في قراءة هادئة ومعمّقة للدراما الخليجية والمصرية والسورية التي سيطرت على الشاشات في رمضان يتبين الضعف في النصوص وطغيان الكمّ على حساب النوعية بالإضافة إلى بروز مسألة سرقة النصوص التي لم تعد تُخفى على المشاهد العربي، في المقابل برزت مسلسلات مهمة تكاملت عناصرها المختلفة وحققت لها الإتقان والتميز. خرجت إلى السطح هذه السنة بشكل ملحوظ مسألة فضح أشباه المؤلفين الذين سطوا على أعمال الكتّاب الحقيقيين بوقاحة وذلك في مسلسلات عدة، ووضعوا أسماءهم على نصوص سرقوها من مسلسلات وأفلام سابقة، فهل نحن في زمن الغاب؟
غاب عن بال هؤلاء أن المشاهد ليس غبياً ليمرّ عليه هذا الأمر مرور الكرام، فالتوثيق موجود عبر الفيديو والـCD وشبكة الإنترنت والمحطات التلفزيونية ولدى منتجي هذه الأعمال من محطات وأفراد وذاكرة النقاد. لا أريد التحدّث عن اللص، فهو مكشوف للعيان، ولا أريد منحه الشهرة على أكتاف المبدعين من نجوم الفن الخليجي، وكما يقولون في الأمثال «اللي على راسه بطحه يحسس عليها».مشكلة النصثمة عناصر كثيرة تفتقد إليها نصوص بعض الكتّاب الخليجيين أبرزها: القدرة الحقيقية على إنتاج فني ودرامي يتضمن بنية درامية سليمة ومواقف مطلوبة لبناء الشخصيات والزمان والمكان، تقديم موضوع واضح للمشاهد، تطوّر الحدث في أنساق درامية متعددة، خاتمة منطقية تمثّل قدرة الكاتب على استيعاب الفكرة والبناء والرسالة.يلاحَظ أن مسلسلات معينة استهلت حلقاتها ببداية موفّقة لكن سرعان ما أعرض عنها المشاهد واتجه إلى مسلسلات أخرى بعدما اكتشف ضعف الموضوع (البناء) والشخصيات المكررة المأخوذة من أفلام وقصص وروايات عربية معروفة تمثل نماذج شهيرة في ثقافته العربية، وهذا دليل على عدم تمرّس كتّابنا الخليجيين في فن كتابة النص التلفزيوني الدرامي إلى ما يرتقي إلى مستوى المشاهد العربي، خصوصاً أن تزايد القنوات الفضائية تسمح لهذا الأخير بخيارات عدة وتبيِّن له البناء المتطور الحديث والمشوّق في المسلسلات التركية والعربية التي يوقّعها كبار كتّاب الدراما في العالم العربي. المشاهد العربي ذكي ومدرّب على متابعة الأحداث الدرامية وألوان الصراع الدرامي والشخصيات الفاعلة في التلفزيون، لذلك لن يكون تقديم مسلسلات كويتية أو خليجية بأنساق درامية ضعيفة، بحجة أنها من التراث الخليجي أو من الواقع الكويتي، مشوّقاً.من هنا كان لزاماً على الكتاب الخليجيين الذين يتطلعون جدياً الى بناء شخصيات حقيقية في مجال الكتابة الدرامية وفن السيناريو التلفزيوني، أن يبحثوا في تفاصيل قصصهم وألا يقتبسوا بشكل مباشر أو غير مباشر أشكالاً ومواقف درامية مستهلكة، إضافة إلى ضرورة القراءة واكتساب ثقافة تلفزيونية بعناصرها كلها (الإنتاج، الإخراج، فن كتابة النص) ليتمكن الكاتب الخليجي من تحقيق بصمة في خارطة الأعمال الدرامية التلفزيونية في عالمنا العربي.للتميّز عنوانتبقى للتميز عناوين عدة وسط هذا الكم الهائل من الدراما الخليجية، من بينها المسلسلات الكويتية: «سدرة البيت»، «وعاد الماضي»، «الهدّامة».