مقاومات المقاومة الجزائرية

Ad

شكلت المقاومة مصدر الشرعية لدولة الجزائر المستقلة على تعاقب حكامها، وبات بلد "المليون شهيد" (من أصل أقل من عشرة ملايين آنذاك) نموذجاً ملحمياً لثورات "العالم الثالث" الاستقلالية. وكانت هذه الحقيقة سبباً بذاته لاستعصاء الجزائر طوال سنواتها الممتدة منذ الاستقلال على الشرعية الدستورية.

لقد كانت الحرب ضد فرنسا واستعمارها أهم مثيلاتها المناهضة للامبريالية بعد 1945 وقبل حرب فيتنام والهند الصينية. وكان أحد أسباب ذلك طابعها الاستيطاني الذي ضاعف تعقيداتها وأسبغ عليها قدراً استثنائياً من العنف والتنازع. فالفرنسيون، كما هو معروف، اعتبروا، على مدى 130 سنة، أن الجزائر جزء لا يتجزأ من بلادهم، مشمول بثقافتهم ولغتهم، كما أن أياً من الحكومات الفرنسية لم تجرؤ، ولسنوات عدة، على الانسحاب منها أو التخلي عنها خوفاً من رأي عام مدجج بالقناعة تلك.

وفي هذه الغضون كانت تركيبة الجزائر الفرنسية، كما تطورت منذ الغزو في 1830، قد شرعت تذوي، هي التي بسببها انشد إلى ذاك البلد سكان أوروبيون باتوا، في الخمسينيات، يفوقون المليون نسمة ويعدون قرابة عُشر إجمالي السكان. فمن أجل "تهدئة" الجزائر، ذلك البلد الجبلي الذي تكاد مساحته تبلغ ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا، كان على باريس إسكان مستوطنين أوروبيين فيه، معظمهم مهاجرون من إيطاليا وكورسيكا وإسبانيا ومالطا. وقد رأى أولئك المستوطنون الآتون من البلدان والمناطق المذكورة، والتي كانت لاتزال ضعيفة التشكل أو أسيرة الفوضى والاحتراب الأهليين، أن البلد الذي استقروا فيه صار منذ استقروا وطناً لهم، كما اعتبروا أنفسهم، بطريقتهم، جزائريين. ولئن كان جزء صغير منهم من ملاكي الأرض، فقد عاش الآخرون عيشاً متواضعاً في جوار جيرانهم المسلمين: فهم لم ينتسبوا، على العموم، إلى طبقات ثرية، بل انتسبت أكثريتهم إلى البورجوازية الصغرى بمزارعيها الصغار وحِرَفييها، من دون أن تفوق مستويات دخولهم ومعيشتهم متوسط المستوى الجزائري إلا قليلاً. غير أنهم، مع هذا، أحرزوا مكسباً بارزاً تميزوا به، مصدره التمتع بالجنسية الفرنسية. أما المسلمون فكي يحصلوا على الجنسية، كان عليهم أن يتخلوا عن الامتيازات التي تضمنها لهم الشريعة الإسلامية كمسلمين وذكور. وهذا التخيير الوثيق الصلة بالعلمانية الجمهورية في نسختها الفرنسية، إنما يقود، في الحساب الديني الإسلامية، إلى الردة، وجزاء الردة القتل. هكذا لم يقدم على فعل كهذا إلا آلاف قليلة منهم، فاستفادت "الأقدام السوداء"، وهي التسمية التي أعطيت للمواطنين البيض، من ذلك الاستنكاف لتوطيد حصريتها الفرنسية، ضاغطةً بعناد من أجل محاصرة كل حق تمثيلي قد يُعطى لمسلمي الجزائر.

سنوات الفرز والاستقطاب

الراهن أن المستوطنين كانوا، بمرور السنوات، قد وسعوا الرقعة الجغرافية التي أقاموا فيها، فغادروا مزارعهم ودكاكينهم الصغيرة في المناطق الداخلية منتقلين إلى الجزائر العاصمة وإلى مدينة وهران التي فاق تعدادهم فيها تعداد المسلمين.

