راح أنور يستعد لتصوير الفيلم، وحاول أن يحشد له كبار النجوم والفنانين، وقبل أن يبدأ التصوير، فجعت ليلى برحيل والدها زكي مراد، الذي ترك داخلها جرحاً عميقاً... فقد رحل الرجل الأول في حياتها، الرجل الذي علمها وجعل منها هذه الفنانة التي تتحدث عنها الدنيا كلها، وتأجل تصوير الفيلم، ولم يمر شهر على رحيل مراد، حتى قرر أنور بدء التصوير.

في هذه الليلة شعرت ليلى بشيء غريب يسيطر عليها. كان ينتابها إحساس لا تعرف مصدره ولا سببه، وتصادف أن تكون هذه الليلة يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، فقد اتضحت الرؤية وظهر هلال رمضان، وكعادتها لم تنم القاهرة في هذا اليوم، وعلى غير عادتها لم تنم ليلى، فيما راح أنور يغط في نوم عميق، فهو سيبدأ غداً أول يوم تصوير في الفيلم.

Ad

وجاء موعد السحور وأدارت ليلى مؤشر الراديو، وتابعت البرامج الرمضانية، ثم تلاها قرآن الفجر، ولم تغير ليلى مؤشر الراديو، ثم استمعت إلى التواشيح، ثم آذان فجر اليوم الأول لشهر رمضان، كان الشيخ محمود أبو العيون يؤذن لصلاة الفجر بخشوع، وكانت ليلى تستمع إليه، وكأنها لم تسمعه سابقاً. شعرت بأحاسيس غريبة تنتابها للمرة الأولى، فوجدت نفسها فجأة توقظ أنور الذي ينام بجوارها:

- أنور أنور، قوم الفجر بيدن.

- إيه يا ليلى، ما الفجر كل يوم بيدن.

- النهاردة أول يوم رمضان.

- عارف ياستي بس أنا الكلى تعباني. يعني عندي رخصة مش هصوم.

- قوم اصحى المؤذن النهارده صوته حلو قوي. أحلى من الكروان.

- أيوه صحيح صوته حلو. ممكن تنامي بقى أو تسيبيني أنام.

صمتت ليلى قليلاً، وراحت تفكر في الموضوع، وكان أنور عاد إلى نومه:

- أنور أنور.

- إيه تاني يا ليلى؟

- أنا عاوزه أصوم.

- قولي نويت الصيام وصومي.

- يعني ينفع؟

- طبعاً ينفع. بس سبيني أنام.

- أنور.

- لا بقى مش ممكن.

- أنا عايزه أشهر إسلامي.

وهنا انتفض أنور من نومه، ونظر إليها طويلاً:

- إنت بتتكلمي جد؟

- ودي حاجة فيها هزار. قولي أعمل إيه؟

وقبل أن يعود إلى نومه ويجذب الغطاء على وجهه:

- قولي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويبقى كده أسلمتي.

تركت ليلى أنور ينام، لكنها لم تنم ليلتها. ظلت مستيقظة حتى التاسعة صباحاً، وارتدت ملابسها المحتشمة وعلى رأسها طرحة، وذهبت إلى الأزهر لتشهر إسلامها. حيث استقبلها الشيخ محمود بكري، وعلى يديه أشهرت إسلامها، ورددت الشهادتين، وعادت لتنحر الذبائح وتوزعها على الفقراء والباعة الجائلين.

لم تكتف ليلى بذلك، فمع تصويرها فيلم «ليلى بنت الأكابر» من بطولة أنور وجدي وإنتاجه، جاء موسم الحج فطلبت أداء الفريضة، لكن إدارة استوديو مصر أصرّت على ضرورة الانتهاء من تصوير الفيلم خلال أسبوعين، فاضطرت إلى البقاء متنازلة عن أمنية غالية، لكنها طلبت من المؤلف أبو السعود الإبياري أن يكتب لها أغنية في وداع المسافرين إلى الحج، وطلبت من رياض السنباطي تلحينها، فكانت رائعتها «يا رايحين للنبي الغالي هنيالكم وعقبالي». بكت ليلى وهي تسجلها فقد كانت حديثة عهد بالإسلام، وشعرت بالأغنية تزلزل كيانها.