«سدرة البيت» من تأليف علي فريج الذي أمتعنا بقصته ومعالجته الدرامية والحوار الرشيق والنظيف، وهذا ليس غريباً عليه إذ سبق أن كتب مسلسل «حياتي»، كذلك قدم المخرج السوري عامر فهد المشاهد في صورة أنيقة. يتمحور المسلسل حول دور المرأة الفاعل في المجتمع وتمسّكها بروح الأسرة الواحدة مهما واجهتها من مصاعب، من خلال شخصية الفتاة «عهود» التي أخذت على عاتقها، بعد وفاة والدها، مسؤولية تربية شقيقيها وإدارة زمام الشركة التي تركها لها والدها، ما جعلها ترفض مبدأ الزواج. عندما يكبر شقيقاها ويتزوجان ويطالبان بحقّيهما بالميراث تتعامل عهود مع هذا الواقع بذكاء كي لا يتزحزح أساس البيت الذي لمّ شملهم.ما يلفت الانتباه في هذا المسلسل الأداء الرائع للنجمين هدى حسين (عهود) وعبد الرحمن العقل (حمود) بعيداً عن مطبّ التكرار الذي وقع فيه بعض الفنانين، كذلك قدّم أحمد إيراج أداءً لافتاً لشخصية فواز الطامع بأموال عهود. أما «وعاد الماضي» فشهد عودة الفنانين القديرين مريم الصالح وسليمان الياسين إلى الشاشة الصغيرة بعد غياب طويل، وقد أثبتا أنهما ما زالا في أوج العطاء الفني القادر على التعامل مع الشخصيات الدرامية المختلفة.في تجسيدها شخصية الأم موضي، تؤكد مريم الصالح ريادتها كأول ممثلة كويتية وصاحبة خبرة فنية في أداء أي دور باقتدار، كذلك يقدّم سليمان الياسين أداءً لافتاً في شخصية راشد، زوج ابنة موضي.يصوّر المسلسل نموذجاً راقياً للصراع الدرامي بين الشخصيات يقوم على الحوار النظيف المختصر والنظرات المعبّرة عن سوء العلاقة بينها، وذلك خلافاً لما قدمته الدراما الخليجية في الأعوام الماضية في هذا المجال من شتائم وألفاظ بذيئة ومقزّزة. وقّعت النص الكاتبة والممثلة القديرة أسمهان توفيق التي صاغت الأحداث بأسلوب مشوّق من خلال عائلات الجد عبد العزيز ومجاهد وعبدالله وجمعان، كذلك تميز المخرج غافل فاضل بأسلوب راق وإيقاع سريع وسلاسة في التنقل من حدث إلى آخر.صاغ الكاتب هيثم بودي في «الهدامة» دراما تاريخية امتدت بين عامي 1932و1961 تناولت رحلة كفاح الآباء والأجداد، تخللتها سنة الهدّامة التي هطلت فيها الأمطار الغزيرة وأدت إلى هدم المنازل المبنية من الطين، سنة الجدري، سنة الهدّامة الثانية، ثم إعلان استقلال الكويت. قدم بودي نصاً غنياً مبنياً على البحوث والدراسات وكتب التاريخ وقد بلورها في قالب درامي جميل.المسلسل من إخراج محمد دحام الذي قدم فيه رؤية إخراجية مميزة شملت اللقطات والإضاءة التي تعكس الحقبة الزمنية وتسلسل الأحداث. بطولة: غازي حسين، صلاح الملا، باسمة حمادة، هيفاء حسين، فاطمة الحوسني، محمود بو شهري. دراما خليجيّةأحد أبرز المسلسلات الخليجية المتميزة «للأسرار خيوط» للمخرج الأردني إياد الخزوز، الذي يعتبره النقاد من المخرجين الإشكاليين، إذ سبق أن أخرج أعمالاً أثارت تساؤلات ومناقشات بعد عرضها، من بينها: «دعاة على أبواب جهنم»، «رحلة شقا» الذي تناول فيه قضية غير محددي الجنسية «البدون».تميّز المسلسل بقصته التي صاغها بذكاء الشاعر الإماراتي محمد سعيد الضنحاني ويدعو فيها إلى التمسّك بالأرض ضمن إطار سياسي وفي قالب تراثي- اجتماعي. تضمن المسلسل إسقاطات عن أطماع دول مجاورة أو بعيدة بثروات منطقة الخليج ومحاولتها السيطرة على الأراضي والمياه، ترمز «الدالية»، إحدى البلدات القديمة المعروفة في الإمارات التي تدور فيها أحداث المسلسل، إلى الوطن، إضافة إلى إسقاط عن احتلال الجزر الإماراتية.