إذن كان وضع المستوطنين البيض هو ما ميز الحالة الجزائرية عن حالات أخرى كالفيتنامية مثلاً، حيث بقي البيض المقيمون هناك، طوال حياتهم، قلة قليلة جداً، أو عن كالحالة الروديسية حيث ظل البيض أقلية هزيلة عددياً، تفصلها عن الأكثرية فوارق وامتيازات اقتصادية هائلة تحتمي بها. لكنْ منذ 1956، والروايةُ دائماً لأليستر هورن في كتابه "حرب وحشية من أجل السلام: الجزائر 1954-62"، بدأ الفرز والاستقطاب الحادان يطغيان على الحياة الجزائرية العامة فيما كان يضمر كل رهان على أطراف وسيطة أو قوى ثالثة. فإذ راح المستوطنون يعتنقون أفكاراً وخيارات أشد فأشد تطرفاً، حُمل السكان المسلمون، في الموازاة، على تأييد "جبهة التحرير الجزائرية". والجبهة، من البداية إلى النهاية، وعلى عكس جنوب إفريقيا لاحقاً بزعامة نيلسون مانديلا، وقفت ضد فكرة جزائر متعددة إثنياً ودينياً، لمصلحة جعلها بلداً مسلماً وعربياً لا يتمتع فيه أهل "الأقدام السوداء" بأي حقوق. هكذا، وعلى رغم وجود أعداد ضخمة من المسلمين الجزائريين المتطوعين للعمل والقتال مع الفرنسيين، أبقي على الحرب دينية الطابع وعنصريته. وفي هذا المعنى ارتفع الإسلام إلى مصاف المحفز الأول والأهم للنضال الاستقلالي، بينما تداخلت وتلابست الهويتان الجزائرية والمسلمة على الصعيدين الفردي والجمعي في آن معاً.

وهذا لا يلغي أن الإقرار بـ"فرنسية" الجزائر قطع شوطاً معقولاً، لا سيما في أوساط النخبة الجزائرية ممن تلقى أفرادها العلوم الغربية الحديثة. فكان معظم رموز هؤلاء من "المتطورين" (e'volue') المسلمين، حسب تسمية زمن لم يكن قد تخلص من التراتبيات العلموية والتطورية، ممن فضلوا المواطنية الفرنسية أو الحكم الذاتي من ضمن فيدرالية تجمعهم بفرنسا، بدلاً من نيل البلد السيادة والاستقلال الكاملين. وقد اشتهر أبرز سياسييهم فرحات عباس بعبارة تعود إلى 1936 حيث قال: "لن أموت في سبيل الأمة الجزائرية لأنها لا توجد. لقد بحثت عنها في التاريخ فلم أجدها، وسألت عنها الأحياء والأموات وزرت المقابر دون جدوى".

سياسات الحرمان والاستعلاء

لكن جيل الاستقلاليين الذي ما لبث أن ظهر وأطل على الحياة العامة، تكشف عن راديكالية وعنفية تفوقان كثيراً ما انطوى عليه مثلاؤه في تونس والمغرب، وهو ما يعود، في أغلب الظن، إلى الطابع الاستيطاني لاستعمار الجزائر وإلى قسوة النشاط الثأري والاستعلائي لجيش كولونيالي متغطرس كالفرنسي. وإلى ذلك، شعرت الكثرة الساحقة من فلاحي البلد وقبائلييه بضيق باب المواطنية والتمثيل السياسي، وبأنه لن ينقتح أمامها إلا مقابل كلفة باهظة جداً هي التخلي عن الشريعة الإسلامية في تنظيم الحياة العامة، وتخلي الرجل الجزائري عن الامتيازات التي يؤمنها له الإسلام في المكانة والزواج والميراث. لا بل ألم هذا الشعور المُر بالنخبة الجزائرية نفسها: ففي 1938 ظهر مشروع بلوم فايولي الذي كان يُفترض به أن يمنح المواطنية وحقوق التصويت لـ21 ألف شخص من أبناء النخبة إياها، لكنه ما لبث أن هُزم وسُحب من التداول. ثم أجرى الفرنسيون انتخابات في الجزائر عام 1948 كان بموجبها الصوت الفرنسي الواحد معادلاً لأصوات ثمانية جزائريين، عملاً بنظام الكلية الاقتراعية المزدوجة (double electoral college). إلا أن التفاوت هذا، على ضخامته، لم يبدُ مضمون العواقب للفرنسيين فزُورت النتائج بقصد حرمان الجزائريين من قطف ثمار ذاك التصويت المختل. وفي المقابل، لم تُبدِ أي من الحكومات الفرنسية استعداداً لتحدي المستوطنين كونهم كتلة اقتراعية مهمة في فرنسا، فيما كان يستفحل شعور هؤلاء بالتفرد والاستعلاء.

