إذا كنت تستطيع أن تمنح طفلك هدية مثالية هي القدرة على التعرف إلى نوتة موسيقية ببساطة من خلال سماعها، هل كنت ستفعل ذلك؟ يقول القلائل الذين ولدوا وهم يتمتعون بهذه القدرة إن للنوتات الموسيقية هوية وكيان ملموس، كالألوان تقريباً، والمقدرة على التعرف إليها من خلال الحدس تمنح الموسيقى قيمة ثلاثية الأبعاد.

لصياغة الأمور ببساطة، «إذا تذوقت طبقاً ما يمكنك أن تسمي كل عنصر موجود فيه، هذا أشبه بالتمتع بالمقدرة على التعرف إلى النوتات الموسيقية»، بحسب تعبير عازفة البيانو وأستاذة الموسيقى شيزوكو أوزاوا.

Ad

من المتعارف عليه على نطاق واسع أننا لا نستطيع اكتساب هذه القدرة على التعرف إلى النوتات في مرحلة البلوغ. لكن أطفالنا، كما يبدو، يستطيعون ذلك.

بدأت كازوكو إيغوشي منذ 40 عاماً (عندما كانت شابة تدرّس الموسيقى في الثانوية، منزعجة من افتقارها هي نفسها إلى هذه القدرة ومن الضعف الذي لاحظته لدى طلابها) بتطوير طريقة لذلك. وعزت هذه المشكلة إلى افتقارها إلى التدريب في مرحلة مبكرة.

في هذا الاطار قدّم توموكو كانامارو، عازف بيانو وأستاذ مساعد في مادة الموسيقى في كلية نيوجيرسي، عرضاً بعنوان Can Perfect Pitch be Taught? Introduction to the Eguchi Method (هل يمكن تعلم القدرة على التعرف إلى النوتات الموسيقية؟ مقدمة لطريقة إيغوشي)، خلال المؤتمر الوطني للعزف على آلة الكيبورد Keyboard في لومبارد، في ولاية إيلينوي.

يُذكر أن أكثر من 800 أستاذ في اليابان يعتمدون طريقة إيغوشي لتعليم هذه القدرة للأطفال والأولاد، ويفيدون بنسبة نجاح محققة تقدّر بمئة في المئة بالنسبة إلى من يبدأ بالتعلم قبل سن الرابعة. في نهاية فترة التدريب، التي تبدأ بربط كل نوتة موسيقية بعلم ملوّن، يعزف الأستاذ نوتات موسيقية بشكل عشوائي على البيانو ويتمكن الطفل، من دون أن ينظر، من التعرف إليها.

ما إن يتعلمها، ترافق هذه القدرة الطفل طوال حياته، بحسب اعتقاد الأساتذة. لكن اكتسابها لا يحصل بسرعة أو بسهولة، حتى بالنسبة إلى طفل في الثالثة من عمره. كذلك، يتطلبالأمر أهلاً ملتزمين وصبورين مستعدين لتخصيص بضع دقائق من وقتهم لهذا الأمر، مرات عدة يومياً مدة سنتين تقريباً. بيد أن هذا كله مختلف تماماً عن العزف على البيانو أو أي آلة موسيقية أخرى. في الواقع، لا يلامس الطفل أبداً لوحة مفاتيح الآلة خلال هذه الجلسات التي تمرّن الأُذُن.

يبدأ الأستاذ بعزف سلّم C الكبير (ماجور) الذي يتألف من ثلاث نوتات على أحد أوتار البيانو، ويُطلب من الطفل أن يرفع علماً أحمر. (لا داعي لأن يكون العلم أحمر، أو حتى لا داعي للعلم؛ سيفي أي رمز بسيط بالغرض). في المنزل، يتبع الوالدان الارشادات من خلال عزف سلّم C ويكون الطفل جالساً في مكان لا يمكنه من خلاله رؤية لوحة مفاتيح الآلة، فيرفع العلم الأحمر عند التعرف إلى النوتة. تكرر هذه العملية بضع مرات يومياً.

بعد بضعة أسابيع، يُضاف سلّم وعلم آخر. والآن على الطفل أن يرفع علماً أصفر عندما يتعرف إلى سلم النوتة Fa الكبير (ماجور) وعلماً أصفر عند التعرف إلى سلّم C. ثم ينضم إلى المجموع سلّم ثالث ورابع. في النهاية يُربط كل سلّم مفتاحه أبيض بعلم ملون، بعدئذٍ ينتقل الدور إلى السلالم ذات المفاتيح السوداء. يُذكر أن الطفل يسمي السلّم من خلال لونه فحسب.

جلسات التدريب قصيرة جداً، مدة كل واحدة منها بضع دقائق، لكنها تتكرر بانتظام. يتم عزف السلالم بطريقة عشوائية، لا يُعزف أبداً بحسب الترتيب نفسه. لمنع الطفل من ربط أي سلّم بفعل علاقته بسلّم آخر.