عرف الخزوز كيفية التعامل مع هكذا نص واستطاع تقديم صورة بصرية رائعة من خلال التصوير بالطريقة السينمائية، الألوان الجميلة، اللقطات المختلفة القصيرة والمتوسطة والواسعة، الزوايا المتنوعة لحركة الكاميرا. ولا ننسَ الأداء الرائع للفنان القطري غازي حسين الذي أمتعنا في رمضان بمسلسلات عدة له، كذلك الفنان القدير جاسم النبهان، عبد الله الباروني، ناصر كرماني، عبدالله بهمن، علي كاكولي وغيرهم من الممثلين الشباب. في الإطار نفسه، برز مسلسل «قلوب للإيجار» الذي كتبت نصه المؤلفة القطرية الشهيرة وداد الكواري وتميّز بحرفية عالية. تمحور الموضوع حول الأزمة الاقتصادية العالمية وأثرها على منطقة الخليج من خلال تصوير أسر عدة تعرضت لجشع أصحاب العقارات، فلم تجد سبيلاً للتخلص من هذا الجشع والطمع إلا أرض راشد، التي أقام فيها وشيد الخيام للسكن كمهرب من الأزمة والعودة إلى الحياة البسيطة وإحياء العلاقة الطيبة والأسرية بين الجيران.اللافت في العمل رسائل التوعية للشابات اللواتي يلهثن وراء الموضة ويشترين الماركات العالمية ما يودي برواتبهن الشهرية.وبما أن النسبة الأكبر من المشاهد المصوَّرة تمت بين البحر والخيام أبدع المخرج البحريني محمد القفاص في تقديم أروع اللقطات من زوايا مختلفة وبإضاءات متنوعة.أما الأداء التمثيلي فبرز فيه غازي حسين، عبدالعزيز جاسم، باسمة حمادة التي كانت انفعالاتها في المواقف الدرامية خصوصاً أمام عبد العزيز جاسم تنم عن دراسة وتحليل جيدين، إضافة إلى الظهور المتميز لهبة الدري وعبد الله بهمن.إبداع إماراتيمن المسلسلات الإماراتية التي خرقت الروتين وتحرّرت من التقليد والتكرار نذكر: «الجيران» و{هديل الليل».يتحدث الأول عن زعزعة مفهوم الجيرة في ظل المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، النص جميل ومحبوك صاغه المؤلف البحريني عيسى الحمر الذي تناول فيه عقوق الأهل والتضحية بالأبناء والجشع والقسوة، بالإضافة إلى المشاكل التي تواجه النسيج الاجتماعي، وأجاد في إخراجه مواطنه البحريني مصطفى رشيد الذي أبدع سابقاً مسلسل «الدريشة».شارك في بطولته: أحمد الجسمي، عبد المحسن النمر، أحمد إيراج، مرام التي تميزت في مسلسلات عدة هذا العام.في «هديل الليل» يقدم الكاتب أمين صالح دراما شعبية عن الثأر والانتقام، تدور أحداثها في منطقة في الخليج يحكمها شيخ عادل، لكن يمارس اثنان من أبنائه شتى أنواع الظلم واستغلال الناس ويستولي الإبن الأكبر (زيدان) على أرض المواطن (آدم) فيثور هذا الأخير ويحاول اغتياله، لكن تبوء محاولته بالفشل ما يضطره إلى الفرار إلى الجبل والانضمام إلى إحدى العصابات هناك حيث ينقلب على زعيمها الذي يتعدى على الأبرياء، فتتحول العصابة بإمرته إلى محاربة أصحاب الأملاك الجشعين الذين يستغلون الناس.وقّع الإخراج البحريني المبدع أحمد المقلة وتولى البطولة: شهد، خالد البريكي، حسن رجب، سيف الغانم، عائشة عبد الرحمن.فشل «طاش»بالنسبة إلى عودة الثنائي الكوميدي عبد الله السدحان وناصر القصبي في الجزء السادس عشر من «طاش»، فقد أبدعا في التطرق إلى مواضيع انتقادية كوميدية وساخرة في 15 حلقة فحسب من أصل 30 حلقة. أما لمسات المخرج السوري هشام شربتجي فلم تكن واضحة كما عهدنا منه، وقد اعترف بنفسه بأنه كان ضيفاً على «طاش 16» وأثنى على من أنجز الأجزاء المتميزة السابقة.
توابل
قراءة في دراما رمضان 2009 الخليجيّة نصوص مسروقة وضعفٌ في النص
06-10-2009