منير مراد والإسلام

لم يكن في إسلام ليلى أي انتهازية سياسية أو اجتماعية أو حتى دينية، فقد أشهرت إسلامها عام 1946، أي قبل عام 1948، عام النكبة الذي هزم فيه الصهاينة الجيوش العربية، وأعلنوا تأسيس دولة إسرائيل، ولم تكن تلقى مضايقات أو إهانات في عملها باعتبارها يهودية الديانة، إضافة إلى أن زوجها المسلم لم يدفعها إلى ذلك، بل اختارته بمحض إرادتها، تماماً مثلما فعل شقيقها موريس، عندما قرر أن يشهر إسلامه فجأة محولاً اسمه من موريس زكي مراد إلى محمد منير مراد، وأصبح في ما بعد يقتصر اسم الشهرة على منير مراد دونما أي مبرر ظاهري يضطره إلى ذلك، فهو لم يُشهر إسلامه اضطراراً بداعي الزواج بأنثى مسلمة مثلاً، بل إنه في تلك الأثناء كان متزوجاً امرأة يهودية من أصل إيطالي تدعى رينيه وأنجب منها ابنه الوحيد زكي منير، وقد أدى اعتناقه الإسلام إلى تفكك أسرته إذ هجرته زوجته ورحلت إلى الولايات المتحدة وحرمته من طفله الوحيد وطلبت منه الطلاق وتم لها ذلك، ثم تزوج من فنانة شابة كانت في بداية طريقها الفني تدعى سهير البابلي.

لم يشهر موريس إسلامه اضطراراً كفنان ذائع الصيت بين جمهور من المسلمين، إذ لم يكن إلى حين إشهار إسلامه سوى مساعد مخرج، وهي مهنته منذ عام 1943 بدءاً من فيلم «قضية اليوم» من بطولة أنور وجدي وعقيلة راتب ومن إخراج كمال سليم، وحتى مطلع الخمسينات حينما امتهن التلحين. أي أنه لم يكن معروفاً آنذاك سوى في الوسط الفني المصري كمساعد مخرج، ولم يكن معروفاً لدى جمهور السينما، فاسم موريس مراد ظهر على شاشات السينما كمساعد مخرج في ما يقارب الأربعين فيلماً (من عام 1943 وحتى عام 1953) ومن بينها «ليلى بنت الفقراء» عام 1945 من بطولة ليلى مراد وأنور وجدي وإخراجه، ولم يكن ظهور هذا الاسم يعني شيئاً آنذاك، لكن موريس كان يعني الكثير والكثير جداً هو وشقيقته بالنسبة الى اليهود في مصر.

حارة اليهود

في مقهى «لانسيانو» في حارة اليهود في القاهرة، اجتمع عدد من يهود الحارة لمناقشة مشكلة كبيرة تخص مطربتهم المحبوبة ليلى مراد، فهم علموا أنها تحولت من اليهودية إلى الإسلام بعد زواجها من الفنان أنور وجدي.

كان صاحب المقهى، وهو يهودي من أصل إيطالي يدعى لانسيانو أكثر الغاضبين، إلى درجة أنه أعلن أنه سيغلق راديو المقهى أثناء إذاعته أغنيات ليلى، وأنزل صورتها المعلقة على الحائط، إلا أن سيدة يهودية فقيرة تدعى سعدية وكانت من عشاق ليلى، ثارت على هذا التصرف، وصاحت:

- انتم زعلانين قوي كده ليه؟ هي قريبتكم؟ هي أختكم؟ انتم علاقتكم بيها إيه؟

- دي يهودية وجوزها خلاها تشهر إسلامها.

- هي عيلة صغيرة. دي ست الستات، والحكاية بسيطة حبت واتجوزت زي أي ست.

لم يسفر النقاش عن شيء، واستمر الغضب حتى تبدلت الحال في اليوم التالي بعد أن انتشر الخبر في حارة اليهود (يُقال إن شقيقها منير وراء تسريبه لتهدئة الثورة): زارت ليلى سراً معبد «ابن ميمون» اليهودي في الحارة في منتصف الليل تماماً، وطلبت من القيمين عليه عزف الموسيقى على روح أبيها الفنان زكي مراد، ثم غادرت في هدوء. انتشر الخبر في الحارة فعم الارتياح، وأعاد صاحب المقهى صورة ليلى إلى الحائط، وفتح الراديو للاستماع لأغانيها.

