أؤكد للقارئ الكريم أنه لو اتسع له الوقت لقراءة وثيقة الإطار العام لخطة التنمية بعناية، لتوصل إلى مثل ما توصلت إليه في هذا التعقيب على محتوى وأفق هذه الوثيقة. إن المشكلة الأساسية تكمن أولا، وقد فصلت هذا الأمر في مقالات سابقة، في أن الإطار العام لخطة التنمية قد حل محل الخطة ذاتها، وكان ذلك المنطلق الأول للوقوع في خطأ منهجية العرض والاستدلال.

Ad

ولعل تعريفا بوثيقة الإطار العام يبدو ضروريا في هذا السياق ليتسنى للقارئ تلمس ما أومئ إليه، فهذا الإطار ليس سوى وثيقة مكونة من أربعة أجزاء يشكل الجزء الأول منها مقدمة تمهيدية عن الرؤية الإستراتيجية للدولة (حتى سنة 2035) التي تهدف إلى تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري جاذب للاستثمار، يقوم فيه القطاع الخاص بقيادة النشاط الاقتصادي وفق آليات محفزة، ويتحقق في ظل هذا التحول تحسن في الناتج ودعم للتنمية البشرية وتطوير للسياسات السكانية ووجود إدارة حكومية فعالة.

أما الجزء الثاني فيعرض معطيات الوضع الراهن في مجالات الاقتصاد والمجتمع والتنمية البشرية والإدارة العامة، حيث يخلص إلى أن الاختلالات المالية والاقتصادية والاجتماعية، التي تعانيها البلاد، إنما ترجع إلى غياب التخطيط منذ نهاية الثمانينيات، ومن ثم فإن صدور الخطة بقانون أضحى ضرورة ملحة. وهو بالتالي جزء يستهدف إضفاء أهمية ضمنية على السياسات التي سترد في الجزء الثالث من الوثيقة.

الجزء الثالث من هذا الإطار يرتكز على نهج التخطيط التأشيري، أي اقتراح السياسات العامة التي تساعد على توفير البيئة المناسبة للنمو، أي أنه لا يضع برامج ومشروعات مطلوب تنفيذها للوصول إلى أهداف الخطة، وإنما يترك لآليات السوق والمنافسة هذا الأمر من أجل الوصول إلى تخصيص أكثر كفاءة للموارد المتاحة. وفي ظل هذا التوجه يتحول دور الدولة من منتج للسلع والخدمات إلى مخطط ومراقب لأنشطة الإنتاج والتوزيع يضع الإطار العام والسياسات والإجراءات التي تحفز على التطور والإبداع. أي أن هذا الجزء ينقل عبء المسؤولية اللوجستية لتحقيق الأهداف التنموية من عاتق الدولة إلى عاتق القطاع الخاص. وهو لذلك يطرح فقط السياسات العامة المطلوبة ضمن ثلاثة مسارات، الأول السياسات الاقتصادية، والثاني سياسات التنمية البشرية، أما الثالث فهو سياسات الإدارة العامة والتخطيط والمعلومات.

أما الجزء الرابع فيركز على المستهدفات الكلية للخطة (الخمسية)، ويبدأها بعرض شديد التلخيص للمستهدفات الكمية (جداول مختصرة) دون أن يبين أو يشير إلى طبيعة الفرضيات أو الأسس الإحصائية التي بنيت على أساسها هذه المستهدفات الكمية، وأبرزها نمو سنوي في الناتج المحلي الحقيقي بمعدل 5.1 في المئة (نمو للقطاع الخاص بمعدل 8.8 في المئة وللقطاع العام النفطي بمعدل 2 في المئة، وللقطاع العام غير النفطي بمعدل 4.4 في المئة) وإنفاق استثماري بقيمة 7393 مليون دينار كويتي (3426 مليون دينار للقطاع الخاص، و1617 مليون دينار للقطاع العام النفطي و2350 مليون دينار للقطاع العام غير النفطي)، ثم يشير وباختصار شديد أيضا إلى المتطلبات التشريعية والمؤسسية اللازم توافرها للوصول إلى أهداف الخطة (يسوق الإطار العام هذه المتطلبات التشريعية والمؤسسية في صورة عناوين عريضة فحسب)، وتتمثل في إصدار أو تطوير 45 قانونا وإنشاء سبع هيئات عامة جديدة، وتسعة مراكز ومعاهد متخصصة.

