تنتظر ميريل ستريب، منذ بلوغها الثامنة والثلاثين، أن تبدأ مسيرتها المهنية بالتراجع. ولكن ها هي اليوم في الستين من عمرها ولا تزال تُعتبر من الممثلات التي تستقطب أعداداً كبيرة من المشاهدين. وبعد دورها المميز في Julie and Julia (من إخراج نورا إفرون)، نرى أليك بولدوين وستيف مارتن يلاحقانها في الفيلم الرومنسي الفكاهي It’s Complicated. إليكم هذه اللمحة المشوّقة عن إحدى أبرز نجمات هوليوود التي ما زال وجهها خالياً من أي أثر للبوتوكس.نشهد اليوم إحدى نقاط التحول الغريبة في تاريخ صناعة الأفلام الحديثة مع اعتلاء ملكة جديدة في هوليوود عرش شبابيك التذاكر. لم تدخل هذه الملكة هذه الصناعة حديثاً، ولا هي ممثّلة شابة. صحيح أنها مذهلة وفق كل المعايير، إلا أنها تبدو مميزة خصوصاً في نظر الجمعية الأميركية للمتقاعدين. فخلال السنوات الثلاثين الماضية، اعتُبرت أفضل ممثلة في جيلها وحصدت بفضل أدائها المذهل فيضاً من النقد الجيد إلى جانب مجموعة من الجوائز. لكن حتى أخلص معجبيها ما كانوا قبل وقت قصير يعتبرونها من الأسماء التي تجذب عدداً كبيراً من المشاهدين.
صحيح أن ستريب بلغت سناً غالباً ما تقتصر معها أعمال الممثلات على أدوار العجائز، إلا أنها تُعتبر راهناً من أبرز النجمات التي تستقطب المشاهدين. ففي الصيف الفائت، حقق فيلم Julie and Julia، الذي تؤدي فيه ستريب دور الطاهية جوليا شايلد، أكثر من 121 مليون دولار. وشهد شهر نوفمبر (تشرين الثاني) انطلاقة فيلم Fantastic Mr. Fox، فيلم «أنيمايتد» للمخرج ويس أندرسون مستوحى من إحدى قصص الأطفال لروالد دال يؤدي فيه جورج كلوني وستريب دور السيد والسيدة فوكس. أما في فيلم It’s Complicated، الذي بدأ عرضه أخيراً، فنرى ستريب في دور امراة كانت متزوجة من رجل نذل (أليك بولدوين) خانها، طلقها، وتزوج ثانية بامرأة شابة وجميلة جداً سرعان ما سئم منها. عندئذ ينغمس في علاقة سرية جارفة مع زوجته السابقة، في الوقت الذي يحاول فيه مهندس ضعيف الشخصية (ستيف مارتن) التقرّب منها.تقول ستريب متعجّبة: «هذا مذهل. أنا في الستين من عمري وها أنا أؤدي دوراً رئيساً في فيلم فكاهي رومنسي. لو كانت بيتي ديفس حية لماتت من الحسد. فكانت في الثانية والأربعين عندما مثلت All About Eve وفي الرابعة والخمسين مثلت What Ever Happened to Baby Jane?».بفضل بعض اللقطات التي تروّج للفيلم، تمكن الجمهور من تصنيف It’s Complicated (للمخرجة نانسي ميرز) «فيلماً مميزاً»، واعتبروا أن من الضروري مشاهدة أداء ستريب فيه. تثير هذه اللقطات الضحك، وخصوصاً عندما تخبر شخصية ستريب صديقاتها (نساء في متوسط عمرهن أيضاً) أنها تقيم علاقة مشينة غير متوقعة، ثم تضيف وهي تشعر بمزيج من الإحراج والفخر: «تبيّن في النهاية أنني أنا أيضاً ماجنة بعض الشيء».حازت ستريب على جائزتي أوسكار، فضلاً عن 15 ترشيحاً لهذه الجائزة و23 ترشيحاً لجائزة غولدن غلوب. وتكون بذلك حطّمت الرقم القياسي في عدد الترشيحات في تاريخ كلتا الجائزتين. ومع أن اسمها ارتبط بأفلام درامية مثقلة بالأحزان، مثل Sophie’s Choice، غالباً ما تظهر ستريب في الأفلام التجارية التي ترضي الجماهير بما فيها من ضحك ومرح، بدل الحزن والبكاء. في عام 2008، حصد فيلم Mamma Mia! الغنائي 601 مليون دولار بعد عرضه في مختلف أنحاء العالم، على رغم بعض المراجعات المحرجة (التي وُجِّهت إلى الفيلم لا بطلته المحبوبة) وبطله (بيرس بروسنان) الذي بدا مذهلاً، إلا أنه لا يجيد الغناء بقدر ما يتقن التمثيل. أما فيلم The Devil Wears Prada، الذي صدر في العام نفسه ولاقى أصداء إيجابية، فحقق 324 مليون دولار حول العالم.