خلافات فنية

لم تمض أشهر حتى بدأت الخلافات بين أنور وليلى، لكنها لم تكن عاطفية، بل مادية. وشبّ خلاف واسع بين الزوجين في مطلع عام 1946 عندما جاء المخرج أحمد سالم يعرض على ليلى بطولة فيلم «الماضي المجهول».

كان سالم إنساناً غامضاً، فقد كان طياراً، ثم عمل كمدير للإنتاج في استوديو مصر، وكان مخرجاً إذاعياً وقبل هذا وذاك، كان «تاجر أسلحة»، وتزوج مرات عدة، ومن بين زوجاته كانت الراقصة تحية كاريوكا، والمطربة أسمهان، وكان أطلق عليها الرصاص في منزلهما قبل موتها بأيام... وتحول بعد ذلك إلى التأليف والتمثيل والإخراج والإنتاج.

عندما جاء إلى ليلى كان سالم خارجاً من السجن بعد فضيحة دوت في مصر وكتبت عنها الصحف أشهراً طويلة، إذ كان متهماً بتجارة الأسلحة في قضية عرفت باسم قضية «الخوذات المزيفة»، لكن ذلك لم ينتقص من شأنه باعتباره «ابن الذوات، الجنتلمان، الطموح، المغامر»، إضافة إلى وسامته وإدارته أستوديو مصر سنوات عدة.

كان سالم لينزوي بعد خروجه من السجن، لكنه واجه الناس في تحد، وقرر أن يتحول إلى منتج ومخرج ومؤلف وممثل.

الكابتن والنجمة

وضعت الجرأة سالم في خانة الفرسان، لا سيما أنه كان يبدو مغامراً، كما بدا في تلك الليلة التي التقى فيها أنور وجدي وليلى مراد في الإسكندرية.

كانا يجلسان وسط شلة من الأصدقاء في حديقة الفندق، كان الوقت ليلاً عندما هبط عليهما أحمد سالم فرحبا به. جلس بين الشلة، هو يعرفهم جميعاً، لكنه بعد لحظات، استأذن وجدي في الجلوس مع ليلى لدقائق. حمل مقعده ودار به حول المائدة حتى وضعه بجوارها ومال عليها وراح يتحدث. كان واضحاً من صوته الخافت أن ثمة أمراً مهماً. راح وجدي يتبادل الحديث مع الشلة، لكنه كان يغلي من الضيق، وكانت ليلى تشعر بهذا، لكن سالم كان غارقاً في حماسته:

- طبعاً انتِ عارفة الظروف اللي أنا مريت بيها الفترة اللي فاتت.

- الحمد لله يا كابتن أحمد انتهت على خير.

- عدت زي ما كل شيء بيعدي. المهم إن الإنسان ما يقفش عند مرحلة ويحس إنه انتهى.

- طبعا... طبعاً.

- علشان كده أنا قررت أبدأ من جديد، بس المرة دي هبدأ من السينما.

- جميل قوي.

- زي ما انتِ عارفة أنا كنت لفترة طويلة مدير أستوديو مصر، وده إداني خبرة كبيرة بعملية الإنتاج والإخراج والمونتاج، وكمان التمثيل. يعني بالصناعة كلها.

- انت خبرة كبيرة يا كابتن.

- علشان كده أنا كتبت سيناريو فيلم جديد اقتبسته من فيلم أميركي اسمه «عودة الأسير» وحولته إلى فيلم مصري أحداثه رائعة. قررت أن أنتجه وأخرجه.

- هايل يا أستاذ ربنا يوفقك.

- هيوفقني لو وافقتي تبقي بطلة الفيلم ده.

ارتبكت ليلى. هل توافق أم ترفض؟ إذا وافقت قد تختلف مع وجدي، وإذا رفضت ربما تكون فرصة جيدة وتضيع منها. وقعت في حيرة:

- ده... ده شيء يشرفني يا أستاذ. بس مش هينفع الكلام هنا. لما ننزل مصر إن شاء الله نتقابل عند أنور في المكتب ونناقش كل التفاصيل.

وحدث ما كانت تخشاه ليلى، فما إن علم وجدي بخبر الفيلم وبتفاصيل الجلسة الهامسة بين سالم وليلى، حتى ثار ثورة عارمة، وراح يتهم سالم بشتى التهم:

- إزاي تتفقي معاه من ورايا كأن أنا مش موجود.

- يا أنور محصلش حاجة ده مجرد كلام.