وفي مايو 1945، وفي سطيف، تحولت الاحتفالات بالانتصار في الحرب العالمية الثانية، إلى تظاهرة وحشية في مناهضتها لفرنسا. فقد ذُبح وقُتل أكثر من مئة أوروبي، فرُد بإطلاق النار على الحشود التي هاجت وأقدمت على ما أقدمت عليه. لكنْ بعد ذاك حصل أحد أسوأ وأقسى الأعمال الانتقامية في التاريخ الاستعماري كله: ذاك أن قاذفات القنابل الفرنسية هاجمت القرى بينما تولت السفن قصف مناطق سكنية آمنة. وعلى العموم، تراوحت تقديرات الذين قُتلوا من الجزائريين، بمعونة مسلحين من المستوطنين، بما بين ستة آلاف وخمسة عشر ألفاً. وقد اختير لإطلاق التمرد المسلح الذي غدا حتمياً، عيد "جميع القديسين" الكاثوليكي من العام نفسه (1945)، ما لا يُخفي الدلالة الدينية الحادة للصراع، كما اختيرت جبال الأوراس مهداً للتمرد. وبقيادة الشاب أحمد بن بله، تأسست، في 1949، "المنظمة الخاصة" بوصفها الذراع المسلحة لـ "حزب الشعب الجزائري"، حزب الوطنية الجزائرية الذي أسسه مصالي الحاج، الأب اللاحق لـ"جبهة التحرير".  

"الحركي" بين قتل الجزائر وبؤس فرنسا

والحال أن الحرب، بمعناها الواسع والمفتوح، اندلعت صبيحة 1 نوفمبر 1954، فيما كان الجيش الفرنسي يلملم هزيمته في الهند الصينية بعد معركة "ديان بيان فو" عامذاك، كما يبحث عما يعوضه عنها في مكان آخر، خصوصاً أن كبار الضباط الذين خدموا هناك نُقلوا إلى الجزائر، وكذلك المظليون الذين حصدوا للتو مذلتهم في المعركة المذكورة. وهي حرب قادتها "جبهة التحرير" فلم تنته إلا في مارس 1962 مع توقيع اتفاقات إيفيان، بين فرنسا برئاسة الجنرال شارل ديغول والحكومة المؤقتة لجمهورية الجزائر، أو حكومة "جبهة التحرير" في المنفى برئاسة فرحات عباس.

لكنْ حتى بالمعايير الدموية للحروب الاستعمارية بدت الحرب الجزائرية ذات قسوة بالغة. فقد قتل قرابة 300 ألف جزائري وخضع للتعذيب مئات الآلاف، كما هُجر أكثر من مليونين، كثيرون منهم أُنزلوا في مراكز محاطة بالأسلاك الشائكة. وأدت حملة "التهدئة" الفرنسية إلى تدمير 8 آلاف قرية فيما قضى 24 ألف جندي فرنسي كما قتل الإرهاب الوطني آلافاً عدة من الجزائريين الفرنسيين. وحينما انتهت الحرب ذبحت الجبهة عشرات آلاف "الحركي" ‘Harkis’، وعائلاتهم، وهم جنود جزائريون قاتلوا إلى جانب الفرنسيين وبلغ تعدادهم، مع أُسرهم، ربع مليون نسمة. وقد تعرض منهم للتعذيب والقتل وبتر الأعضاء ما بين 30 و150 ألفاً، لُف بعضهم، وهم أحياء، بالعلم الفرنسي قبل أن يُحرَقوا في واحد من أشنع صور النضالات الوطنية والتحررية وأشدها بدائية. أما القلة من "الحركي" الذين استطاعوا الهرب إلى فرنسا، ولم يتجاوزوا الـ15 ألفاً، فأُسكنوا في أماكن معزولة ومخيمات بؤس تحولت لاحقاً، في السبعينيات، بؤراً للتوتر والشغب. وفي الحالات جميعاً كانت ضخامة حجم هؤلاء الذين اختاروا الوقوف إلى جانب فرنسا والقتال مع جيشها دليلاً صريحاً على ضعف نسيج الوطنية الجزائرية ومدى افتقارها إلى الإجماعات، لا سيما الإجماع على المقاومة، فكيف حين تضاف إليهم الكتلة الوازنة للجزائريين الأوروبيين؟

ميراث ديغول المُر

وكمثل الحكومة الفرنسية كان ألبير كامو ينتظر محاوراً يعتبره مقبولاً ويكون بمنزلة قوة ثالثة تستطيع فرنسا معها أن تفاوض في سبيل تسوية تحمي الأقلية الأوروبية في الجزائر.