لطالما افترضت صناعة الأفلام أن النجاح يكمن في إنتاج أفلام موجّهة إلى الشبان. لذلك اعتراها القلق والحيرة حين رأت الأرقام التي حققتها أفلام ستريب. فقد أقر كثيرون من مديري الاستوديوهات سراً أن إنتاج أفلام عن النساء، وخصوصاً المتقدمات في السن، لا يستحق حتى ميزانية متواضعة. لكنهم صعقوا عندما حصدت مجموعة من الأفلام عن نساء في خريف العمر أرقاماً خيالية لا يحلمون بها. توضح نورا إفرون، التي كتبت Julie and Julia وأخرجته: «لا تكمن المشكلة في أن الاستوديوهات نسيت أن الأفلام عن النساء أو الموجهة إليهن لها جمهور واسع. هم في الواقع يجهلون السبيل إلى تسويق أفلام مماثلة. لا يجيدون سوى تسويق أفلام موجهة إلى الشبان المراهقين. ولا أعتقد أن فيلمي كان سيبصر النور لولا ميريل».حمل نجاح ستريب هوليوود على التفكير في فرضية مذهلة: إذا صنعت فيلماً يثير حقاً اهتمام النساء، فسيشترين بطاقات ليشاهدنه. يوضح مايك نيكولز، الذي أخرج أفلام ستريب Silkwood وHeartburn وPostcards from the edge، فضلاً عن مسلسلة محطةHBO Angels in America: «كسرت ستريب حاجز أن امرأة متقدمة في السن لا يمكن أن تصبح نجمة لامعة. لم نشهد أمراً مماثلاً سابقاً». وذكرت مجلة Entertainment Weekly أخيراً: «تتمحور حملتها راهناً حول الإظهار لهوليوود كم من المال قد تجني من الأفلام التي ترتكز على النساء».مع أن مسرحية Mamma Mia!، التي كتبتها وأنتجتها وأخرجتها نساء، جمعت ما يزيد على ملياري دولار وحضرها أكثر من 30 مليون شخص حول العالم منذ افتتاحها في العام 1999، لاقى الفيلم ترحيباً فاتراً، هذا إذا بالغنا في وصفه. فأفادت صحيفة The Gardien بلهجة تهكمية: «نسمع في المؤتمرات الصحافية همساً عن أن أداء أغاني فرقة Abba في فيلم غنائي مفعم بالمرح والحركة ما هو إلا ذلة خطيرة في مسيرة الفنان المهنية. ففي النهاية، تشتهر ستريب بأدوارها الأكثر جدية».لكن هذا الفيلم انتقم من كل منتقديه بعدما حصد أكثر من نصف مليار دولار. تقول ستريب: «أشعرني هذا بالرضا لأن لا أحد يأبه لهذه الشريحة من الجمهور».ترتفع قيمة ستريب مع تنامي النجاح الذي تحققه على شباك التذاكر. اشتكت ستريب سابقاً من أن صناعة الأفلام تدفع للممثلين أجوراً أعلى بكثير مما تخصصه للممثلات. وهي محقة في ذلك. فقد أشارت مجلة Forbes إلى أن دخل أهم عشرة ممثلين في هوليوود بلغ ضعف دخل أهم عشر ممثلات بين يونيو 2008 ويونيو 2009. وبما أن ستريب جنت 24 مليون دولار في تلك الفترة، احتلت المرتبة الثالثة بين النساء، بفارق بسيط عن أنجلينا جولي (34 مليون دولار) وجينيفر آنيستون (40 مليون دولار).«ظاهرة جديدة»لكن قوّة ستريب المكتشفة حديثاً كممثلة تحقق أرباحاً طائلة ليست المفاجأة الوحيدة. ففي حفلة «أمسية مع ميريل ستريب» التي أُقيمت في متحف أونتاريو الملكي في تورونتو في شهر أكتوبر، علّقت الناقدة السينمائية جوهانا شنيلر على ما اعتبرته «ظاهرة جديدة» في أعمال ستريب الأخيرة وتحدثت عن ميزة وصفتها الناقدة بقولها: «إنها تحرُّر أو ما أفضّل أن أسميه مرحاً». ثم سألت ستريب: «هل تستمتعين أكثر من السابق؟ هل تختارين الأفلام الأكثر متعةً؟». تهرّبت ستريب من السؤال، مرجعةً انتقاءها الأدوار إلى قوّة النساء المتنامية في صناعة تسيطر عليها حتّى اليوم مجموعة من الذكور المسنين. وأضافت ملكة هوليوود: «لا تُتاح أمامي خيارات لأنني لا أنتج أفلامي الخاصة. لذلك أنا أشبه بفتاة في حفلة تنتظر أن يتقدم أحد منها ويطلب مراقصتها. لا أبحث عن المواد ولا أشتري الكتب ولا أتملّق المنتجين، كل ما أفعله هو الانتظار فحسب. أظن أن ما تشيرين إليه ظاهرة تحدث اليوم لأن عدداً أكبر من النساء صرن من صناع القرار وهن قادرات على إعطاء الضوء الأخضر لإنتاج أفلام مماثلة». من المثير للاهتمام أن قدرة ستريب على بث روح الفكاهة في أطر بعيدة الاحتمال تدهش حتى المخضرمين أمثال مايك نيكولز. يذكر هذا الأخير: «لطالما كان هذا الجانب حاضراً في أعمالها. حين كنا نصوّر سلسلة Angels in America، قلت لها: «كيف خطر في بالك إضفاء روح الفكاهة على شخصية إيثيل روزنبيرغ؟». فأجابتني: «لا تستطيع تجديد ما ستقوم به حتى يحين موعد تمثيل الدور». أعتقد أن هذا هو سرّها. عليك أن تستخدم كل عقلك الباطني. في فيلم The French Lieutenant’s Woman، حين عادت وجيريمي أيرونز للتمثيل معاً في النهاية، يقول لها أيرونز: «كيف استطعت التخلي عمّا كان بيننا؟»، ومن ثم يرمي بها أرضاً. فيصطدم رأسها بالأرض، وتبدأ بالقهقهة لأنها تدرك أن الأحوال اصطلحت بينهما. كانت تلك من أكثر لحظات التمثيل دهشةً التي رأيتها في حياتي. لكن الغريب أنهم صوّروا المشهد ست مرات، بيد أنها لم تضحك سوى مرة واحدة. فقدرتها على استغلال ردود فعلها الداخلية ومعرفتها أن ذلك هو الجزء الأعمق في الشخصية تدلان على أنها ممثلة سينمائية عظيمة». فضلاً عن الأفلام، أدت ستريب أدواراً مسرحية في أعمال لبريخت وتشيكوف. فكانت تعمل بلا هوادة حتى خلال تربيتها أربعة أطفال مع زوجها دون غامر، نحّات يشتهر بأعماله الخارجية الضخمة. هنري (30 عاماً) ممثل وموسيقي يستخدم اسم هنري وولف. ومامي (26 عاماً) ممثلة هي الأخرى أعلنت أخيراً خطوبتها من الممثل بن والكر. من أعمالها فيلم Taking Woodstock وسلسلة John Adams التي عُرضت على قناة HBO. أمّا غرايس (23 عاماً) فكانت انطلاقتها على مسرح برودواي في العام 2008 في مسرحية The Sexual Neuroses of Our Parents، بينما تخرّجت لويزا، 18 عاماً، من الثانوية في الربيع الماضي. مع مغادرة آخر أولادها كنف العائلة، يرى نيكولز هذه المرحلة من حياة ستريب سبباً إضافياً لإحساسها الواضح بالراحة. يقول: «أعتقد أنها سعيدة جداً. فتربية أربعة أولاد تثير المخاوف في نفس كل والد. ولكن حين تنتهي هذه المهمة على خير ما يرام، يبدأ المرء بالاسترخاء. أظن أننا نستطيع لمس حريتها وقوّتها وارتياحها، بعد أن ربت أربعة أولاد وساعدتهم ليؤسسوا حياة مهنية بارزة وعلاقات حب سعيدة. صحيح أنهم لا يزالون مرتطبين بها بشكل غير مرئي، لكنها صارت حرة. ففي النهاية، لم تعد تفكر: «علي أن أسارع في العودة إلى المنزل». والأعمال التي تتمخض عن هذه الحرية أعمق لا بل مبتكرة». لطالما حرصت ستريب على حماية خصوصيتها وخصوصية عائلتها، متجنّبة