ما بقيت زاوية في حياة الشاعر الفرنسي أرثر رامبو (1854 – 1891) وأعماله لم يُلق عليها ضوء! قد لا تحصى الكتب والمقالات والنصوص التي تناولت ظاهرة هذا الشاعر، سواء في فرنسا أو في العالم العربي.

باتت حياة صاحب {فصل في الجحيم {أشبه بحكاية لا تنتهي فصولها، فلا ننفك نقرأ أسطورة جديدة حول حياته وشعره ومنازله ورسائله وشقيقته وأمه وصوره بل حتى اسمه، وبدأ بعض الكتاب يدوّن روايات عنه أو عن منازله في اليمن والحبشة (أثيوبيا) والجزائر ولبنان، أو عن علاقته بفرلين وتجارة الأسلحة والخدم. وتعمّق لغز رامبو مع رواج ظاهرة {رامبو الأميركي} (الممثل صاحب العضلات سيلفستر ستالون).

Ad

هكذا باتت حكاية رامبو الشاعر أقرب الى الوهم، أو الشاعر بوجوه لا تحصى، إلى حد أن الكاتب الفرنسي إيتامبل أصدر كتاباً عنوانه {أساطير رامبو}، أراد عبره القول إن أسطورة صاحب {المركب السكران} لم تكن واحدة بل متعددة، لكنها كلها كانت مصطنعة.

يبين إيتامبل أن بعض المؤرخين والكتاب حين يكتب عن رامبو، إنما يكتب عن نفسه ورغباته، وعما يطلب من رامبو أن يكونه أولاً وأخيراً. هنا، لا يعود غريباً أن يلاحظ إيتامبل أن الكاثوليكي كلوديل هو الذي اكتشف كاثوليكية رامبو، والسوريالي أندره بريتون هو الذي تحدث عن سوريالية رامبو وكتاباته التلقائية، فيما اعتبره الشيوعيون بلشفياً، والمسلمون صنّفوه مسلماً. كذلك العرب والملحدون والزنادقة والهيبيون والثوريون استعملوه في أيديولوجياتهم وأفكارهم، كل فريق بحسب توجهه....

حتى صور رامبو القليلة كانت حجة لتأليف بعض الكتب، سواء في اليمن حيث له صورة بالزي اليمني في فندق يحمل اسمه (يظنه اليمنيون رامبو الأميركي)، وتراه يحمل بندقية عابساً وكئيباً مع بعض الرحالة الأوروبيين، كأنه ضائع في اللامكان، ونشرت هذه الصورة على أغلفة كتب عدة، وعرضت في إطار معرض فرنسي يحتوي على صور فوتوغرافية التقطت نهاية القرن التاسع عشر في المنطقة التي عاش فيها رامبو، بين الحبشة واليمن وهرار وزيلح. تلك الدروب الحارة التي اختارها الشاعر الفرنسي هرباً من برد أوروبا وشتائها الأبدي، ومن الفقر والعوز، والتي أفضت، في نهاية المطاف، إلى آلام مبرّحة وموت مبكّر، تلك الدروب كانت، بالنسبة إلى الشاعر، بمنزلة {فصل في الجحيم}.

بعد العثور على نص نادر وسخيف لرامبو حُكي عنه أكثر مما حكي عن الياذة هوميروس، عُثر أيضاً على صورة جديدة للشاعر جالساً في مقهى في اليمن عام 1880، وهي الصورة الثامنة له، وعُرضت في معرض للكتب القديمة في الغراند باليه في باريس. وفقاً لكاتب سيرته لوفرير، {هذه الصورة بالأسود والأبيض هي الصورة الرابعة لرامبو وهو شاب ويمكننا التعرف إلى ملامحه من خلالها}. بالطبع، تأخذ الصورة الرامبوية الباحثين إلى معرفة أصلها وفصلها وتاريخ والمقهى اليمني، والأشخاص الذين اجتمع بهم الشاعر الفرنسي، وهي مدخل الى كتاب عن الشاعر، وكأن كل ما يفعله مقدس ويحمل أفكاراً جديدة في زمن الضحالة والإفلاس.

وضع لوفرير، مكتشف الصورة، في كتابه الصادر حديثاً في فرنسا بعنوان {رسوم أرتور رامبو} في متناول القارئ وثائق بقيت حتى الآن مجهولة، من بينها لوحات وصور للشاعر. ويصنّف مراقبون كثيرون لوحات رامبو في خانة الفشل والإخفاق في الرسم، فيما يعلّق خبراء في هذا المجال على الأسلوب المعتمد فيها بأنه {أبعد ما يكون عن التميّز}، و{قريب جداً من رسم الأطفال، عبر تصويره رجالاً صغاراً، وحيوانات وأشياء من الحياة اليومية}، ما يفضي إلى وصف رامبو، وفق هؤلاء الخبراء، بـ{الرسّام الفاشل}.