بعدئذٍ، يذكر الطفل النوتات الفردية التي تشكّل السلّم. بالنسبة إلى C ماجور أي «دو-مي-سو»، يرفع الطفل العلم الأحمر ويقول «ريد، دو-مي-سو» مثلاً. في نهاية المطاف، بعد عزف السلّم، يتناول الوالد أو الأستاذ النوتة الأعلى ويعزفها على حدة. يسمي الطفل السلّم، النوتات الفردية، ثم عند سماع النوتة المنفردة يحددها.

يُذكر أن طريقة إيغوشي (تتمثل في درس للأطفال يركز على البيانو ويتضمن تنمية القدرة على التعرف إلى النوتات الموسيقية كجزء من تمرين الأذن)، تختلف عن التمارين المماثلة الأخرى من خلال تركيزها بشكل أساسي على السلالم الموسيقية عوضاً عن النوتات الفردية. وتوضح إيغوشي أن المباشرة بالنوتات عوضاً عن السلالم تدفع بعض الأولاد إلى تحديد النوتة بحسب موقعها مقارنة بنوتة أخرى. وتعلّق أوزاوا بالقول إن تذكر السلالم الموسيقية أسهل بالنسبة إلى الأولاد؛ وهي تقارن ذلك بتذكر وجه معين عوضاً عن تذكر العينين فحسب.

لكن إلى جانب الرضى الجلي المتأتي عن التمتع بالمقدرة على التعرف إلى النوتات الموسيقية، ما هي فائدة ذلك؟

يوضح أوجين بريدونوف، عازف بيانو وفنان مقيم في مدرسة سينسيناتي، أنه يستطيع رؤية النتائج من خلال جلسات تمرين الأذن المبكرة. ويتابع: «سأشرح وأثبت ذلك: يفهم الأطفال النوتة، يستوعبونها، يسمعونها ويعزفونها مباشرة على البيانو. كان هؤلاء الأطفال لامعين وسريعين جداً على هذا الصعيد، على صعيد مدى حساسية أذنهم للدرجات الموسيقية المختلفة في السلم. من الواضح أن آذان هؤلاء الأولاد الموسيقية جيدة جداً. هل يُعزى ذلك إلى أسلوب إيغوشي؟ إلى حد كبير أجل، لكنه يعود أيضاً إلى التمرين في سن مبكرة جداً. فهذا النوع من التعرف إلى الفروقات في السلالم الموسيقية ينبغي أن ينشّط الروابط في الدماغ بطريقة تتعدى ما يحصل عليه معظم الأولاد عادة».

تضم المدرسة الموسيقية حوالى 1500 تلميذ، ما بين مرحلة الطفولة وآخر مراحل المراهقة. غير أن السن المثالية للمباشرة هي بين العامين ونصف العام والثلاثة أعوام، والتدريب لا يعود فاعلاً بعد سن الثامنة، على حد قول كانامارو، أستاذ في كلية نيوجيرسي.

يُشار في هذا الإطار إلى أن دراسة أجراها حديثاً كل من كينيشي ميازاوا ويوكو أوغاوا ونُشرت في مجلة Music Perception قد تطرقت إلى مدى ظهور القدرة على التعرف إلى النوتات الموسيقية في صفوف الأولاد اليابانيين الذين بدأوا بالمشاركة في دروس الموسيقى في سن الرابعة في مدرسة موسيقى لم يُذكر اسمها «تديرها أكبر مؤسسة موسيقية في اليابان». وقد نقلا أن دقة القدرة على التعرف إلى النوتات تحسنت من الصدفة المحض بسن الرابعة إلى حوالى 80 في المئة بعمر السابعة ولم تتحسن كثيراً بعد ذلك.

تجلس إيغوشي في كرسي مدولب لأنها تعاني من التهاب المفاصل الحاد ولم يعد بإمكانها أن تعزف على البيانو أو تعلّم، وقالت في اتصال معها إنه بسبب مرضها، لم تتمكن من اعطاء ابنتها أياكو إلا تدريباً جزئياً.

لكن أحفادها قد تعلموا في مدرستها الموسيقية.

وتوضح إيغوشي، «تستطيع ابنة أياكو أن تنسجم إلى حد كبير مع الموسيقى والنغم، يبدو الأمر وكأنها ترى الموسيقى عندما تسمعها. هي تتمتع بقدرة جيدة على تحديد النوتات». من جهته، يعلق بريدونوف أنه متأثر بنجاح إيغوشي في اليابان، لكنه ليس واثقاً من مدى ملاءمة هذه الطريقة مع المجتمع الأميركي ويقول: «قلة من الأولاد في الولايات المتحدة قادرين على أن يباشروا في مثل هذه السن الصغيرة بارشاد موسيقي مكثف إلى هذا الحد، يتناوب على تقديمه الأساتذة والأهل. في اليابان تمرن الأم الأولاد بانتظام يومياً، إلى جانب الدروس التي يتعلمونها».

ويضيف بريدونوف: «في ثقافتنا، في عدد كبير من العائلات، يعمل الوالدان، ونحن نريد أن يشارك أولادنا في نشاطات متنوعة كثيرة. لكن من النادر في مجتمعنا أن يبدأ الأولاد بالتركيز على نشاط معين في هذه السن الصغيرة».