خلال معرض الكتاب العربي الدولي في بيروت، لاحظنا أن {دار الساقي} تضع لافتة بعنوان {الرواية الملعونة} للشاعرة الراحلة أمل الجراح التي نالت جائزة {الحسناء}، وفي اللافتة شيء من الغواية، كان السؤال البديهي من أين أتت الدار بهذه الرواية، وكيف لم نقرأها سابقاً؟علمنا أنّه في ستينات القرن الماضي نالت جراح، وهي في العشرينات، جائزة مجلة {الحسناء} اللبنانية للرواية، وكانت اللجنة مؤلفة من الشاعر والروائي جبرا إبراهيم جبرا والروائية غادة السمان والشاعر يوسف الخال. وعند استلام الراحلة مكافأة الجائزة عام 1967 في بيروت، نصحها الكاتب جبرا بعدم نشر الرواية بسبب موضوعها الجريء، الذي قد يثير عليها المجتمع العربي، وقد تتأذى بسببه، فركنت الجراح الرواية بين أوراقها... وعندما سُئلت في ما بعد عن مصيرها قالت أنها أحرقتها.
بعد رحيلها عام 2004 عثر زوجها الروائي ياسين رفاعية على الرواية مركونة بين أشياء المنزل، ثم عرضها على {دار الساقي} في بيروت. عنوان الرواية الأصلي {خذني بين ذراعيك} لكن الدار اقترحت تغيير الإسم إلى {الرواية الملعونة} وهي تتناول قصة علاقة ملتبسة بين ابنة وأب. لم تنتبه الدار إلى رواية للكاتبة أميرة المضحي بعنوان}الملعونة} صدرت عن {دار الكفاح}، ربما تعرف إدارة {الساقي} ذلك، لكنها اختارت عنواناً فيه شيء من الغواية للقارئ الذي يحب المحجوب ويعتبره مرغوباً، ورواية أمل الجراح حجبت ليس من الرقابة فحسب، بل أيضاً بسبب الرقابة الذاتية. لا ندري هل يحق لياسين رفاعية أن يصدر الرواية أيضاً؟تفتح رواية الجراح الباب على بعض الظواهر الروائية التي عرفت في الستينات وتزامنت مع الموجة الثقافية العالمية و{كليشيات} سيمون دو بوفوار وجان بول سارتر وجيل أيار 1968. بالطبع حتى الآن لا يزال شعراء وكتاب كثيرون، قدماء وجدد، يضربون على الدف لكتاب {لن} لأنسي الحاج باعتباره {أيقونة}، ومن بينهم من يصفق له من دون أن يقرأه حتى، لا نريد الدخول في نقاش حوله وفحواه وجدواه وأيقونته... كذلك لا يزال نقاد وكتاب كثيرون يستذكرون {أنا أحيا} للروائية ليلى بعلبكي التي تعرضت للمحاكمة بسبب كتاباتها التي تتطرّق إلى العلاقة بين الرجل والمرأة، وها هي {دار الآدابـ{ تعيد إصدار أعمال بعلبكي في معرض الكتب، وتعوّل عليها باعتبارها من {الأدب الملعون} (علينا أن نذكر هنا أن مجلة {الآدابـ{ كانت تناهض الأدب الملعون في الستينات لأنه ضد العروبة).لا بأس في أن تعيد الدور نشر الأدب القديم، خصوصاً أن أدباء كثيرين باتت أعمالهم متحفية ولا تجد من يسوقها لدى القراء، وبعض الكتب أصبح أشبه بوثيقة نادرة، نخص بالذكر {فتاة تافهة} للروائية الراحلة منى جبور، وهي لمن لم يعلم كتبت روايتها وهي في الخامسة عشرة، وانتحرت عام 1964 وهي في الحادية والعشرين، ولا تزال روايتها في طي النسيان، ويمكن وصفها بالروائية الملعونة التي تعاملت مع حياتها كما لو أنها بطلة في رواية.ترى هل ما زالت الكتب التي كانت تسمى ملعونة في الستينات، ملعونة على أبواب العام 2010؟ بالطبع كل شيء أصبح من البديهيات، وما العودة الى كتابات صدرت في الستينات إلا أحد أشكال النوستالجيا.
توابل
الرواية الملعونة
18-12-2009