لكن بعض هذه الرسوم يشذّ عن الفشل، إذ يتميّز بالجمال والروعة. والمفاجأة الكبرى جاءت بكشف لوفرير أنها تُنسب إلى رامبو، وليس هو من رسمها حقيقة، ذلك في الجزء الثالث من الكتاب الذي يتطرّق فيه إلى مجموعة من لوحات منسوبة إلى صاحب {المركب السكران}. مما جاء في الكتاب في هذا الصدد أيضاً، أن {هذه اللوحات شكّلت تجارة رابحة لدى شقيقة رامبو، إيزابيل، وزوجها، باتيم برّيشون، إذ خدعا من حولهما، عبر تأكيدهما أن الرسوم هي بريشة أرتور رامبو. يقول مؤلّف الكتاب إن عائلة رامبو عملت على فرض صورة للشاعر تريدها هي، وتبقى بعد وفاته.

أفاد أحد الصحافيين بأن صاحب هذه اللوحات شخص يدعى أنطوان رامبو، ضابط سابق أصبح أستاذاً في الرسم. ويضيف أنه سرعان ما حصل على الرسوم هاوٍ {فخور بامتلاك أعمال الكبير أ. رامبو!}. وقد غيّرت هذه {الألف} مجرى اللوحات، من أنطوان الشخص المغمور، إلى أرتور الشاعر المشهور.

مهما يكن، فإن هذه اللوحات، الحقيقية منها والزائفة، تحوّلت إلى ما يشبه الأسطورة، وفق لوفرير؛ والأفضل، بحسب الكاتب أيضاً، {تقبّلها كما هي}.

قالوا عنه

عندما حاول رامبو أن يصبح مؤلف نفسه وقد وصف محاولته بجملته الشهيرة {الأنا آخر}، لم يتردد في أن ينجز تحوّلاً جذرياً لفكره، اختار الاختلال المنظم لحواسه كلها.

جان بول سارتر (1947)

حاملاً في نفسه الإشراق والجحيم، محقراً الجمال ومحيياً إياه، صنع من تناقض لا يختزل غناء مزدوجاً ومتعاقباً. إنه شاعر التمرد والأكبر. لكن أين هي إذاً فضيلة هذا الذي حاد عن التناقض وخان عبقريته قبل أن يقاسيها حتى النهاية؟ شاعر كبير ومدهش، الأكبر في عصره.

ألبير كامو (1951)

كلّ شيء لا يعقل، كل شيء يخالف المألوف، لدى رامبو، ما عدا صمته. بدأ من النهاية، وبلغ فوراً حداً لم يكن قادراً على اجتيازه إلا عبر نفي نفسه.

سيوران (1965)

الأول الذي رأى، في معنى الإدراك الحسي كما في معنى الرؤيا، في الحقيقة الحاضرة شكل الحركة الجحيمي والدائري، كان ربما رامبو. شعره إدانة للمجتمع الحديث، لكن عمله الأخير {فصل في الجحيم} إدانة للشعر أيضاً.

لم يعد ممكناً، بعد {فصل في الجحيم}، كتابة قصيدة من دون قلق.

أوكتافيو باث (1965)

الأدب المعروف كله مكتوب في لغة المعنى المشترك، ما خلا رامبو. اخترع رامبو أو اكتشف مقدرة {التنافر المتناغم}. وإذ بلغ هذه النقطة، القصوى، نقطة الإثارة الطوعية الحادة لفعل اللغة، لم يكن قادراً الا أن يقوم بما قام به – الهروب.

بول فاليري (1943)

عذبوك وحرقوا روحك، احتجزوك داخل جدران أور، وكنت تقرع الأبواب بجنون. وعندما أخيراً استطعت رحلت جريحا، جريحاً وصامتاً، ميتاً رحلت.

ليس صحيحاً أنك سرقت النار، أنك كنت تركض مع السخط السماوي ومع حجارة الجحيم الكريمة وما فوق البنفسجية، لا ليس الأمر هكذا، لا أصدّقه، لقد حرموك البساطة، والمنزل والخشبة، نبذوك وأغلقوا الأبواب في وجهك ولأجل ذلك حلّقت.

بابلو نيرودا (1972، من: نشيد إلى رامبو)