- كان ناقص إيه، يجيب الكاميرات ويصور.

- انت مكبر الموضوع ده مجرد عرض ممكن نقبل وممكن نرفض.

- أيوه لازم ترفضي. إزاي تسمحي لنفسك تمسي كرامتك وكرامتي بالشكل المهين ده.

- وإيه الإهانة في كده؟

- إزاي تقبلي تشتغلي مع واحد رد سجون. الأستاذ اللي انت بتقولي عليه مؤلف ومنتج ده كان لسه من أسبوعين تلاتة في السجن.

- وإحنا مالنا إحنا مش هناسبه. ده هينتج ويخرج فيلم.

- وده كان درس الإخراج ولا شافوه فين؟ في السجن؟ والله مكنتش أعرف إن مصلحة السجون بتدرب النزلاء دلوقت على الإخراج والتأليف؟!

- ملوش لزوم الكلام ده يا أنور. تقدر تعتذر له. عموماً هو كان مستني ردي والأجر اللي أنا عايزاه.

- أجر. وسيادته اللي هينتج كمان؟

- أيوه هو المنتج.

- وجاب الفلوس دي منين؟ ده لسه خارج من السجن امبارح. لحق جاب فلوس منين؟

- انت عارف إنه ابن ذوات وعيلته كبيرة، وبعدين أرجوك اقفل الموضوع ده دلوقت ولما يبقى يتصل ابقى اتصرف انت معاه.

انتهى الحديث بين ليلى ووجدي، وعندما عاد إلى القاهرة اتصل سالم بليلى، وقبل أن تنطق بكلمة وجدته يطلب منها احتساء الشاي في منزلها، واتفق معها على أن يزورها في «عمارة الإيموبيليا» التي انتقلت إليها ووجدي، باعتبارها إحدى أشهر عمارات القاهرة الخديوية ووسط القاهرة.

غيرة فنية

كان الموعد يوم الأحد العاشرة صباحاً، وعندما وصل سالم راح وجدي يغلي كالبركان. بدأ سالم بسرد قصة الفيلم بالتفاصيل، فيما راح وجدي يتثاءب تعبيراً عن أن القصة مملة، من دون أن يقول رأيه، ولاحظ سالم ذلك، لكنه لم يهتم وواصل حتى انتهى، وتحت ستار المناقشة راح وجدي يسفه من الأحداث، لكن القصة في النهاية كانت جميلة، وكان سالم ذكياً... ولا شك في أن ذكاءه كان سبباً في انتصاره، ذلك أن مناقشة وجدي معه أخذت تتحوّل من الحدة إلى الاستفزاز، وجاءت فرصة الأخير عندما بدأ الحديث عن الأجر:

- أنت عارف ليلى بتاخد كام في الفيلم؟

ولم يعط الفرصة لسالم كي ينطق حرفاً، أو حتى يسأل «كام» وصاح:

- ليلى بتاخد خمستاشر ألف جنيه. يا أستاذ... معاك خمستاشر ألف؟!»

ولم يُهزم سالم أو يُستفز. أخذ يناقش الأجر كأي رجل أعمال شديد الثقة بنفسه، كان هذا الشاب الذي اتهم بالسرقة في قضية شهيرة، والذي غادر السجن منذ أسابيع يبدو وكأنه يملك ألوف الجنيهات، ما جعل وجدي يستشيط غضباً:

- أنا طبعاً تحت أمر مدام ليلى.

- طيب وهتجيب الفلوس منين؟!

- أنا حر يا أنور أجيبها من مطرح ما أجيبها!

- وكمان بتاخد عربون الأول 8 آلاف مقدم!

- موافق... بس أنا معايا ستة دلوقت وبكرة إن شاء الله هيكون عندها الألفين!

كتمت ليلى ضحكتها مما يفعله أحمد سالم، ونفاد حيل أنور. لم يكن ممكناً أن يصدق أحد أن سالم يستطيع الآن دفع ستة آلاف جنيه، فالأحد تقفل المصارف، وكانت الساعة 11 صباحاً، وكان وجدي يقف أمام سالم في غرفة المكتبة في شقته في الإيموبيليا، أما ليلى فكانت جالسة وتبدو شديدة السعادة لرؤيتها سالم وأنور يتبارزان لأجلها.

وصل التحدي بين الشابين إلى درجة أن سالم استأذن مدة ساعة ليعود بعدها بالمال.