المعمعة الإعلامية في حفلات توزيع الجوائز. كذلك تفادت قدر الإمكان جذب الأضواء إليها، مناورة كثيراً ما يلجأ إليها الفنانون كوسيلة دعائية. طوال حياتها المهنية، لاحظ المراقبون، على غرار الناقد السينمائي مولي هاسكل(عام 1988)، «عزمها على أن تكون ممثلة لا نجمة بالمعنى القديم للكلمة، وعلى أداء أدوار مسرحية غريبة في وسط يعتمد النجاح فيه على حب عدد كبير من الناس. ففي استعداد ستريب للتخلّي عن فكرة أن يعرفها الناس بسرعة، تُبرز مسألة بدأت منذ بعض الوقت تحظى باهتمام أكبر، ألا وهي جاذبية المرأة... ما من امرأة أخرى رفضت بقدر ستريب أن تبدو مثيرة أو تطلب من الجمهور أن يتعرف إليها بسرعة. فتصميمها على أن تكون مختلفة هو الأمر الوحيد الثابت في حياتها المهنية. فكل دور يختلف عن الآخر، وعما قد نتوقعه من ستريب... يبدو أن هذه المرأة الغامضة المناهضة للنجومية تسيطر على حياتها وعلى أدوارها. ويشكّل ذلك على الأرجح انسجاماً بين جديّتها كممثلة والمحظورات التي تلتزم بها كامرأة بروتستانية حسنة الأخلاق». لكن ظلّت جاذبية ستريب البارزة مظهراً أساسياً من مظاهر جمالها، على رغم تقدّمها في السن والقيود التي قد يحاول البعض فرضها نتيجة لذلك. حين اختارها كلينت إيستوود للتمثيل أمامه في فيلم The Bridges of Madison County، الذي رُشّحت عنه لجائزة أوسكار عن أفضل ممثلة في العام 1996، كان سبب اختياره لها بسيطاً. قال هازاً كتفيه: «إنها أعظم ممثلة في العالم». عن هذا الفيلم تذكر ستريب: «أثرت جدالاً كبيراً لأنني أكبر سناً من أؤدي الدور، على رغم أن كلينت كان يكبرني بعشرين عاماً تقريباً. كان الدور معداً لامرأة في الخامسة والأربعين، فقال كلينت: «هذه امرأة في الخامسة والأربعين»». غالباً ما طبّق المخرجون والمنتجون، خلال انتقائهم الممثلات، معياراً مزدوجاً مبالغاً فيه بشأن السن. فمع أداء ستريب اليوم دور الزوجة السابقة وحبيبة أليك بولدوين، الذي يصغرها بتسع سنوات، أخذ مراقبون كثر يتساءلون عمّا إذا كانت هذه التفضيلات القديمة الطراز بدأت تتغير بطريقة تؤثر في الممثلات الأخريات، أو أنها تقتصر على ستريب، التي طالما كانت مثالاً فريداً من نوعه. في مطلق الأحوال، قد يكون جزء كبير من مرحها المذكور سابقاً مرتبطاً بسعادتها المستمرة لأنها بعد هذه السنوات كلها لا تزال تنجح في القيام بما تحبه. تعلن ستريب: «مُنحت أدواراً عظيمة، غريبة، ومثيرة للاهتمام تتخطّى «تاريخ صلاحيتي». أذكر أنني قلت لدون حين كنت في الثامنة والثلاثين: «حسناً، انتهى الأمر». لكننا أرجأنا النهاية لبعض الوقت». لا تزال نهاية ستريب بعيدة على ما يبدو. لكنها تعطي دوماً انطباعاً بأنها تتعامل مع حياتها المهنية في الآونة الأخيرة بطريقة مختلفة نوعاً ما. ففي حفلة تورونتو، تحدّثت أخيراً عن التحوّل الجذري في موقفها، تجاه عملها وتجاه نفسها على حد سواء. عندما كانت ستريب في عشريناتها، غالباً ما انتُقدت لأنها لا تمثل الجمال التقليدي. تقول مبتهجةً في متحف أونتاريو الملكي: «أنفي طويل جداً». ومن القصص الشهيرة أنها كانت تقوم بتجربة أداء لدور الشابة التي تتعرض للخطر (حازته في النهاية جيسيكا لانج) في نسخة مجددة من فيلم King Kong للمخرج دينو دي لورينتيس في العام 1976. لكن ستريب فشلت في إبهار المنتج، الذي ذكر لابنه باللغة الإيطالية: «لمَ أرسلت لي هذه الخنزيرة؟ هذه المرأة في غاية القباحة». افترض لورينتيس آنذاك أن ستريب لم تفهم ما قاله، إلا أنه صُدم حين أجابته بطلاقة باللغة الإيطالية: «آسفة لأنني خيّبت ظنّك». يُشار إلى أن لورينتيس ينفي أن يكون هذا الحديث دار بينهما. جاء وقع هذه الإهانات مؤلماً على ستريب، لكن نضجها وتجربتها منعاها من إهدار طاقتها على التألّم. ذكرت في تورونتو: «أمضيت معظم فترة شبابي في القلق بشأن ما إذا كنت جذابة بما يكفي. لكني مللت من القلق بشأن ذلك بعد حين «. من ثم أضافت بشكل ماكر: «لم أكن يوماً جميلة بما يكفي». في أدوارها الأخيرة، يشعر المرء بأن ستريب قالت لنفسها في النهاية: «لا آبه للأمر». ومن الممتع مشاهدة ذلك الإحساس بالتحرّر الذاتي. وبما أنها أم لثلاث فتيات، تعرف حق المعرفة مدى الضغط الذي تتعرض له المرأة للحفاظ على رونقها. تذكر ستريب: «تكتشف الفتاة خلال نضوجها، وما إن يظهر الشبّان في الصورة، أن عليها تغيير ذلك المظهر الحازم كي تكون مقبولة وجذابة بين الفتيات والشبّان على حد سواء».شعرت ستريب براحة عارمة لأنها باتت كبيرة على تلك القيود. تعلن بصوت ضاحك: «لا أذكر المرة الأخيرة التي قلقت فيها فعلاً بشأن الظهور بصورة جذابة. كان ذلك منذ زمن طويل. تحررت من هذه القيود حين أصبحت ممثلة. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المخرجين يحبون هذا التحرر. أذكر أن المخرج وزميلي في التمثيل ألبرت بروكز قال لي في فيلم Defending Your Life: «ألا تستطيعي أن تكوني أكثر جمالاً بقليل». وكرّر هذه العبارة أشخاص آخرون في السنوات التالية». لكن تابعت متحدثةً بسخرية أكبر، فقالت: «لكني لا أصغي إلى هذا الكلام».كيف حرّرت نفسها إذاً؟ توضح ستريب: «لا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يعلّمك ذلك. عليك، برأيي، أن تمل فحسب من سماع التعديلات في مقاربتك إلى مختلف المسائل... تماماً كما على المرء أن يسأم من الشرب أو المخدرات قبل أن يقلع عنها. حين يتقدم المرء في السن ويبدأ الوقت بالنفاد، يرغب في أن يكون ما هو عليه فعلاً، من دون أن يبالي بالآخرين. على أية حال، أظن أنني ما شعرت يوماً بالراحة حين كنت فتاةً صغيرة». قوةً إضافيةمع تقدمّها في السن، تستمد ستريب الممثلة قوةً إضافية من رفضها تغيير وجهها بواسطة الجراحات التجميلية أو البوتوكس. تعلق لاكومب على هذه المسألة، موضحةً: «حين تبدئين بذلك، يصعب عليك التوقف. إن فهمت أن نجاح أعمالك لا يرتبط بمظهرك، تختارين أدواراً مختلفة مع تقدمك في السن. الأمر سيان مع النساء في الحياة الحقيقية، هؤلاء النساء اللواتي يرغبن في التشبث بجزء معين من حياتهن وفي الحفاظ على شبابهن. فيفوّتن مرحلةً بعد أخرى من مراحل الحياة. ولا شك في أن هذه طريقة عقيمة وسخيفة للنظر إلى الحياة، فضلاً عن أن ذلك يدّمر عملهنّ. قد يخلن أن محاولة وقف الزمن تطيل حياتهن المهنية، وأنهن قد يحصلن على دور إضافي أو اثنين، لكن وجههن هو أداتهن، شأنه في ذلك شأن فهمهنّ للحياة وتجاربهن فيها. فإن غيّرتِ ذلك الوجه، تحرمين نفسك مما تحتاجين إليه لتقديم عمل ناجح».