بعد ثلاثة أشهر على انتخاب البرلمان العراقي الجديد، اجتمع أعضاؤه في 14 يونيو لمدة 18 دقيقة، وجلس رجلان يبتسمان في الصف الأمامي: رئيس الوزراء نوري المالكي وإياد علاوي، رئيس الوزراء السابق الذي فاز ائتلافه بفارق ضئيل بأكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب العراقي، ويصر كل واحد من الاثنين على ترؤسه الحكومة المقبلة.

لكن الرجل الذي قد يؤثر إلى حد كبير في تشكيل الحكومة واختيار رئيس وزراء جديد لم يكن في مركز المؤتمرات في بغداد لحفل قسم اليمين. فقد كان مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي المناهض للولايات المتحدة، في مدينة قم الإيرانية المقدسة حيث عاش في منفى فرضه على نفسه منذ عام 2007.

Ad

بعد انتخابات 7 مارس البرلمانية بوقت قصير، بدأ الصدر يتلقى زيارات من ممثلي الفصائل السياسية العراقية التي تسعى إلى الحصول على دعمه، فانجذب بسرعة نحو تحالف سياسي شيعي جديد لا تنقصه الآن إلا 4 مقاعد للحصول على الأكثرية في البرلمان والتمكن من تشكيل حكومة. من خلال اختيار حسم القرار الأخير حول هوية رئيس الوزراء العراقي المقبل، أظهر الصدر مرة أخرى تمتعه بمهارة سياسية أكبر مما تصورته الولايات المتحدة وخصومه العراقيون.

لكن لسوء الحظ، يهدد بروز الصدر على المسرح السياسي بإثارة توترات طائفية في العراق: فقد كان أتباعه مسؤولين عن بعض أفظع الأعمال التي ارتكبت بحق السنة خلال الحرب الأهلية التي مرت بها البلاد حديثاً. ومنذ مدة، يسعى المتمردون إلى استغلال هذا الشلل السياسي لزعزعة العراق من جديد. فيوم الأحد، انفجرت سيارتان مفخختان خارج مصرف بارز في بغداد مما أودى بحياة 26 شخصاً، وكان هذا الاعتداء الثاني من نوعه على مؤسسة مالية خلال 8 أيام.

توسع نفوذ الصدر لأن أي فصيلة لم تتمكن من السيطرة على عملية الاقتراع. فازت القائمة العراقية الوطنية برئاسة علاوي بأكبر حصة مع 91 مقعداً، تليها قائمة ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي مع 89 مقعداً، قائمة الائتلاف الوطني العراقي الذي يقوده الشيعة مع 70 مقعداً. كذلك، فاز التيار الصدري بأربعين مقعداً، أكبر عدد من المقاعد ضمن الائتلاف الوطني العراقي. وفي مطلع شهر يونيو، شكّل المالكي تحالفاً تلا الانتخابات مع الائتلاف الوطني العراقي مما أعطى الفريقين 159 مقعداً في البرلمان العراقي.

يحاول المالكي التفوق على خصمه علاوي الذي اجتذب ائتلافه العلماني دعماً كبيراً من الأقلية السنية العراقية، وقد طالب هذا الائتلاف الشيعي بالحق بتشكيل حكومة من المرجح أن تستثني السنة، ويهدد ذلك بإعادة إشعال فتيل الحرب الطائفية التي شتّتت العراق ما بين عامي 2005 و2007.

لكن حتى الآن، يرفض الصدر ومؤيدوه دعم إعادة تعيين المالكي كرئيس للحكومة، فهم يحقدون عليه لإطلاقه عام 2008 حملة قمع قضت على ميليشيا الصدر، جيش المهدي. وفي إطار مقابلة أجراها الصدر حديثاً مع قناة الجزيرة، لمح إلى العداء والحقد بين الطرفين بالقول: "لدينا انطباع سيئ عن المالكي، لقد رفض تقاسم صلاحياته وكأنه يملك الحكومة بكاملها وكان ذلك تصرفاً خاطئاً".

وفي شهر أبريل، أجرى أتباع الصدر استفتاءً غير رسمي للمساعدة في اختيار الشخص الذي سيدعمه التيار الصدري كرئيس للوزراء. فاحتل المالكي المرتبة الرابعة بحصوله على 10 في المئة من الأصوات، يليه علاوي مع 9 في المئة، أما الرجلان اللذان حصلا على أكبر عدد من الأصوات فهما إبراهيم الجعفري، رئيس وزراء سابق، وجعفر باقر الصدر الذي يتحدر من أسرة دينية مرموقة إلى جانب كونه أحد أقارب مقتدى، ولعل الاستفتاء كان يهدف إلى إعطاء الصدر ومستشاريه حجة لرفض كل من المالكي وعلاوي كرئيس للوزراء ودعم مرشح توافقي من الفصائل الشيعية.

مع انكشاف الخداع السياسي، لزم أبرز رجال الدين العراقيين الشيعة الصمت، وبما أن آية الله العظمى علي سيستاني وغيره من رجال الدين تفادوا التدخل السياسي المباشر، تسببوا بفراغ في السلطة في صفوف العراقيين الشيعة، فراغ يتوق الصدر إلى ملئه. فهو يريد أن يكون رجل دين مبجل ووسيطاً سياسياً.

في إطار النزاع على السلطة ضمن المجموعة الشيعية، لدى الصدر سببان للمطالبة بالرئاسة، فهو نجل رجل دين موقر قتله نظام صدام حسين، بالإضافة إلى أنه لم يغادر العراق ليعيش في منفى مريح. وعام 2003، بعد الاجتياح الأميركي للعراق بوقت قصير، استولى أتباع الصدر على المستشفيات، والمدارس والمساجد في أجزاء من بغداد، والنجف وكربلاء وقدموا الخدمات الاجتماعية في ظل غياب الحكومة المركزية. كذلك، جذب الصدر عشرات الآلاف إلى تجمعاته الحاشدة وخطب يوم الجمعة التي يلقيها، وأنشأ جيش المهدي الذي ضم آلاف المقاتلين، معظمهم شبان فقراء من الشيعة من أحياء بغداد المكتظة وجنوبي العراق.

عام 2004، حرّض الصدر مرتين على التمرد على القوات الأميركية في مدينة الصدر وجنوبي العراق، وقُوِّضَت  ميليشياه في المواجهات مع القوات الأميركية وبات مستقبل الصدر ضبابياً. لكن أتباع رجل الدين هذا تسللوا إلى صفوف قوات الأمن العراقية وعادوا إلى التجمع في مختلف أنحاء البلاد، وخلال الحرب الطائفية، أطلق جيش المهدي فرق الموت التي قتلت السنة وطردتهم من الأحياء الشيعية.

شق الصدر طريقه كزعيم ميليشيا، يتمتع بشعبية ومصداقية تنبعان من كونه يتحدر من سلالة من الشهداء، ثم جعل من نفسه أحد أكثر السياسيين العراقيين تأثيراً وقساوة، وراقب رجال الدين الأكبر سناً ما يحصل من موقف المشاهد، واثقين من أن سلطتهم الدينية المبجلة ستبقى أكثر من السلطة السياسية السريعة الزوال للشبان الحديثي العهد. لكن الصدر الآن في طريقه ليصبح شخصاً بارزاً يتمتع بنفوذ كبير في العراق.  

* باحث بارز في مجلس العلاقات الخارجية وبروفسور في الصحافة في جامعة نيويورك.