مفهوم التخطيط التأشيري

وبداية أود التوقف قليلا لدى مفهوم التخطيط التأشيري، وهو خطة تتضمن التوجيه العام لمكونات المجتمع من خلال السياسات والتشريعات والحوافز الاقتصادية بهدف الوصول إلى أهداف عامة محددة دون أن يكون هناك إلزام لأي مكون من مكونات المجتمع أو الاقتصاد المحلي في أن يقبلها أو يتفاعل معها (والمقصود بهذه المكونات على سبيل المثال مؤسسة أهلية أو شركة خاصة أو مستثمر).

ومن الجانب المنهجي يتم إعداد التقديرات والمستهدفات الكمية للخطة التأشيرية بالتشاور والتنسيق بين جهاز الخطة ومختلف مؤسسات النشاط الاجتماعي والاقتصادي في الدولة، للتعرف على مدى توافقها وقدرتها على المساهمة في الوصول إلى هذه المستهدفات. وتتم متابعة هذه التقديرات سنوياً باتباع نفس أسلوب التشاور والتنسيق واسع النطاق. ولعل أحد أبرز مشكلات الوثيقة، التي نحن بصددها، هي أنها لم تتبع مثل هذه المنهجية في التشاور والتنسيق بمفهومه الواسع، خصوصا حين يتعلق الأمر بمؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص.

وهناك نماذج دولية متعددة اتبعت منهج التخطيط التأشيري، بعضها نجح في الوصول إلى عدد لا بأس به من الأهداف وبعضها الآخر فشل. لقد اتبعت فرنسا على سبيل المثال هذا النوع من التخطيط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان له أثر فعال في الخطط الخمسية الثلاث الأولى التي أعقبت انتهاجه، ولكن أثره لم يعد جوهرياً اليوم. كذلك اتجهت مصر في ظل حقبة الانفتاح الاقتصادي إلى مثل هذا النهج الذي أعيدت هيكلته في عهد الرئيس مبارك،‏ إذ توزعت مسؤولية التنمية بين القطاعين الخاص‏ والعام، وقد حقق هذا النهج نجاحات في بعض القطاعات، ولكنه أخفق في أخرى. ولكن المتفق عليه في كل تجارب هذا النوع من التخطيط تعاظم مسؤولية القطاع العام في الإشراف على النشاط الاقتصادي الخاص، وتزايد أعباء مسؤولياته في التوجيه والرقابة من أجل ضمان الشفافية والنزاهة، وتوافر شروط المنافسة العادلة والكفؤة، وقد سلكت وثيقة الإطار العام لدولة الكويت نهج التخطيط التأشيري بمفهومه التام، إذ اقترحت أن يقتصر دور الدولة على ضمان حسن أداء النظام الاقتصادي، من خلال الاضطلاع بمهام التنظيم والرقابة والمتابعة والحفاظ على سيادة القانون والنظام والأمن، وتوفير شبكة الأمان الاجتماعي اللازم وضمان الاستقرار السياسي والاقتصادي، دون أن يكون لها أي دور إنتاجي أو اقتصادي كما هو حالها اليوم.

ولكن في دولة نامية مثل الكويت يشكل القطاع النفطي «العام» نحو ثلثي ناتجها المحلي الإجمالي (على نحو مباشر)، وتهيمن عوائده على مجمل حركة النشاط الاقتصادي، مما يضعف دور التخطيط التأشيري في توجيه المتغيرات الاقتصادية، فالبنية التشريعية والحوافز الاستثمارية ليست كافية وحدها لحفز القطاع الخاص على الإنفاق الاستثماري على مشروعات صناعية أو خدمية تنموية رئيسية (مستشفيات وجامعات ومرافق ترفيهية)، تتسم بفترات طويلة الأجل لاسترداد رأس المال إذا لم تواكب هذه التشريعات والحوافز خطة مركزية عامة تهدف إلى توفير بنية تحتية متطورة، بديلة أو داعمة للبنية التحتية الحالية التي تعاني اختناقات ملموسة وتدن في مستوى الكفاءة والقدرة الاستيعابية، سواء في حالة الطرق أو مراكز الرعاية الصحية أو الرعاية التربوية أو حتى مرافق الماء والكهرباء، ولا شك في أن البرامج الحكومية السنوية لا يمكن لها أن تشكل بديلا استراتيجيا لخطة مركزية تحدد على نحو دقيق وتكاملي المراكز الحضرية الجديدة والمشروعات التنموية المحورية الكبرى موزعة على المستوى القطاعي، بكل ما يتطلبه ذلك من تخطيط شمولي طويل المدى.