يستند ازدراء ستريب بمثل هذه التدابير اليائسة إلى تقييمها آثارها التدميرية. تعلّق: «حين أرى التغيير في وجوه مَن ألتقيهم، أشعر بأن التواصل معهم انقطع. أشعر وكأن عالماً يفصل بيني وبينهم. وبالنسبة إلى الممثل، فذلك أشبه بوضع غطاء على وجهه، وهذا ليس بالأمر الجيد».لطالما جعل هذا الموقف ستريب وجه لاكومب الفوتوغرافي المثالي. تشير هذه الأخيرة: «أرفض كل ما هو اصطناعي. ما أقوم به في غاية البساطة، لا أهتم بتغيير مظهر الناس». تشير إلى كتابها الضخم على الطاولة الذي يحمل عنوان Lacombe والذي نُشر في العام 2008. يتضمّن هذا الكتاب الكثير من صور ستريب الرائعة. تقول لاكومب: «في نظري، إنها ستريب وليست ممثلة. لكن هذه الصور نادرة جداً. فحتّى الممثلات في عشريناتهن وثلاثيناتهن لا يستطعن النظر إلى أنفسهن بهذه الطريقة. يتوق جميعهن إلى الظهور بمظهر عارضات الأزياء، ومن ثم يتساءلن: لم لست مثل ميريل ستريب؟ بالنسبة إليّ، الجمال الجسدي لا يكفي لأنه غير مثير للاهتمام. يشمل الجمال كل شيء. على الشخص أن يكون مضحكاً، حيوياً، وذكياً، ولديه ثقافة ما، لا المظهر الجميل فحسب. ميريل مثيرة للاهتمام، لأنها مضحكة وذكية جداً». تضيف لاكومب: «لكنها باعتقادي تكره أن تُلتقط لها الصور. يجد معظم الممثلات، أو النساء، لحظة يستمتعن خلالها بأن يُنظَر إليهن، بطريقة إيجابية وبنية حسنة. إلا أنني لا أعتقد أن ميريل تحظى بهذه اللحظة إطلاقاً. فهي ليست مهتمة بالظهور بشكل أجمل أو بتخصيص مزيد من الوقت لكي تبدو الصور أفضل. أتفهّم كرهها للوقوف أمام الكاميرا، فالنسبة إلى شخص مشهور جداً، ذلك ممل جداً وبمثابة عبء. أنا واثقة من أنها تعتبر ذلك بمثابة أداء دور ميريل ستريب، فلا تجده بالتالي دوراً مثيراً للاهتمام. تتحلّى بالكثير من الصبر وتستمع كثيراً إن كانت تجسّد شخصيةً ما غير شخصيتها». لكن ستريب تشرح ذلك بصراحة أكبر: «أكره أن تُلتقط لي الصور». عند النظر إلى صور لاكومب، التي تُظهر ستريب في مجموعة مذهلة من الحالات النفسية والمراحل، لا يسع المرء إلا أن يلاحظ جمالها الذي لم يذبل، قدرتها على الظهور بأشكال مختلفة، أو مجموعة أدوارها الواسعة. لكن ما تراه هي مغاير تماماً. تعلّق ستريب: «أستطيع تمييز صورتي حين كنت حاملاً. ترين هاتين الوجنتين المنتفختين وهذه التفاصيل. في صورة العام 1986، كنت حاملاً بغرايس، وكنت أضع يدي على وجهي لأنني كنت أمسك بوجنتَي المنتفختين، وأحاول ردعهما». وهنا تنفجر مرةً أخرى بالضحك. أمّا صورة العام 2002، التي التقطتها لاكومب بعد أن أُزيل الماكياج عن وجهها في نهاية إحدى اللقطات، كانت باهتة جداً إلى حد أن وكيل الإعلانات الخاص بستريب ارتعب حين علم بأن المعهد الأميركي للأفلام استخدمها على إحدى اليافطات في سانست بولفار لتكريم ستريب. يقول وكيل الإعلانات: «لكنها أحبّتها». تذكر ستريب ضاحكةً: «إنها المفضّلة لدي لأنهم أزالوا كل الأوساخ عن وجهي. ألجأ إلى بريجيت بعد هذه السنوات كلها، نتواجه عبر العدسات، وهي تدرك ما عليها فعله: «التقطي الصورة. لننتهِ من ذلك كي أعود إلى منزلي»». واليوم سئمت ستريب من التحدّث عن نفسها، لذا حان الوقت لتلخّص شعورها إزاء هذه المرحلة من حياتها. تقول بحماسة: «أنا ممتنة جداً لأنني ما زلت حيّة. فبعض أصدقائي مرضى وآخرون وافتهم المنية. لكني ما زلت على قيد الحياة. طبعاً، ليس لدي ما أتذمر بشأنه».
توابل - Movies
ميريل ستريب ملكة هوليوود
26-01-2010