وكما أدرك مراقبون أكثر برودة كريمون أرون، فإن قوة ثالثة كهذه لا توجد وسط استقطاب من النوع القائم. ففي كتابه عام 1957 "المأساة الجزائرية"، وكما ينقل عنه جيمس لو سور في كتابه "الحرب غير المدنية: المثقفون وسياسات الهوية إبان نزع استعمار الجزائر"، جادل أرون بعدم وجود بديل مقنع عن انسحاب فرنسا. وهي الخلاصة نفسها التي انتهى إليها ديغول ذاته بعدما وصل إلى السلطة، عام 1958، فيما هو يعد بعدم التخلي أبداً عن الجزائر. وكان ديغول، في هذه الغضون، يستنفد البدائل ويمتحن الاحتمالات الأخرى، محرراً فرنسا مما سماه أرون "نزف" الجزائر وحائلاً دون حرب أهلية في بلده نفسه. لكن ديغول بقراره الشجاع هذا خلّف ميراثاً مُراً، لاسيما بين أكثر من مليون جزائري أوروبي هربوا إلى فرنسا، معتبرين أن وطنهم الأصلي خانهم وخذلهم، وهو شعور شاركهم إياه كثيرون من الجنود الذين أُرسلوا إلى الجزائر للدفاع عنهم. هكذا وبعد محاولات فاشلة وتآمرية لإطاحته ولضرب الاستقرار في فرنسا، كما الجزائر، قامت، في أغسطس 1962، "منظمة الجيش السري"(OAS)  بمحاولة لاغتيال ديغول، وكادت المحاولة أن تنجح. والمنظمة المذكورة مجموعة إرهابية شبه عسكرية تشكلت من نضاليي "الأقدام السوداء"، ومن الجنرالات الذين لم يسامحوا ديغول على "تركهم" لمصيرهم.

والحق أن "منظمة الجيش السري" التي شكلت آخر معاقل مقاومة "الأقدام السوداء"، بأفق عنصري وفاشي ومغامر، كانت تخوض آخر معاركها في المدن التي وشت طبيعتها بطابع عملها اليائس. ففي 1958 استولى الرعاع البيض بدعم من بعض القادة العسكريين على مدينة الجزائر وهددوا السلطة المركزية في باريس، مطالبين بنظام جديد يضمن بقاء الجزائر فرنسية. وقد أسقطوا الجمهورية الرابعة إلا أنهم أتوا بديغول ليكون بطلهم المخلص. وبالتدريج، وكما سبقت الإشارة، تحول ديغول إلى اعتناق وعي عملي مفاده أنه لابد من التوصل إلى تسوية تكون مقنعة للجزائريين. وإذ أدرك السياسيون والجنرالات أن قائدهم وقدوتهم يخونهم، نزعوا إلى التمرد باسم "الجزائر الفرنسية"، فتصدى ديغول لتمردات ثلاثة متلاحقة وأحبطها تباعاً: "المتاريس" في 1960، و"عصيان" الجنرالات في 1961، وأخيراً محاولة الانقلاب في 1962.

