كونها عنصر ضغط على رئيس الحكومة العنصرية إيان سميث أقل فعالية من عنصر المقاطعة، الغربية والإفريقية، الواسعة والخانقة.مع هذا نجحت المقاومة على أصعدة ثلاث:الأول: إقحام السكان في «سياسة» مؤسسة على العنف وحده في معزل عن إعدادهم للعيش في وطن ودولة.الثاني: إهدار النُوى والاحتمالات السياسية والقضاء على السياسيين المحتملين، أو تهميشهم، الواحد بعد الآخر.الثالث: إقامة نظام استبدادي تكاد تستحيل معه إعادة الاعتبار للشرعية السياسية والدستورية.لقد وُلدت الحركة الوطنية، مرتكزة إلى الكنيسة كما إلى النقابات، عام 1960، مع تأسيس النقابي جوشوا نكومو «الحزب الوطني الديموقراطي» الذي انضوى فيه سائر القادة اللاحقين كالأب نداباننغي سيثولي، أحد الذين ساهموا في بناء فكرة القومية السوداء، والمدرس روبرت موغابي والمحامي هيربرت شيتيبو، فحين حظرته السلطات حل محله، بعد عامين، «اتحاد شعب زيمبابوي الإفريقي» (زابو) الذي أسسه أيضاً نكومو والآخرون المذكورون، وبدوره حُظر للتو.لكنْ في 1963، ولأسباب إثنية وشخصية، انشقت «زابو»، لا سيما مع عجز بقية القادة عن انتزاع احتكار القيادة العسكرية من نكومو الذي اتهموه، أيضاً، بالذهاب بعيداً في محاورة السلطة العنصرية. هكذا أسس سيثولي «الاتحاد الوطني لزيمبابوي الإفريقية» (زانو) كحركة نضالية لمواجهة حكومة روديسيا، وكان موغابي وشيتيبو بين أبرز من شاركوه التأسيس. وفي العام التالي انتُخب سيثولي رئيساً لـ«زانو« فسمى موغابي «أميناً عاماً» للتنظيم.
دوليات
«هجاء السلاح: المقاومات كحروب أهليّة مُقنّعة» (الحلقة 18) موغابي اتهم رفيق المقاومة نكومو بالخيانة واعتبره «أفعى» تستحق التعامل جدياً بـ«قطع رأسها»
09-04-2010