كفاءة القطاع العام في التنظيم والرقابة

إن دولة الكويت مثل أي دولة أخرى في حاجة قبل الانتقال من منهج التخطيط المركزي إلى نهج التخطيط التأشيري، إلى بناء قطاع عام كفؤ وفعال لكي يتسنى لوحداته أن تراقب وتتابع وتنظم أنشطة القطاع الخاص. فالخطط التأشيرية في حاجة إلى إدارة تنمية قديرة لا تتوافر في ظل البيئة المحلية الراهنة. ولا نستطيع انطلاقا من حقيقة غياب إدارة التنمية الفاعلة أن نقارن الإدارة المحلية بمستوى الإدارة الفرنسية على سبيل المثال، كما لا نستطيع أن نجزم بأن الاحتياجات التنموية لبلد مثل الكويت تتشابه مع الاحتياجات التنموية لبلد مثل فرنسا أو حتى مصر التي تتميز بتنوع اقتصادي واسع وقاعدة إنتاجية صناعية وزراعية وسياحية عريضة. ولا شك في أن مجلس الأمة قد راوده قلق مشابه وهو يوصي من خلال لجنته البرلمانية للشؤون الاقتصادية والمالية بضرورة «الاستعانة بشركات عالمية متخصصة تتولى تهيئة الموارد البشرية والمادية لرفع كفاءتها، بما يمكنها من تنفيذ الخطة، والعمل على استكمال وتطوير وحدات التخطيط والمتابعة في الوزارات والجهات الملحقة والمستقلة، بالتنسيق مع ديوان الخدمة المدنية، والعمل على تنفيذ البرامج التدريبية لتوفير الكوادر المناسبة للتطوير في منهج التخطيط».

وفي عصر تتسم متغيراته بالسرعة الفائقة، ويتسم أفقه بعدم اليقين، تزداد أهمية الأسئلة عن الزمن الذي يتطلبه تنفيذ مثل هذه التوصية وعن مستوى كفاءة انجازها في ظل كل السلبيات التي يتصف بها القطاع العام، خصوصا أن الخطة قد فقدت سنتها الأولى وتحولت إلى خطة رباعية. إن كل ما تخشاه شرائح المجتمع الحريصة على حاضر الكويت ومستقبلها هو ألا تتمكن السياسات العامة التي تقترحها الوثيقة في جزئها الثالث من تهيئة البيئة التنموية المنشودة، خصوصا في ظل الحالة الراهنة للبلاد التي تتسم بقدر كبير من الاختلالات، التي عرضت الوثيقة جانبا كبيرا منها في جزئها الثاني، وفي ظل غياب إدارة فاعلة للتنمية، ووجود بنية إدارية عامة مترهلة تعوزها الكفاءة والقدرة على تطبيق السياسات العامة، وبنية اجتماعية تنقصها الجدية والانضباط، ويعوزها الالتزام بالنظم والقوانين.

هل يمكن للقطاع الخاص التصدي لهذه المهمة التاريخية؟

تكمن المعضلة الثانية في أن السياسات (الجزء الثالث)، التي ساقتها الوثيقة، قد صيغت بأسلوب التمنيات والآمال، إذ تكررت عبارة «وتأمل الخطة»، ولأن العبء اللوجستي لتحقيق هذه الآمال وتحويلها إلى واقع ملموس على الأرض (أي تحقيق المستهدفات الكمية) قد انتقل من عاتق الدولة إلى عاتق القطاع الخاص، كما يفهم من الوثيقة، هذا أولا، ولأن المتطلبات التشريعية والمؤسسية التي ذكرها الجزء الخاص بالمستهدفات (الجزء الرابع) تشكل معوقات قانونية تتطلب معالجتها جهودا استثنائية من قبل السلطة التشريعية، وقد تستنفد الكثير من الوقت في ظل آلية القرار الراهنة في مجلس الأمة، وقد لا تتسع لمعالجتها سنوات الخطة ذاتها، فإن جزءا أساسيا من عبء عدم الوصول إلى المستهدفات الكمية سيقع على عاتق مجلس الأمة، ومن ثم فإن كلا من القطاع الخاص والسلطة التشريعية سيتحملان وزر عدم تحقيق أهداف الخطة بل والهدف الاستراتيجي الطموح للدولة، ألا وهو تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري جاذب للاستثمار.