ثورة الأرياف

في المقابل، جاء معظم القادة التاريخيين لـ"جبهة التحرير" من صفوف الطبقة الوسطى، حيث الفرنسية لغة البيت والمدرسة، ثم باشروا الحياة العامة من خلال "حركة الانتصار للحريات الديموقراطية" (MTLD)، وهي حركة استقلالية قادها مؤسس "حزب الشعب الجزائري" مصالي الحاج، الذي وضعته ظروف لاحقة وجهاً لوجه مع أبنائه وتلامذته في "جبهة التحرير". ولم يُعدم الذين أشاروا إلى تفاوتات عدة انطوت عليها حركة المقاومة الجزائرية: فقد ركز بعضهم على أن تفسخ النخبة الثورية إنما نجم عن دخول أفرادها معترك الأفكار والولاءات السياسية في أطوار مختلفة من تاريخ العمل الوطني. ولهذا نراهم وقد طوروا قناعات وتصورات متباينة في ما خص الليبرالية والراديكالية والثورية والنزعة التكنوقراطية وبقية المفاهيم المتداولة. وهذه وجهة نظر دافع عنها وليم كوانت في كتابه "الثورة والقيادة السياسية: الجزائر 1954-68"، بينما رأى سمير أمين، في "المغرب والعالم الحديث"، أن الثورة كانت بين 1954 و1960 ثورة أرياف تذكر بانتفاضة 1871 التي قادها عبد القادر الجزائري، لكنْ من ذاك الحين دخلت المدن إلى حلبة الثورة.

وفي الحالات جميعاً كان شبان الجبهة صغار السن نافذي الصبر تحرقوا إلى العمل المباشر بغض النظر عن مدى نضج الظروف المحيطة بعملهم. والظروف لم تكن ناضجة في 1954 بدليل أن الثوريين أولئك لم يشكلوا غير أقلية وسط الجزائريين. وكان لهذه الإرادوية التي عبروا عنها أن أوكلت إلى العنف دوراً مميزاً اتسم به التاريخ الجزائري اللاحق، صابغةً ذاك التاريخ بنزعة استبدادية وسلطوية قصوى.

عبثية العنف

لقد انطوت الحرب الجزائرية - الفرنسية على أبعاد لم تملك مثلها أي من الحروب الاستقلالية ما خلا تلك الفيتناميةالأميركية في الستينيات. وكان لهذه الأبعاد أن تعدت السياسة إلى الثقافة والمثقفين. فهي خلقت انقسامات حادة داخل فرنسا نفسها مؤذنة بنهاية الجمهورية الرابعة وملوّحةَ باحتمال اندلاع حرب أهلية في بلد المتروبول. ذاك أن مثقفي اليسار رأوا في المستوطنين فاشيين محليين، وذهب بعضهم إلى حد العمل مع المقاومة الجزائرية السرية وتبييض الأموال لها، معتبرين أنهم، بدعمهم ثورة الجزائر، يعبرون عن الوفاء لقيمهم الجمهورية ولمناهضة الفاشية، بينما رأى قليل منهم أن نجاح ثورة الجزائر يقصر طريق فرنسا إلى الثورة الاشتراكية. وبرز في هذا المجال خصوصاً جان بول سارتر الذي وقف في مقابله ألبير كامو: فهذا الأخير بعد أن شارك في المقاومة وعاش في الجزائر فقيراً من فقراء وهران، وعرف البلد والشعب، بطبيعة الحال، أكثر بكثير من سارتر، حذر من عبثية العنف ومن الأهداف السلطوية والاستبدادية لـ"جبهة التحرير"، مجادلاً بأن الأمل الوحيد للجزائر يكمن في مصالحة وتفاهم بين الفرنسيين والجزائريين. وقد ناضل كامو دفاعاً عن موقف إنساني، شاجباً العنف من الطرفين ومستخدماً ما وسعه من نفوذ أدبي وعلاقات شخصية لإخلاء عدد من الوطنيين الجزائريين من سجون فرنسا. وفي يناير 1956، دعا إلى "هدنة مدنية" تنحصر، بموجبها، الأعمال العنفية للحكومة الفرنسية و"جبهة التحرير" في أهداف عسكرية بحتة. لكن أحداً، وسط ذينك الاستقطاب والاستنفار الشاملين، لم ينصت إلى كلامه الذي بدا لكثيرين تبشيرياً ووعظياً.  

بيد أن كامو لم يكن حيادياً تماماً. فانتقاداته لارتكابات الجيش الفرنسي شرعت تتراجع تدريجاً، وهو لم يهضم الطموحات الوطنية للجزائريين مُصراً، كما لو أنه يحاكي فرحات عباس الشاب، على أن الوطنية الجزائرية لا تقوم إلا على مصدر وحيد من طبيعة عاطفية. وهو، في جلساته الخاصة، جعل يصف حرب فرنسا بأنها دفاع عن الذات معارضاً التفاوض مع "جبهة التحرير".