لقد تمت صياغة الإطار العام للخطة على نحو جاذب لأعضاء السلطة التشريعية، إذ تضمنت الوثيقة كما من مطالب النواب الذين التصقت بهم صفة «التأزيم»، ومن بينها مطالبهم بالتنفيع المادي المباشر للمواطنين، ورفضهم للخصخصة بسبب مخاوفهم من فقدان بعض المواطنين وظائفهم، فقد نصت الوثيقة على أن يتبع التخصيص آلية تأسيس شركات مساهمة عامة توزع الحكومة الجزء الأكبر من أسهمها على كل المواطنين (الوثيقة صفحة 42)، كما وعدت بعدم تأثر الوضع الوظيفي للعمالة الوطنية في المشروعات التي سيتم تحويلها إلى القطاع الخاص (الوثيقة صفحة 43).

فإذا كان القطاع الخاص هو من سيتصدى لتحقيق الأهداف التنموية، وهو ذات القطاع الذي يعاني (وفق ما أوردته الوثيقة) تراجع مساهمته في توليد الناتج المحلي الإجمالي، وتركز نشاطه في ثلاثة قطاعات فقط هي: التمويل والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال، والنقل والمواصلات والاتصالات، وتجارة الجملة والتجزئة، كما يعاني ضعف نصيبه من الإنفاق الاستثماري، فهل يمكن لهذا القطاع وفي ظل السياسات المقترحة في الجزء الثالث من الوثيقة أن يقود عجلة التنمية. ولكي لا نبخس السياسات المتصلة بتعزيز دور هذا القطاع في التنمية، كما أوردتها الوثيقة حقها، سأعرضها على نحو مختصر، وهي ليست كثيرة على أي حال.

تقترح الوثيقة نمو استثمارات القطاع الخاص بمعدلات تفوق نظيرتها في القطاع العام، كما توصي بأن يحفز نمو القطاع الخاص ليمارس دورا أكبر في التنمية، بحيث تنمو مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي بمعدل يبلغ 8.8 في المئة سنويا مقابل 2.7 في المئة للقطاع العام. ولبيان كيف يمكن تحقيق ذلك تتابع الوثيقة القول إن الخطة تستهدف وصول استثمارات القطاع الخاص إلى نسبة 54 في المئة من إجمالي الاستثمارات في السنة الأخيرة، مقارنة بنحو 26 في المئة فقط من إجمالي الاستثمارات في سنة الأساس، ويمكن تحقيق ذلك من خلال «فتح المجال أمام القطاع الخاص لتنفيذ العديد من المشاريع التي كان يعهد بها إلى القطاع العام» (النص من الوثيقة).

وتدعو الوثيقة في ذات السياق إلى تبني منهج الإصلاح الاقتصادي القائم بشكل رئيسي على شراكة القطاع الخاص والقطاع العام، ومبدأ تخصيص العديد من الأجهزة والمؤسسات الحكومية والعامة، ثم تفصل مقترحة «التدرج بالنماذج الريادية مثل تخصيص عدد من المدارس والمستشفيات خلال العام الأول من الخطة. وبعد نجاح التجربة تعمم وتستمر عمليات التخصيص»، على أن تعمد الحكومة إلى تأسيس شركات مساهمة عامة تتملك هذه المشاريع، ويوزع الجزء الأكبر من الأسهم على كل المواطنين، ثم تقترح الوثيقة إسناد تنفيذ بعض المشاريع الكبرى كاملة أو بالمشاركة مع القطاع الخاص، ومن أبرزها مشروع مدينة الحرير. وتقترح الوثيقة أن تؤسس شركة لإدارة هذا المشروع تكون مهمتها الأساسية توفير البنى التحتية وإتاحتها للقطاع الخاص. ثم تقترح تبني أوجه التعاون بين القطاعين العام والخاص وبصفة خاصة نظام البناء والتشغيل والتحويل (B.O.T) مع إدخال التعديلات اللازمة على القانون ليصبح أكثر تشجيعا للمواطنين وبما يحقق الرؤية والأهداف الإستراتيجية، وتستهدف هذه السياسة نحو 50 مشروع بي أو تي خلال سنوات الخطة، أي 10 مشاريع فقط في العام.

ثم تدعو الوثيقة إلى تحفيز القطاع الخاص على تنفيذ عدد من المشاريع الحكومية عبر طرح النسبة الأكبر من المشروعات الكبرى في أربعة مجالات رئيسية (مدينة الحرير- الموانئ الجديدة- محطات الكهرباء والماء- المدن الرياضية)، مع وضع الضوابط بما يضمن الشفافية الكاملة وتكافؤ الفرص للجميع، كما تدعو إلى السعي إلى إصدار التشريعات اللازمة لخلق بيئة أعمال أفضل لقطاع الأعمال الخاص والمبادرات الفردية، بما في ذلك مناخ الأعمال للاستثمار الأجنبي المباشر، ودعم المشروعات والأعمال الصغيرة والمتوسطة، وفي ختام هذه السياسات تؤكد الوثيقة ضمان عدم تأثر العمالة الوطنية في المشروعات التي سيتم تحويلها إلى القطاع الخاص، وكذلك الأجهزة الخدمية التي سيتم تخصيصها.

ولا أعتقد شخصيا أن الخطة قادرة على انجاز الأهداف الكمية من خلال هذه المقترحات والتوصيات، فمقترحها الخاص بأن يعهد بتنفيذ المشروعات إلى القطاع الخاص لا يشكل نقلة نوعية كبيرة، إذ إن معظم المشاريع التي كان يعهد بها إلى القطاع العام في السابق كانت تصل في جلها بشكل مباشر أو عن طريق عقود الباطن إلى قطاع المقاولات الخاص المحلي أو الأجنبي، لأن القطاع العام لا يملك أصلا القدرات اللوجستية والفنية الواسعة التي تمكنه من انجاز المشروعات الكبرى خاصة عندما يتعلق الأمر بهندسة التصميم أو البناء.

كما أن الخطة لا تملك برنامجا متكاملا وطموحا للخصخصة، وما تقترحه كان مطروحا على مائدة السياسات العامة منذ النصف الأول من التسعينيات، ولكن شيئا منه لم يتحقق لأننا مازلنا نناقش مسألة وضع الحصان قبل العربة أو العربة قبل الحصان. أما في ما يتعلق بمشاريع الـ «بي أو تي» فإن طموح الخطة يبدو شديد التواضع خاصة إذا ما علمنا أن قائمة مشاريع الـ «بي أو تي» المحلية، التي نفذت في التسعينيات وبداية الألفية الثالثة وعددها نحو 100 مشروع، قد شملت مواقف للسيارات واستراحات وشاليهات وأسواقا للخضار والفاكهة، أي أن جلها ليس من المشروعات التنموية الإستراتيجية.

التنفيذ بقدر عال من الشفافية والانضباط

إن وضع إطار طموح لمستقبل التنمية في البلاد، وانتقاء أهداف رائعة وصياغة سياسات جميلة أمر لا يتطلب عناء كبيرا أو مشقة بالغة إذا ما توقف هذا الأمر عند حدود عرض الاختلالات الراهنة وصياغة الأهداف والسياسات الكفيلة بمعالجتها على الورق، دون أن يقترن ذلك بجهد رصين يربط هذه الأهداف والسياسات ببرامج تنفيذية واقعية ومشروعات واضحة الجدوى تخدم هذه البرامج.

ولعل الأكثر صعوبة من اقتراح البرامج التنفيذية ومشروعاتها هو عملية تحويل هذه البرامج إلى واقع ملموس على الأرض، بما يمكن من الوصول إلى الأهداف الرائعة والطموحة، سعيا إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي وهو في حالة الكويت تحويلها إلى مركز مالي وتجاري عالمي. ولا شك في أن هذا الهدف يشكل تحديا رئيسيا للدولة، لكن عددا لا بأس به من المسؤولين، وجمعا من المفكرين، يراهنون على عدم قدرة الأجهزة التنفيذية في دولة الكويت على تحقيقه. وهذه مراهنة مبنية على معطيات واقعية ليس أهمها ما أشار إليه بعض النواب من مرور ثلاث سنوات دون أن تتمكن هذه الأجهزة من تنفيذ الرغبة الأميرية السامية بشأن توسعة طاقة المستشفيات، ولا إشكاليات تنفيذ مستشفى جابر أو حتى جامعة الشدادية، بل الأهم من كل ذلك هو عدم وجود برنامج زمني واضح في خطة 2009/2010 –2013/2014، وعدم وجود آليات ملزمة تكفل وضع القاطرة في مسارها الصحيح، وتضمن توجيه الموارد إلى تنفيذ برامج ومشاريع تنموية (سواء نفذها القطاع الخاص أو تصدى لها القطاع العام) بقدر عال من الشفافية والانضباط المالي والتنظيم الإداري والرصد والمتابعة، ووفق أطر معلنة وقابلة للقياس.

* أستاذ الاقتصاد في جامعة الكويت